من المعلوم أن القبّرة طائر صغير من صنف العصفوريات، تشبه الدوريّ المعروف في المتوسط، ولكنّها تبدو أجمل منه شكلا وأعذب منه صوتا. وعلى الرغم من قربها من الدوري، إلاّ أنّه افتكّ منها عند الدارسين العرفانيين لما يسمّى بالطراز الأضواء. وللتذكير فإنّ العرفانيّين من الدارسين بدءا من عالمة النفس الأمريكية إليانور روش Elianor Rosch قد اقترحوا طريقة في المقولة جديدة تختلف عن المَقْولة بالطريقة الطرازية المأثورة عن أرسطو، التي تصنف الأشياء باعتماد السمات التمييزية، أو الشروط الضرورية والكافية.
يقول العرفانيون، إن البشر لا يتعرّفون على الطائر بالاعتماد على السمات التي تذكر له من أنّه ذو منقار وجناحان يستعملهما في الطيران. ويقولون إن الطيران مثلا ليس من شأن جميع الطيور، فالديك والبط والطاووس طيور لها أجنحة ولكنّها لا تحلق بها بعيدا؛ بينما يطير الخفاش ولكنّه لا يعدّ عند العلماء من الطيور. بناء على ذلك ليست كلّ السمات موجودة في العناصر التي تنتمي إلى مقولة واحدة. والحقّ أن هذه الفكرة ليست جديدة كلّ الجدّة؛ فقد سبق أن بيّن الفيلسوف فتغنشتاين في فكرة «التشابه الأسريّ»، كيف أن أيّ فرد منّا ينتمي إلى أسرة، على الرغم من أنّه لا يرث الأشياء نفسها من جهة واحدة، فقد يكون له أنف جدّه لأمّه، وعينا خالته وشفتا عمّه، ويدا أبيه وأذنا جدّه لأبيه، ولا يمنعه هذا الشتات الوراثي للأعضاء من أن ينتسب إلى أبويه.
ويرى العرفانيون أنّنا ندرك الطيور منذ نعومة أظفارنا بالاعتماد على نوع منه يكون في مجال إبصارنا أكثر من غيره: نراه دوما وعلى منواله نقيس بقية الكائنات الشبيهة به. فالمقولة هي حمل عناصر متشابهة يكون شبهها في درجات على عنصر طرازي هو أفضل ما يمثل ذلك النوع. وبناء على ذلك، فإنّ من نشأ في بيئة تكثر فيها الصّقور يكون طرازه هو الصقر، وعليه يقيس بقية الطيور؛ ومن عاش في القطب الجنوبي (إن عاش فعلا)، فإنّه طرازه من الطيور سيكون البطريق، ومن عاش مثلي في بيئة متوسطية فإنّ طرازه من الطيور سيكون الدّوري، لكن لماذا لا تكون القبّرة وهي تعيش مع الدوريّ هي الطراز؟ وهل أنا حين أرى وأنا صبيّ الدوريّ أقدر على تمييزه من القبّرة؟
الدٌّوري بنّي رمادي وله بقع سود؛ بينما للقبرة لون بنّي فاتح. والدوري أصغر قليلا من القبرة ومنقاره قصير وسميك ومخروطيّ ؛ بينما منقارها مستقيم وطويل بعض الطّول. غالبا ما تسير القبرّة على الأرض وتعيش في الحقول والأراضي الشاسعة وتبني حقلها في الأرض، بينما يطير الدّوري ويتنقل طيرا ويبني عشّه في الأشجار أو في ثقوب البناءات أو غيرها من الأماكن العالية. صوته بسيط ومكرّر وليس جميلا كصوت القبرة.
ما ذكرناه في هذه المقارنة جملة من السمات لا يمكن أن يدركها إلاّ من تشبّع برؤية الطائرين، فلاحظ هذه الفروق. لكنّ المرء ليس مطالبا بأن يدرك إدراكا واعيا هذه الفروق ليميّز بين طائرين بينهما تشابه كبير قد يصل إلى حدّ يختلط على المرء التمييز بينهما. فالقبرة بهذا الشبه تسمّى بالنسبة إلى الدوري عنصرا طرازيا بينما يعدّ فرخ البطة مثلا كائنا هامشيّا لأنّه لا يشبهه كثيرا. نحن حين نمشي في حقل فيه كثير من الطيور نستطيع أن نميز الطيور القابلة للتميز صحيح أنّنا قد لا نعرف أسماءها، لكنّنا قادرون على أن نميز منها ما كان شبهه واضحا، فالفرق بين الدوريّ والغراب، أو بينه وبين البط أوضح بكثير من الفرق بين الدوري والقبّرة. نحن لا نحتاج أن نسمّي الطيور حين ندركها مثلما تتسمّى في العلوم، فعلى سبيل المثال فإنّ أسماء الطيور في ثقافتنا التونسية تختلف كثيرا عن أسمائها الفصيحة، وبالطبع لا يمكن أن نهتدي إلى أسمائها العلمية بسهولة. لم يعد التونسي اليوم محتاجا إلى أن يسمّي الطيور جميعا إلاّ إذا كان ولِهاً بتربية صنف منها هي الببغاوات، أو كان مغرما بالصيد بالكواسر؛ فإنّه يضطر إلى التمييز بين أصنافها، ويعد ذلك التمييز جزءا من ثقافته في تربية الطير.
التسمية هي جزء من إدراك النوع من داخل الجنس؛ لكنّها ليست مهمّة في ذاتها لبناء تمثلاتنا حول العينات. غير أن التسمية مهمّة ؛ إذ قد تقود إليها عناصر إدراكية تريد أن تضع لكلّ نوع وسما. غير أن معرفة ما إذا كانت التسمية جزءا من التمييز المقولي، أم لا تظلّ قضية شائكة معقدة، نرأف بقرائنا الكرام هنا من الخوض فيها؛ لكنّنا يمكن أن نختصر الكلام فيها بأن نقول، إن إدراك الفروق بين الأنواع في الطراز الواحد يقتضي منّا إسناد تسميات لجميعها فالتسميات جزء من إدراك الفروق البيّنة بين الأنواع المتشابهة. ووحدها الثقافة الكَلِفة بالفروق بين أنواع المقولات، هي التي تكون سخية في إسناد الأسماء؛ لذلك أنت تجد العربي البدويّ قديما سخيا في تسمية أنواع الإبل، باعتبارات مختلفة فقد كان قريبا منها ويحتاج أن يميز بينها حسب السنّ واللون والخصوبة والصبر على العطش وغيرها.
واليوم لا يحتاج المرء أن يميز بين الدوري والقبرة، لأنّهما يقعان خارج دائرة انتباهه، لأنّه لم يحدث بالنسبة إليه ما يشدّه إليها ليعرف التمييز بينهما. لكن لنفترض أن الأمر يتعلق بعقيدة أو بعادة من عادات ثقافة معينة، أو برأي، أو بقول يتعلق بالدوريّ؛ فإنّ المنتسب إلى هذه الثقافة سيبحث في الخارج عن ذلك الطير ويميزه عن غيره حتى يمارس طقوسه معه أو عاداته الثقافية المتصلة به.
وللقراءة والاطلاع العلمي أو الأدبي دور كبير اليوم في التحفيز الإدراكي والبحث عما يميز القبّرة، فحين يقرأ ما ورد في «كليلة ودمنة» في مثل «القبرة والفيل» وكيف أنّها باضت على طريق الفيل، وأنّه حطّم عشّها وأنّها انتقمت منه، فتحطم في آخر الحكاية؛ سيبحث عن القبرة وربما قاده ذلك إلى أن يقارن بينها وبين الدوري أو النسر أو أيّ طائر طرازي بالنسبة إليه. وعندئذ سيعرف أن هناك من الطيور ما يجعل عشه في الأرض وليس كما هو حال غالب الطيور.
حين تقرأ هذه القولة على لسان الكاتب الألماني جان بول فرايدريتش رايشتر Johann Paul Friedrich Richter «أن تُحب في وقتٍ مبكر وتتزوّج في وقتٍ متأخّر، يشبه أن تسمع في الصباح زقزقة قُبرةٍ تحلّق في السماء، ثم تأكلها مشويّة على العشاء». ستكون إزاء إدراك مشتت ومختلف فإن كنت مولعا بمضمون الرسالة في ذاتها: أن الزواج الذي لا يتزامن مع الحبّ هو كعشق للغناء يعقبه ميل إلى ملء البطن؛ وأنّ الزواج المتأخّر يذهب فورة الحبّ والفنّ التي تكون للمرء أيام الشباب.
ذهنك لن يعود مع هذا القول إلى الدوري لأنّه سيتغير فالقبرة المغنية ستصبح هي المقيس، وستبحث عن مقارنتها بالطيور المغنية والمأكولة وستدرك أنّها ليست هي الدوري ولا النسر في مقياسي الغناء والأكل. وحين تسمع إلى قول الشاعر الإنكليزي إدوارد يونع Edward Young : «الكِبْر، كالنسر، يعشّش بين النجوم؛ أمّا اللذّة، فكالقُبرة، تبني عُشّها على الأرض.» ستقارن بين طرازين في أمرين مختلفين: طراز من عاش في الذرى وهو النسر، وطراز من طلب اللذة وهو القبرة. أردنا أن نقول بذلك إن الطراز لا يختلف باختلاف البيئة التي يسكنها المرء، بل يختلف أيضا باختلاف السياق الذي يذكر فيه الطير في حديثك التمثيلي عنه، وما أكثر ما تكون الطيور أمثالا تخرج فيه عن مقولاتها الطبيعية.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية