معرض «Wetiko» للمصرية نرمين همّام… الروح الشريرة وتدمير العالم

القاهرة ـ «القدس العربي» : تواصل الفنانة المصرية نرمين همّام ــ مواليد القاهرة 1967 ــ تجسيد رؤيتها الثقافية من خلال معرضها الأخير «Wetiko»، الذي أقيم ضمن المعارض الخاصة في (أسبوع القاهرة للصورة) في دورته الرابعة. وكما يبدو في أسلوبها المزج بين الفوتوغرافيا والتصوير، هناك أيضاً حالة دائمة من الرؤية الانتقادية، من وجهة نظر ثقافية غير مرهونة بحدث أو موقف عارض، هذه الرؤية التي أكدتها معارضها السابقة وموضوعاتها، كتصوير معاناة وحالات المرضى النفسيين في مصح نفسي في القاهرة، أو لقطات من الثورة المصرية، والكشف عن الكثير من العلاقات والتوجهات بين الثوّار والقوى المسيطرة وقتها، وما زالت. فالأمر لا يقتصر على مجرد التقاط صورة والحفاظ على جماليات معهودة في فن الفوتوغرافيا، بل يتعدى إلى رؤية، أو وجهة نظر انتقادية، ومساءلة ثقافية بالأساس تحمل الكثير من الوعي.

Wetiko


نبدأ بتعريف الكلمة التي يحمل اسمها المعرض، والتي حسبما جاء جوار اللوحات، فهي كلمة تنتمي إلى سكان أمريكا الأصليين، وتعني (الروح الشريرة) التي تتملك وتسيطر على العقل البشري، فتصبح القوة الدافعة للجنون الجمعي وتدمير كل شيء، حيث الجشع والشره الشديد واستغلال الآخرين.. أرضاً وشعباً وروحاً. وهو ما يحدث الآن ونطالعه جميعاً في كل لحظة. وحتى لا تصبح اللحظة الآنية منفصلة عن جذورها، فالأمر يبدأ بفكرة المستعمر الأوروبي ـ الذي أصبح أمريكياً ـ ونشر العنف والتدمير (الروح الشريرة) يأتي دائماً تحت مُسمى (الحضارة)، وبالتالي إقناع المجتمعات بأن فعل السيطرة والهيمنة هذا يُعد أمراً طبيعياً، بل يتعدى إلى كونه تضحية من قِبل المستعمِر في سبيل تهذيب وإصلاح البشر الأقل عقلاً وشأنا وحظا في كل شيء.

المغلوبون على أمرهم
في لوحات تتناول موضوعات ممتدة من بدايات القرن التاسع عشر، وحتى أوائل القرن العشرين، والتي تغلب عليها روح التوثيق، لحدث أو أرض أو ناس ـ يتعلق الأمر أكثر بالقتال والحروب ـ نطالع لوحات العديد من فناني ذلك العصر، منهم، فريدريك ريمنغتون (1861 ــ 1909)، تشارلز ماريون راسل (1864 ـ 1926)، ليوبولد كارل مولر (1834 ـ 1892)، يوجين فرومنتان (1820 ـ 1876)، أليكس أوغست (1867 ـ 1950)، أنطوان جرو (1771 ـ 1835)، هنري فارني (1847 ـ 1916)، يوجين براخت (1842 ـ 1921). كذلك نجد جنسيات الفنانين المختلفة.. فرنسا، أمريكا، النمسا، ألمانيا. وتمتد الأماكن، بداية من معارك نابليون، ثم الغرب الأمريكي، وحتى الصحراء المصرية والسورية وبلاد المغرب.
ومن أفعال هؤلاء الغزاة تتوالد مأساة الشعوب التي لا تنتهي، فلا فارق بين سكان أمريكا الأصليين أو الشعوب التي غزاها نابليون، وما يحدث لأهل غزة الآن، لذا لا نستغرب أن تتضمن لوحة من عام 1902 وأخرى عام 1904 مقاوما فلسطينيا يحمل «آر بي جي» أو زجاجة مولوتوف، أو فلسطينيين مُهجّرين يحملون أطفالهم ويهرولون وسط المذابح. فالصور والفيديوهات التي تبثها وتنقلها الصحف والفضائيات الآن، ليست غريبة أو جديدة على الإرث الاستعماري المُمتد منذ قرون، وهو ما حاولت ونجحت في تجسيده نرمين همّام، فلا غرابة في أن يُجالس أمريكي أصلي يمسك ببندقية تنتمي إلى عصره، مناضلا فلسطينيا يستريح لحظات إلى جواره، مُمسكاً آر بي جي.

زمن ممتد لا ينتهي


ومن خلال المزج بين الفوتوغرافيا وإعادة رسم الشخصيات، التي تنتمي إلى وقتنا الحاضر، بأن تصبح شخصيات ضمن لوحات تعدّت القرن، وجسدت أحداثاً من قرون خلت، دون أن تستشعر أي غرابة في المشهد ـ فقط الاندهاش ـ حتى لو اختلفت الملامح أو الملابس، أو شكل ونوع الأسلحة لدى طرفي القتال، فالفكرة واحدة، والغزاة والضحايا فقط هم الذين يتغيرون، من شعب لآخر، ولكن فكرة الغزو والتدمير واحدة لا تتغير، وهو ما يكشف مدى زيف أفكار مثل، تحضّر المجتمعات، التي ستظل في عرف هؤلاء قاصرة، ولم ولن تبلغ سن الرشد بعد. أفكار وهمية مغلوطة، تبرر لأصحابها جرائم وحشية، وروح شريرة مسيطرة على عقول هؤلاء المتحضرين، أصحاب الحضارة والعقل التنويري، وما شابه الكثير من المصطلحات والمترادفات، والتي للأسف يتغنى بها بعض من أصوات هذه الشعوب/الضحايا، والتي لا تفرق عن تواطؤ ودناءة العبيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية