لم يأتِ دونالد ترامب إلى السياسة من أبواب الفكر أو التجربة أو حتى الالتزام العام، بل دخلها كما يدخل أحدهم استوديو برنامج واقعي: بخطاب صاخب، وكاريزما بارقة، وازدراء تام للمؤسسات، في أيامه لم تُصنع السياسات خلف الأبواب المغلقة، بل على تويتر – ولاحقاً على روث سوشال – فكانت تغريداته بمثابة بيانات رئاسية موازية، تتجاوز القنوات الرسمية وتخاطب الجمهور مباشرة بلغة تبسيطية، غاضبة، ومشحونة، تعيد إنتاج نفسها في دوائر الاستقطاب.
لقد تجاوز ترامب بحضوره الطاغي وشخصيته التي تبدو أكثر أصالة من منافسيه، مفهوم السياسي التلفزيوني التقليدي الذي يتقن تقديم نسخة مفلترة من ذاته، ليستعرض أمام جمهور عالميّ هائل شخصية غير معنية بالتظاهر أو لعب الأدوار، تُعامل السياسة على أنها عرض ترفيهي مستمر، والمواجهات الدولية كحلقات من برنامج تلفزيوني واقعي.
بدون فهم هذا البعد الأساس في تكوين النموذج الترامبي، سيجد المراقبون والمحللون أنفسهم أمام سياسات متناقضة وتصرفات مفاجئة وتصريحات صادمة، تتقاطع جميعها لتصنع حدث العالم اليومي الطازج.
من رجل الأعمال التلفزيوني إلى «الرئيس – العرض»
لقد كانت لترامب مسيرة إعلامية طويلة قبل دخوله عالم السياسة، بداية من كونه مطوراً عقارياً يروج لنفسه ببراعة، وصولاً إلى استضافته لبرنامج تلفزيون الواقع الشهير «المتدرب» (The Apprentice.
في ذلك البرنامج، لم يكن ممثلاً يتقمص دوراً، بل يلعب نسخة مكبرة وأكثر صخباً من نفسه. لقد أتقن فن طرد المتدربين والإعلانات الصادمة والتصريحات الحادة، مما أكسبه شهرة واسعة وصقل لديه مهارات «الدراما» التلفزيونية. لم يكن رجل أعمال ناجحاً بشكل استثنائي في الواقع، لكنه أبدع في لعب ذلك الدور على شاشة التلفزيون، ما زرع في الأذهان فكرة أنه يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة الحكومة الأمريكية – قلب المنظومة الرأسمالية – كعمل تجاري.
بالمقارنة كان رونالد ريغان، وهو ممثل سابق، يعتبر معلماً في الاستعراض ويؤدي ظهوره كرئيس بمهارة محترفة، ولذلك يمكننا اعتباره شخصية تلفزيونية كلاسيكية. لكن ترامب يختلف جذرياً. ريغان، كممثل، كان يتقمص الأدوار، أما ترامب، كنجم تلفزيون واقعي، فهو يقدّم ما يتناقض مع التمثيل السينمائي. أن تلعب شخصية في تلفزيون الواقع يعني أن تكون نفسك، ولكن بشكل أكبر وأكثر ضجيجاً. تلفزيون الواقع، في جوهره، يشجع على أن تكون حقيقياً إلى الحد الأقصى. لكن أن تكون حقيقياً هنا ليس بالضرورة بمعنى أن تكون صادقاً بقدر ما تستدعي النسخة الأكثر تسلية واستفزازاً من نفسك، وأن تقول ما تفكر به، دون الاهتمام بما إذا كانت كلماتك لطيفة أو مسؤولة أو مؤذية طالما كنت ترغب بقولها.
لقد استمرأ ترامب فن الفوضى المنظمة، حيث يبدو أكثر صراحة وأقرب إلى مشاهير عالم الإعلام الحديث منه إلى النمط القديم للسياسيين التقليديين مثل جون إف كينيدي أو هارولد ويلسون أو ديفيد كاميرون الذين كانوا يحرصون على تقديم نسخ معقمة من ذواتهم على التلفزيون.
إن فهمه العميق لمتطلبات التلفزيون والترفيه يجعل منه أقدر على تقديم شخصية أكثر أصالة من منافسيه المملين وهذا ما منحه شعبية هائلة لدى الجمهور العاديّ الذي سيطرت عليه الصورة ولم يعد معنياً كثيراً بالتدقيق في الخلفيات والمنطلقات.
قمة «كاناناسكيس»: خشبة مسرح للرئيس
إن متابعة دقيقة لسلوك ترامب خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة في منتجع كاناناسكيس الكندي تعكس تماماً شخصية «السياسي ما بعد التلفزيوني» هذه كأوضح ما يكون.
لقد أتت القمة في خضم وقت متأزم بسبب الحرب الإسرائيلية على إيران، وفشل محاولات التوصل إلى تسوية في الحرب الأوكرانية، ناهيك عن التوترات التجارية عبر العالم بسبب التعرفات الجمركية. ولكن بدلاً من توحيد مواقف الغرب حول تلك القضايا، تحولت القمة إلى خشبة مسرح لتقديم برنامج ترامب الاستعراضي.
فمنذ اللحظة الأولى، سرق الأضواء. تصريحه بأن طرد روسيا من المجموعة عام 2014 كان «خطأً كبيراً»، وادعاؤه بأنه الوحيد الذي يمكنه التواصل مع بوتين، بالإضافة إلى انفتاحه على ضم الصين إلى المجموعة الغربيّة بامتياز، كلها كانت خطوات محسوبة لقلب الطاولة وإرباك الأجندة التقليدية للقمة. لم يكن الهدف هو الوصول إلى توافق، بل خلق صدمة وجذب الانتباه، تمامًا كما يفعل نجم تلفزيون الواقع الذي يسعى دائمًا إلى تصدر العرض.
ثم كان انسحابه المبكر من القمة، معلناً أن «ما يجري في الشرق الأوسط» يستدعي عودته الفورية، بمثابة ذروة درامية، ودعوته الإيرانيين إلى «إخلاء طهران فوراً» عبر تطبيق «تروث سوشال» الخاص به أثارت تكهنات واسعة حول تدخل عسكري أمريكي وشيك، على الرغم من نفي البنتاغون لاحقًا. هذا التصرف لم يهدف إلى صياغة سياسة متأنية، بل إلى إحداث صدى إعلامي هائل، وإبقاء الجميع في حالة ترقب، تماماً كما تنهي حلقة تلفزيونية واقعية بمشهد مشوق معلّق لضمان عودة المشاهدين.
تمنع ترامب في القمة عن التوقيع على الصيغة الأوروبية للبيان الختامي، التي دعت إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران والعودة إلى الحلول الدبلوماسية. هذا الرفض العلني، والإصرار على صياغة منحازة تدعم إسرائيل بشكل قاطع، ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو سلوك يُعيد تمثيل قواعد غرفة الاجتماعات في برنامج «المتدرب»، حيث لا مكان لأخلاقيات أو إنصاف. أما عبارة ترامب المتكررة «إن إيران ليست بصدد كسب هذه الحرب»، وإصراره على أنه «كان عليهم توقيع الاتفاق النووي الذي عرضته عليهم»، يعكسان عقلية «الفائز – الخاسر» التي تسود في برامج تلفزيون الواقع التنافسية.
بالنسبة لترامب، السياسة هي لعبة صفرية، لا مساحة فيها إلا لفائز واحد، ما يتناقض مع مبدأ التعاون والتوافق الذي يفترض أن يحكم العلاقات الدولية والقمم الدبلوماسية.
تعليقاته الساخرة على تصريحات ماكرون بشأن الأسباب الحقيقية لانسحابه المبكر هي مثال آخر على سلوك نجم تلفزيون الواقع الذي لا يتردد في التهكم على الآخرين لتعزيز صورته كـ (الحكيم) و(العارف) و(المسيطر) على الأحداث.
التحدي أمام المراقبين والمحللين والعالم
إن محاولة فهم دونالد ترامب كشخص ذي نفسية واستراتيجية ودوافع أمر عقيم. والمفتاح لعبور سلوكه يكمن دائماً في تذكر أنه ليس شخصاً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل أداء إعلامي مستمر عبر عقود، ولاستيعاب ما يقوم به ربما ينبغي لواحدنا أن يأخذ موقع ناقد تلفزيوني.
إن نموذج الشخصية «ما بعد التلفزيونية» هذا يتطلب منا إعادة تقييم لطريقة تحليلنا للسياسة إذ لم يعد الأمر يتعلق بالبيانات الرسمية أو الحوارات الدبلوماسية بقدر ما يتعلق بالاستعراض، والمواجهات، والدراما المستمرة التي تبثها وسائل الإعلام الحديثة.
وهكذا، أصبح البيت الأبيض في زمنه ليس «مكتبًا بيضاويًا» لإدارة الشأن العام، بل استوديو مفتوحاً لرئاسة مصممة لِتُشاهَد لا لتُحاسَب.
كاتبة لبنانية