عندما يستند ظهر المدينة إلى براءة مسرحية، تتحوّل المدينة إلى فضاء احتفالي بتعبير عبد الكريم برشيد، وتتحوّل الحركة إلى مادّة للرصد قصد إحالتها إلى الركح، لتجريب ما تتضمّنه من تأويلات تفيد في إنضاج رؤية الإنسان إلى ذاته ومحيطه وعفوياته وهو يخترق صمت المدينة مؤثّثا بهواجس الأسئلة حول الجدوى. ولهذا كان مقهى المسرح حالة من الوهج، والأمل في أن تكون الأزمنة المقبلة أفقا لاستمطار المعنى والضرورات التي لا تخلو من عطش للإنسان في طقوسياته المكتظة بالفنون والحكايا.
«مقهى المسرح»… الثقافة خارج التسطيح:
لمّا أعلن عن مقهى المسرح، كان صديقي قد رأى هيكلا لباب تتصدّره كراس وطاولات، فطلب منّي أن ننزوي إلى نشوة فنجان في فضاء المسرح، مررنا أمام الباب المذكور ولم يكن هناك شيء يذكر مما تصوّر، بعدها بأيّام رأيت «مقهى المسرح» مفتوحا ومختوما بلافتة تؤكد عنوانه المقصود، حينها ارتجعت القهقري إلى كتاب فرانك فوريدي «أين ذهب كل المثقفين» وهو يتحدّث عن «التسطيح» بإحالة القارئ إلى مشهد الرغبة في الذهاب إلى المتحف، لكنه يقول في سخرية طاغية، الحقيقة أنّه لا ذهاب إلى المتحف، بل إلى «مقهى المتحف»، انحدار ثقافي صراحة.
أعود إلى مقهى مسرحنا الجهوي، كان افتتاحه الرسمي بتخصيصه فضاء ثقافيا يحمل اسم أحد الوجوه العلمية والثقافية، الذي غادر دار الفناء منذ أعوام، فجمع مديره الجهوي ثلة من الوجوه الثقافية والفنّية وزملاء المرحوم،ّ وكانت أمسية تداولها الفقد والأمل في ما سيقدّمه «المقهى» مستقبلا من عروض باعتبار هويته الثقافية ابتداء.
كتب الشاعر عبد الله الهامل نصا افتتاحيا بدمع هنا وابتسامة هناك، ورسائل من «المقهى» إلى «علولة»، الذي مضى في الغياب في أصبوحة تجلّل فيها بعطر أبيه وكسّر زجاجته، ليوقظ في المكان صمتا مكثفا بالأريج، رحل ريثما استيقظ والده وتفقّد نظارته وقنينة العطر الذي فاح في أرجاء الغرفة، كان حينها «علولة» قد فارق الحياة مغادرا إلى بقاع الله الآهلة بالحياة الأبدية. كان هذا المشهد في جوهره مسرحيا، باعتبار الموت الذي يضحك على أذقاننا ونحن نوهم أنفسنا بأنّنا نمارس شيئا اسمه حياة، كان لا بد للمقهى من صعقة كهذه حتى لا تتحوّل أروقته إلى فضاء لتقديم القهوة على صورة أعناق الدخان وهي تمتد في الفضاء لتتلاشى إلى لا شيء.

المسمى عليه المقهى، عبد الرحمن مزيان، أكاديمي ومترجم ومثقف، رحل أيضا وفي ثنايا الجسد أمنيات ورغبات بإنجاز مشاريع كثيرة، لعل الفضاء الجديد يحمل مشعل التتمة المؤجلة والمأمولة. أثناء دخولي وصديق لي إلى «مقهى المسرح» انزوينا إلى طاولة، ولم نشأ إرباك الفضاء الذي كان قد تأثث بأرائك وثيرة، لمّا رمقنا عبد الله راح يجرّ أريكة إلى ركن المكتبة التي رصّعت فضاء المقهى بذاكرة المعنى، وأحضرني قائلا: هذه زاويتك. كان صديقي قد انهمك في تفتيش المكتبة متناولا عناوين مختلفة، ثم أشار إلى كتاب للرّوائي الجزائري الراحل محمد ديب صاحب ثلاثية «الحريق» و»دار السبيطار» و»النول»، بعنوان «في المقهى»، ولم أكن أعلم بهذا العنوان، فانصرف ذهني مباشرة إلى أشهر المقاهي في العالم وأعتقها، التي شكّلت ذاكرة لأصحابها وللأجيال التي تتداول هذه الحياة التي على وجهها ما يستحق العيش. تذكّرت مقهى «طونطون فيل» في العاصمة الجزائر الذي بني حوالي عام 1870 من قبل الأخوين تورتيل، وكان مأوى المثقفين والفنّانين وما زال.
لا يمكن أن نغفل صاحب نوبل ومقهى ريش ثم مقهى الفيشاوي في خان الخليلي ومقهى عُرابي غير المعروف في حياة محفوظ، حيث كان يجتمع كل خميس بأصدقاء الطفولة كما ذكر الغيطاني في أحد حواراته، ومقهى «دو فلور» و»لي دو ماقو» حين تعانقت رؤية سارتر الفلسفية بحلم سيمون دو بوفوار النّسوي.
العبودية تتهاوى على مقاعد مقهى المسرح:
كان أول أمسيات المقهى مناقشة رواية «ميراث ليس كما غيره» un heritage pas comme les autres للرّوائي يوسف بن دخيس، الحاصل على الجائزة الكبرى للمخطوط في فرنسا. تمثل الرّواية مسارا تحرّريا لشخصية «مبيريك» و»حادّة» اللذين تربطهما علاقة حب، ويأخذ مبيريك وعدا من سيّده بأن يقبل زواجه من حبيبته، إلا أنّ وفاته تعجّل باختلاف مسار حياتيهما، فتتفجّر إمكانات التحرّر عند مبيريك بما تنفتح عليه المسارات الحدثية، حيث يتأسّس بطل محرِّر للأسياد بعد وقوعهم في أسر قطّاع الطرق، لتتم عملية التحرير انطلاقا من فعل البطولة الخارق.
إنّ ربط الرّواية بموضوعة الحرية، يقود إلى التّماس مع فعل الثورة، ولا يمكن أن نقطع حبل الوصل مع كاتبها، إذ يعتبر من جيل السبعينيات، بما تختزنه تلك المرحلة من حلم بمنجزات الثورة الجزائرية، ومن ثمة التطلع لفعل ثوري أساسه حق تقرير الشعوب لمصيرها، ومنه تأخذ العبودية معنى أوسع لا ينحصر فقط في لون معيّن للبشرة، ولكن تنطبق على كل ظلم من إنسان لأخيه الإنسان، وما يحدث راهنا خير دليل على ذلك، إذ تمثل غزّة مطلق الظلم، الذي يمكن أن يتصوّره عقل إنسان، ظلم الصّهاينة المتوحش.
تقدّم الرّواية إمكانات التحرّر الداخلي كرمز للتحرّر من الخارج، فمبيريك يقع في أسر قطّاع الطرق، وطريقة تخلّصه من السجن تجعل التحرير رمزيا يطال كل ذات تعي ذاتها ووضعيتها الإنسانية، إذ يستعمل مبيريك قوّته العقلية والجسدية للانفكاك من كل قيوده الداخلية ومواجهة القيود الخارجية والانتصار عليها، فأزاح الصخرة التي كانت تسند الباب الذي يسد عليه أفق حريته، وكأنّه تخلّص من السيزيفية المريرة التي رهنته لعقوبات الواقع المتألّه.
إنّ عملية التحرّر جاءت بعد اعتراف القبيلة بقوة المستعبَد، حيث تمارس الرواية استبدالات في عملية التحرير، فالعبد حرّر أسياده، وبالتالي، تمّت عملية كسر القيد وفق منظور هيغيلي عندما يصبح العبد واسطة بين السيد والطبيعة فيصبح أكثر معرفة بالخارج، ليعتمد عليه كلية السيد، وبهذا يصبح عبدا له.
هذا النص ينفتح على عالم يستعبد فيه الإنسان أخاه الإنسان، المتفوّق يستخدم الذي لا يملك شيئا لتحقيق مآربه، الرأسمالي المتوحش لا يني يستغل الضعيف في ازدياد ثروته، رب العمل يضغط على العامل حتى العظم ليزداد في غناه ويغرق الفقير في جهله وفاقته. لهذا كان هذا النص بمثابة شعور الوعي الجمعي بتيار من الحرية العابر منه إلى ذوات أخرى كفعل مواجهة مع مشكل العبودية، فتشكل الدافع لإفراز رؤية راهنة حول الاستعباد، أو فعل السّخرة.
«مبيريك» وحبيبته «حادّة»، كلمتان تؤدّيان معنى الحرية، كلمتان تمثلان حبّا غير مكتمل، إلى أن تبلغ ثورة جمالية على مستوى الواقع والسرد، مستوى قيميا يسمح بدفع فعل التحرير إلى المدى النهائي، حيث تتحقّق الحرية باعتبارها حاجة المجتمعات النّضالية التي من دونها لا يمكن أن تمارس الإنسانية إنسانيتها.
كاتب جزائري