ياسين عدنان: حين يصير الشعر سلاحا في وجه قبح العالم

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط – «القدس العربي»: أي الكلام أبلغ من صور القتل والدمار والخراب في غزة؟ بكل تأكيد كلام الشعر ونبض الشعراء وعموم الأدباء في فلسطين، تلك البلاغة الممزوجة بحكمة الألم التي صاغها الراحل محمود درويش، ومعه شعراء كثر نذكر منهم سميح القاسم وعز الدين مناصرة وغيرهم كثير.
ما يجري اليوم في فلسطين جرى قبل سنوات طويلة، وظل متواصلا دون توقف حتى «العصافير شاهدت كل شيء»، يقول الشاعر المغربي ياسين عدنان، الذي يتساءل في تقديم الأنطولوجيا الشعرية «غزّة أهناك حياة قبل الموت؟» التي انجزها بمعية الشاعر عبد اللطيف اللعبي: «ما جدوى إعداد أنطولوجيا لشعراء غزّة، فيما القطاعُ مُحاصَرٌ وأهلُه يُقصَفون صباح مساء؟ ما معنى أن نطلُبَ الشعر في زمن الحرب؟»، لكن الجواب بسيط، لأن هذا العمل «ديوانٌ يفضح قُبْحَ العالم، ويُعيد المجد للإنسان».
بين الأنطولوجيا الشعرية الأولى «أن تكون فلسطينيا» الصادرة سنة 2022 عن دار المتوسط في ميلانو، والثانية «غزة: أهناك حياة قبل الموت؟» الصادرة هذا العام بالعربية عن دار الرافدين في بيروت، وبالفرنسية عن دار بوان في باريس، يبدو أن ياسين عدنان يتنفس فلسطين ومعه الشاعر عبد اللطيف اللعبي، وكلاهما أنجزا تلك الملحمة الشعرية التي جمعت أشعار جيل من المبدعين الفلسطينيين يعيش اللحظة بقسوة وألم وأمل أيضا.
بالنسبة لياسين عدنان، فإن النبض الفلسطيني لا يتوقف أبدا، وكان حاضرا في تقديم سهرة تضامنية مع فلسطين، نظمت أخيرا في مدينة مراكش، كما كان حاضرا من خلال قصيدة «صرخة مراكش من أجل غزة». الأغنية اعتبرها الأديب نفسه متحدثا لـ»القدس العربي»، «مجرد نشيد بسيط كُتِب تحت طلب الأخوات والإخوة في الشبكة الجمعوية المراكشية، التي تطوعت لتنظيم تلك التظاهرة التضامنية مع غزة وفلسطين». لكن كلمة «تحت الطلب»، تفيد ما تفيده من استعداد دائم لقول كلمة حب لفلسطين وتضامن مع شعبها، ويبقى السؤال هو، «هل تبدو صرخة بلا صخب فقط الأمل والألم بصيغة جميلة فنيا وشعريا؟».
وعن ذلك يقول الشاعر إن «أناشيد من هذا النوع الهدف منها هو أن تهجس بما في ضمائر الناس، وبما يمُور في وجدانهم، وكذا أن تكثف مواقفهم. والموقف هنا واضح وهو التضامن اللامشروط مع القضية الفلسطينية، ومع غزة التي يجب أن لا ننسى أن الحرب عليها متواصلة بلا هوادة، والإبادة فيها متواصلة لا تتأثر بأي توافقاتٍ، أو حروب أخرى في المنطقة. ونحن اخترنا أن نُركّز على غزة وعلى ألّا ننسى غزة».

«أنا شاعر قصيدة نثر»، يقول عدنان، ورغم ذلك كتبت قصيدة عمودية لأجل غزة، ونشيد «صرخة مراكش من أجل غزة»، «قيمته الأساسية فنية أسبغها عليه الفنانان خالد بدوي ويوسف قاسمي جمال، اللذان اشتغلا عليه بشكل جميل وراق».
من حديث الحفل التضامني، عبرنا إلى الأنطولوجيتين الشعريتين الخاصتين بفلسطين، يوضح عدنان في حديثه لـ»القدس العربي»، أن «الأنطولوجيتين معا تندرجان في إطار التأكيد على أن الشعر الفلسطيني لم يتوقف عند محمود درويش، فهناك جيل جديد من المبدعين، رغم طراوة تجربتهم نجحوا في فتح الشعرية الفلسطينية على أفق جديد. وإذا كان الشاعر الفلسطيني في السابق يُفصِح عن نفسه بدْءا بالمعجم، حيث كان هناك الكثير من الزعتر والزيتون والسنديان في القصيدة الفلسطينية. عوسجٌ وقرنفلٌ وياسمين، حمامٌ وعصافير، وثمّة قمرٌ لا يكاد يغيب عن قصائد الشعراء. فاليوم، كلٌّ يكتبُ قصيدتَه، بلُغَتِه الخاصة، العادية، والمتوتّرة. لكنها سبيلُه إلى الشعر. هذا الصديقُ الرَّفيق. يُناجونه بلا كلفة، ويعاتبونه بلا تردّد. لكنَّ علاقتهم بِهِ تبقى شأنا شخصيّا. وفي الأنطولوجيا الجديدة اختبرْنا قدرة شعراء غزة على الإبداع الشعري العميق من أقصى درجات الهشاشة الإنسانية. وهُمْ محاصرون ويُقصَفون صباح مساء، نجحوا في إبداع نصوص رفيعة مؤثرة ستبقى للتاريخ شاهدة على خيانة المجتمع الدولي لهم وتخلينا جميعا عنهم. لكن في ما فضحت هذه الأنطولوجيا قُبْحَ العالم، كانت تُعيد المجد للإنسان. وهنا تكمن عبقرية الشعر الخارقة».
وبعدما أكد الشاعر نفسه أن «أنطولوجيا شعراء غزة» تفضح قبح العالم، سألناه «إلى أي مدى يمكن أن يكون الشعر مرآة كاشفة للحقائق وعاكسة للقبح رغم جمالية القصيدة؟»، فلم يتحدث بشكل عام، بل أجاب «بمثال أو مثالين من الأنطولوجيا: اغتيل نور الدين حجاج يوم 3 كانون الأول/ ديسمبر 2023 إثر قصفٍ نفّذه العدوان الجوّي الإسرائيلي على منزله الكائن في حيّ الشّجاعية شرقَ مدينة غزّة. في رسالته الأخيرة إلى العالم، التي خطّها يوم 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استودعَنا أحلامَهُ ثمّ غاب: (أحد أحلامي أن تجوب كتاباتي العالم، أن يصير لقلمي أجنحة لا توقفها جوازاتُ سفرٍ غير مختومة ولا فِيَزٌ مرفوضة)، لكنه رحل قبل أن تصدُر الأنطولوجيا. قتلوه وبقيت قصيدتُه حيّةً فينا، شاهدةً على دناءةِ القاتل وبراءةِ القتيل. أليست القصيدة هنا مرآة كاشفة؟».
هذا عمّا أبدعه شعراء فلسطين عن فلسطين، لكن ماذا عن مشروع أنطولوجي يجمع قصائد شعراء مغاربة حول القضية الفلسطينية، هل سنجد ما يكفي لملء صفحات الكتاب؟ بالنسبة لياسين عدنان فإن «مشروعا مماثلا لم يخطر ببالي، لكن أعتقد أنه من المهم أن يتصدّى له مَن يلتمس في نفسه الكفاءة لإعداد أنطولوجيا توثق لحضور فلسطين والقضية الفلسطينية في الأدب المغربي، وسيجد العديد من النصوص المهمة بدءا بنصوص الرواد حتى أدباء الألفية الجديدة: علال الفاسي، محمد الحلوي، خناتة بنونة، عبد اللطيف اللعبي، عبد الكريم غلاب، مليكة العاصمي، محمد الوديع الآسفي، عبد الرفيع الجواهري، مبارك ربيع، محمد المجاطي، علي الصقلي، عبد الكريم الطبال، عبد الإله بلقزيز، محمد علي الرباوي، أحمد بلحاج آيت وارهام، عبد الكريم برشيد، عبد الحق الزروالي، أحمد المديني، محمد بنيس، صلاح الوديع، سعد سرحان، طه عدنان. الفكرة ممتازة وتستحق الاهتمام».
لم يكن من الممكن الحديث عن الانطولوجيات الشعرية لشعراء فلسطين دون الحديث عن سوق الشعر في باريس أيضا الذي احتفى في حزيران/ يونيو 2025 بالشعر الفلسطيني، وكانت فلسطين هي ضيف شرف تلك الدورة. بعد أن تابع الرأي العام الدولي الجدل الذي رافق تنظيم هذه التظاهرة والاحتجاج القوي لعبد اللطيف اللعبي بهذا الصدد. وعن هذا الجدل قال ياسين عدنان، إنه بعد إصدار أنطولوجيا الشعر الفلسطيني الراهن في 2022، «اتصلنا بسوق الشعر في باريس من أجل برمجة أمسية لبعض الشعراء الفلسطينيين المساهمين في هذه الأنطولوجيا، فأخبرونا أن الأمر ربما يستحق أكثر من أمسية واحدة. وهكذا عرضوا علينا أن تحلَّ فلسطين ضيف شرف عليهم خلال دورة 2025. اعتبرنا ذلك مكسبا، وبدأنا نشتغل، عبد اللطيف اللعبي وأنا، منذ ذلك الحين في هذا الأفق».
ويوضح المتحدث أنه «مباشرة بعد طوفان الأقصى، قررت إدارة سوق الشعر إلغاء استضافة الفلسطينيين بدعوى تجنُّب تسييس الفعالية. جاء ذلك في رسالة (غادِرة) وجَّهوها لعبد اللطيف اللعبي. فما كان منا إلا أن نقلنا احتجاجنا على قرارهم الغريب إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، ووجّه اللعبي عبر صفحته على فيسبوك رسالة شديد اللهجة إلى كل من رئيس الجمعية المنظمة لسوق الشعر وكذا مندوبها العام، وهي الرسالة التي تداولتها الصحافة الفرنسية والعربية على نطاق واسع، وأكسبتنا تضامن الشعراء والمبدعين عبر العالم».
وكان بالفعل أن «أجبِرَت إدارة سوق الشعر على التراجع عن قرارها الغريب. فكان أن شكَّلنا لجنة تحضيرية ضمّت عددا من المبدعين المغاربة والفلسطينيين والفرنسيين، وقد عرفت تلك الدورة التي التأمَتْ قبل أيام فقط في باريس ـ ووصلت فعالياتها الموازية حتى بروكسل واللوكسمبورغ ومارسيليا وغيرها – نجاحا استثنائيا، خصوصا أن المزاج الثقافي العام في فرنسا متعاطف مع غزة وفلسطين، خصوصا بعدما أظهرته إسرائيل من وحشية في إبادتها لأهلنا في غزة، وتنكيلها بكل الفلسطينيين في الضفة والقطاع على السواء».
من الشعر إلى الصحافة، وهو عشق مهني يمارسه ياسين عدنان، في برامج مرئية مثل بودكاست «في الاستشراق»، الذي يعدُّه ويقدّمُه على منصة «مجتمع» اللندنية، تحضر فلسطين كنبض دائم لديه في العديد من الحلقات، وهو ما فسره الشاعر بأنه طموح من أجل «مواجهة العديد من الأساطير المعاصرة التي تكرِّس صورةً اختزاليةً للشرق العربي الإسلامي. ومواجهةُ هذه الأساطير تقتضي بالضرورة تفكيكَها وكذا تحليل السّردية التي تسنُدها والتَّمثُّلات التي تُعضِّدُها والخطابات التي تُروّجُ لها». ويؤكد أن الحاجة «بدَت مُلحّة لهذا المشروع الفكري الإعلامي أكثر إثرَ السابع من أكتوبر، وما تلاه من حربٍ على غزة. فبعد السابع من أكتوبر اتّسعت الهوة بين العالم العربي والإسلامي من جهة، والغرب الأوروبي الأمريكي من جهة أخرى. وصار واضحا أن الحوار مع الغرب يجب أن يتجاوز مرحلة التنابُز السياسي والإعلامي، لينتقل الى المدار الثقافي والفكري. فقضية فلسطين – التي لم تبدأ في السابع من أكتوبر بالمناسبة – تبقى على رأس القضايا العربية الإسلامية الشائكة التي يجب عدم تركُها للسياسيّين وحدهم، وَلِمن والَاهم من وسائل الإعلام الكبرى السائدة. فالشأن هنا ثقافي وحضاري أيضا، لذا احتجنا صوت المثقف وتدخُّله».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية