تجارب شعريّة ثريّة بلهجات محليّة

ليست أمتنا الوحيدة بين الأمم بلسان مزدوج؛ لسان لغة الكتابة ولسان اللغة المحكية. وباللسانين كان إبداعها الثر والمثير، لكنَّ موقف النقد العربي بمستوياته المختلفة وبمراحله المتعددة لم يولِ اهتماما إلى تجارب شعرية مهمة كتبت باللهجات العامية العربية مع أنَّ في هذه اللهجات بزغت قامات شعرية مبدعة كبيرة، لها قيمة عالية على مستوى الإبداع الفني والثراء الفكري في أنحاء الوطن العربي كافة وبلهجات أقطاره المختلفة. واستعمل بعض منها مستويات رفيعة من التقانات الفنية، تؤكد ارتباطه بالحداثة الشعرية العربية باللغة الفصيحة.
ولقد مَثّل هذه الظاهرة شعراء كثر بتجارب كبيرة لا تخطئها العين، ولا يجهلها الوعي الوقاد، ففي العراق مثلا مظفر النواب وشاكر السماوي وموفق محمد، وفي مصر عبد الرحمن الابنودي وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين، وفي السودان محجوب شريف والطيب عبد الله، وفي سوريا ولبنان أبو الخير الجندي وسعيد عقل وعبد الله غانم، وفي السعودية عبد العزيز التويجري وعبد الله الفيصل وناصر القحطاني.
ونهضت تجارب هؤلاء ونضجت على تخوم التجارب الكلاسيكية الأولى في الشعر الشعبي العربي مثل تجربة بيرم التونسي وملا عبود الكرخي والحاج زاير وسواهم في بلدان أخرى – نقرُّ بعدم معرفتنا لهم وبعطائهم نتيجة عملية اقصائهم نقديا على المستوى القومي العربي وتقوقعهم داخل جغرافياتهم المحلية – واللغة الشعرية لهؤلاء وأولئك هي لغة الشعب أي اللغة المحكية من قبل الناس في حياتهم اليومية وشؤونها المختلفة. ولم يكن توظيفها بسبب قصورهم في العربية الفصحى تعبيرا، وإنما هي الرغبة في توسيع رقعة التوصيل بشكل عفوي يعكس نبض الشارع. فاجتذبت أشعارهم الجماهير، وانتشرت بشكل كبير وبالأخص تلك التي تَرجمت أحاسيس الناس وأفكارهم وتطلعاتهم حتى لُقب بعضهم بشاعر الشعب.
وكان بيرم التونسي قد تبوأ هذه المكانة منذ قصيدته “المجلس البلدي” ودأب على تأكيدها في حياته النضالية الطويلة والتي كان قوامها ما عاشه من مكابدات النفي والمنع والملاحقة والترهيب. وكذلك الحال بالنسبة إلى الشاعر مظفر النواب، وهو صاحب تجربة ثورية مميزة في الميدانين السياسي والأدبي، ارتبطت أشعاره ومواقفه بالثورات العربية والعالمية؛ فتناول القضية الفلسطينية والارتيرية والحركة الوطنية اللبنانية، وشارك مشاركة فعلية فيها. ويضاف الى هذا كله نضاله السياسي المرير في بلده العراق سواء في مرحلة النضال السلمي أو مرحلة الكفاح المسلح في أهوار الجنوب أو في كردستان العراق.
ولُقب الشاعر موفق محمد الذي رحل عن عالمنا مؤخرا – بشاعر الشعب لما اتسمت به قصائده من نقد ساخر، يلهب الحماسة الشعبية ويصور الواقع تصويرا لاذعا. وقد أقامت له الجماهير تمثالا في مدينته بابل أثناء حياته. وهو أمر نادر الحصول وربما لم يحصل لأي شخص عدا الحكام الطغاة خلال فترات حكمهم. واللقب ذاته حمله الشاعر السوداني محجوب شريف، وكان معروفا بالروح الوطنية وبنزعته الثورية.
ولم تقتصر هذه التجارب الشعرية الفذة في مؤدياتها الفكرية والفنية على المواقف الوطنية والقومية والروح النضالية، بل سارت في طريق التحديث الفني للشعر العربي. فلم يبق الشعر الشعبي العربي الذي كتبه النواب والأبنودي وموفق محمد على ما كان عليه من متانة وجزالة حسب، كان قد مثَّلها رواد الشعر الشعبي قبلهم مثل بيرم التونسي وملا عبود الكرخي والحاج زاير، بل تشرَّبوا أيضا أساليب الحداثة الشعرية واقتنصوا منجزاتها، خذ مثلا تجربة النواب التي ترعرعت وانتعشت في ظل تجربة رواد حركة الشعر الحر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وسواهم.
وعكست تجربة الأبنودي حركة التحديث في الشعر المصري الفصيح في ستينيات القرن الماضي، وكان منجزه الفني في العامية غير منفصل عن المعطيات التي مثَّلتها تجارب الشعر المصري الفصيح للشعراء الذين زامنوه مثل أمل دنقل ومحمد عفيفي مطر وأحمد عبد المعطي حجازي.
وكان موفق محمد في العراق صوتا من الأصوات المحدثة في شعر الستينيات العراقي، وتوَّج محاولاته بقصيدته الفريدة “الكوميديا العراقية” وفيها نهل السخرية والكلام اللاذع من الشاعر الشعبي الرائد ملا عبود الكرخي ومن الشاعر المجدد سعدي يوسف، فتأثر بجملته الشعرية وما فيها من نزوع سردي ومفردات وامضة وصياغات لغوية مفارقة. هذا الى جانب ما اتسم به شعر موفق محمد من براعة فنية في تطعيم القصيدة الفصيحة بمفردات عامية، محكية على ألسنة العامة كما كان معروفا برومانسية شفيفة مع وضوح الصور وقرب المجازات من الذهنية الشعبية.
وعلى الرغم من هذا كله، فإن اللافت للانتباه أن هذه الظاهرة على سعة انتشارها، بقيت محصورة في نطاق كل بلد على حدة، ولم تتوحد فتحصد لنفسها اتجاها أو تيارا فنيا خاصا بها في الشعرية العربية لاسيما أن اللهجات تتعدد، لا على صعيد كل بلد، بل على صعيد البلد الواحد؛ إذ أن في كل قطر عربي أكثر من لهجة دارجة، وهناك مناطق داخله لها لهجاتها الخاصة جدا، وتختلف اختلافا بيِّنا عن بعضها بعضا؛ فلهجة الصعيد المصري هي ليست لهجة المدن المصرية، ولهجة ابن الجنوب العراقي هي ليست لهجة ابن الوسط وابن الموصل؛ ولكن لم يؤثر ذلك في اللسان العربي العراقي أو المصري، بل إن في هذه اللهجات العامية إمكانات وطاقات كفيلة بتفجير لغة الشعر. وهو ما أدركه رواد حركة الشعر الحر، فاستخدم بعضهم مفردات عامية في شعرهم. فالسياب استخدم مثلا كلمة “خطية” وهي لفظة عامية عراقية (والموت أهون من خطية) وكتبت نازك الملائكة شعرا شعبيا، وكانت لميعة عباس عمارة الأكثر ولعا باستخدام طاقات العامية.
ومما يؤسف له أن النقد العربي جافى في مركزيته الشعر العامي العربي، ولم يبحث فيه ويمهد السبيل لانتشاره على صعيد عربي عام، بحجة أن هذا يضر باللغة الفصحى. وهو أمر لا أساس له من الصحة، لأن هذا الشعر ساد بين الجماهير العربية في كل بلد، ولم تؤثر عاميته في عربية أي بلد قيد أنملة، بل ظلت العربية لغة أهل الدار باللسان الفصيح.
إنَّ ظاهرة الشعر باللغة المحكية اليومية في أدبنا العربي ليست وليدة اليوم، وجذورها تمتد إلى عدة قرون، وأُنجزت فيها أعمال كثيرة معروفة تُذكر مع التراث العربي، ومنها ديوان ابن قزمان القرطبي المتوفى سنة 555 للهجرة – ولخصت تجربته بواكير سابقة عليه في المضمار نفسه، لكنها مع ذلك لم تؤثر في سيادة الشعر الفصيح.
وها هي اللهجات المصرية والشامية والعراقية والخليجية توظف في أفلام السينما ومسلسلات التلفزيون وعروض المسرح وما تبثه الإذاعات من أغان، وجميعها تنتشر بين خواص الناس وعوامهم، وتدخل البيوت ليل نهار وفي مختلف البيئات الحضرية والريفية والبدوية، والتفاعل معها قائم شبابا وشيوخا ونساء ورجالا، بيد أن اللسان العربي الفصيح ظل جامعا وملمحا من ملامح الهوية العربية.
والبادي أن ثمة محاذير سياسية أدركتها الطبقات الحاكمة، حالت دون تناقل هذه التجارب الشعرية بين الأقطار العربية في مقابل تحبيب تلك الطبقات انتشار قصص وأعمال ميلودرامية، مغرقة في عاميتها لرهط من الكتّاب الذين ظل شغلهم الشاغل تجسيد علاقات الغرام وقضايا المراهقة، مما اهتمت به الصحافة وروجت له دور النشر.
إن الخشية من انتشار تلك الظواهر الشعرية بسبب حمولتها التثويرية وطاقتها الاستنهاضية أو التحريضية هو ما جعل الحفاظ على اللسان الفصيح ذريعةً في إهمالها وإشاحة الوجه عنها، وكأنها شيء منبوذ، وليس فنًا محترمًا تعتز به جماهير غفيرة.
٭ كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية