هل، قبل سنة من الآن، كان متخيَّلاً لرجل مثل زهران مامداني أن يفوز في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لمنصب عمدة نيويورك، وأن يهزم منافساً مخضرماً وحاكماً سابقاً لولاية نيويورك مثل أندرو كومو؟ وكيف، ومامداني مؤيد لحركة الـBDS الداعية إلى مقاطعة دولة الاحتلال وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، ومناصر علني لحركة أخرى تدعو إلى تعميم الانتفاضة عالمياً؟
هذه الأسئلة طرحها مؤخراً مقال في موقع إسرائيلي نشره ستيفن غولدستين، المحامي الأمريكي المختصّ بالحقوق المدنية (نعم!)، والناشط المناصر لدولة الاحتلال، والمنتج الإخباري السابق في فضائيات عديدة كفلت له 10 جوائز إيمي. ولم يكن الغرض تزويد قرائه ببراهين إضافية على “فزاعة” العداء للسامية التي يتوجب رفعها دون إبطاء في وجه مامداني، فهذا في الأصل كان يسيراً على الدوام وهو في ظلّ إدارة دونالد ترامب بات أيسر مما مضى.
هدف غولدستين، في المقابل، هو أن يحتدم من حول الفزّاعة ذاتها وطيسٌ يهودي ساخن إلى حدّ الغليان، أمريكي الهوية والميدان، يقتدي (نعم، هكذا) بالمعجزة التي حققها مامداني في اجتذاب فئات مختلفة الأعمار والطبقات والآراء، في نطاق اجتماعي وسياسي وثقافي صعب مثل نيويورك، وأمام واحد من كبار ديناصورات الحزب الديمقراطي.
التذرّع بمحاربة العداء للسامية من حيث الواجهة، ولا جديد في هذا كما يقرّ غولدستين، للذهاب أبعد نحو بناء حراك قاعدي عريض يهتدي بطرائق مامداني في استمالة الناس، ولكن بهدف تبييض صفحة دولة الاحتلال مما علق بها من أوشاب بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أي بعد تغوّل الجيش الإسرائيلي في جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتجويع والتهجير والتطهير العرقي وقصف المشافي والملاجئ والمدارس والمساجد والكنائس…
“الوصفة” التي يقترحها غولدستين تقوم على قناعة ثلاثية الأبعاد، مفادها أنّ تحريك مجموعات الضغط (اليهودية، أو المناصرة لدولة الاحتلال) لا يكفي في ذاته، رغم أنه خطوة أولى ضرورية؛ يتوجب أن يعقبها حراك تنشيطي في العمق وفي الجذور، يتوجه نحو تفعيل الجهود وتسخير الحملات نحو ستراتيجية الإكثار من التشريعات المناصرة للاحتلال داخل الكونغرس وعلى مستوى الولايات؛ والمستوى الثالث، الذي “يستكمل اللعبة”، هو وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي حيث يُبنى الاستقطاب تدريجياً.
فهل المنظمات اليهودية والصهيونية، ومجموعات الضغط العديدة المرتبطة بها، خاصة “لجنة الشؤون العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية”، الـIPAC الأشهر، هائلة النفوذ والسطوة والتأثير؛ كانت غافلة عن هذه “الوصفة”، على امتداد عقود من الأنشطة التي ابتدأت عملياً منذ تأسيس الكيان الصهيوني، ولكنها سبقت ذلك، لأنها إنما مهدت له؟ الجواب بالنفي، غنيّ عن القول، وهذا ما يقرّ به الواصف نفسه، ليس من دون المضيّ أبعد في تبرير خصوصية ما يصف، لجهة حقّ يُراد به باطل: أنّ ما قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ليس يشبه ما قبلها بالنسبة إلى صورة دولة الاحتلال في ناظر العالم.
وذات يوم غير بعيد قام رام إمانويل، وكان يومئذ كبير موظفي البيت الأبيض في رئاسة باراك أوباما الأولى، بزيارة “خاصة” إلى دولة الاحتلال، للاحتفال، أمام أحجار الجدار الغربي في القدس المحتلة، ببلوغ ابنه زاخ سنّ الـ 13، أو الـ”بار متسفاه” في التعبير العبري. وكان إمانويل يزور البلد الذي يحمل جنسيته أيضاً، فهو مواطن إسرائيلي إلى جانب جنسيته الأمريكية، وسبق له أن خدم متطوعاً في الجيش الإسرائيلي أثناء حرب الخليج الأولى، 1991؛ وبدل أن يجد متظاهرين فلسطينيين يندّدون بزيارته هذه، بسبب بتاريخه الحافل بالانحياز المطلق للاحتلال، وجد حفنة متظاهرين إسرائيليين، يصفونه بـ”المعادي للسامية” و”كاره إسرائيل!”.
كان إمانويل أشطر، بالطبع، فكيف بشطّار جدد، على أعتاب اليوم التالي.