علمُ فلسطين أيقونة تمرّد ضد المؤسسة في الغرب

حجم الخط
0

في لهيب صيف إنكليزي حارّ، وكمفارقةٍ ستدخل التاريخ كأكثر اللحظات التماعاً في ذاكرة المهرجانات الموسيقية الغربية، لم يكن النجم الأشدّ توهجاً لـ»غلاستنبري 2025» فرقة أو مغنياً، بل رايةً ظلّت تُرفرف، لا لأن الريح مواتية، بل لأنها عصيّة على الموت.
إنه العلمُ الفلسطيني، الذي لطالما مثّل لشعبه رمز صمود، قد غدا اليوم أيقونةً للتمرد ضد المؤسسة في الغرب بأوجهها السياسي والإعلامي والثقافي: تمرد الشعب ضد السلطة، والفقراء ضد النخبة، والجيل الطالع ضد القديم، والموسيقى ضد العنف، والمقهور ضد قاهره، والأشكال الجديدة من الإعلام ضد القمع، والإنسان ضد الإمبريالية.
هذا التحول في دلالة العلم، من رمز لقضية «بعيدة» إلى أيقونة داخلية للنضال، يتزامن بريطانياً مع تصعيد غير مسبوق من حكومة كير ستارمر ضد كل مظاهر التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لإبادة علنية مستمرة على مرآى العالم، وكان أحدث حلقاته تصويت مجلس العموم بغالبية ساحقة (385 مقابل 26) على تصنيف مجموعة «Palestine Action» كـ» منظمة إرهابية».
القرار الذي مررته وزيرة الداخلية العمالية إيفيت كوبر، ووُصف بـ «إسكات عبر الإلغاء» للنشاط السياسي، يعني – حال تنفيذه بالفعل – أن أيّ دعم مادي أو معنوي للمجموعة، بما في ذلك تأييدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً قد يُعد جريمة جنائية، حتى لم يكن المتهم بالدعم عضواً فيها.
وكانت الشرطة البريطانية قد وجّهت مؤخراً اتهامات جنائية لقادة منظمات أخرى مناصرة لفلسطين، من بينهم رئيس تجمع «أوقفوا الحرب» أليكس كيني، والأمينة العامة للحملة من أجل نزع السلاح النووي صوفي بولت، لمشاركتهم في تظاهرة سلمية. بل إن نواباً مثل جيرمي كوربن وجون ماكدونيل خضعوا للتحقيق على خلفيات تتعلق بالحديث العلني عن مظلومية الشعب الفلسطيني.
لقد أصبح جلياً أن المؤسسة في الغرب، اتخذت قراراً حاسماً بالتعامل مع كل شكل من أشكال التعبير المؤيد لفلسطين كتهديد داخلي، يستوجب المراقبة والمحاكمة وحتى الحظر.

غلاستنبري: لحظة التصدّع

محاولة لندن محاصرة السردية حول فلسطين اصطدمت بما يشبه اللغم في مهرجان غلاستنبري، حيث انفجر التعبير الفني والسياسي في وجه الرقابة. وبينما رفضت «بي بي سي» نقل أداء فرقة الراب الإيرلندية الشمالية المؤيدة للفلسطينيين Kneecap بدعوى «تجنب التحريض»، فاجأتها فرقة «بوب فيلان» التي نُقل حفلها على الهواء مباشرة بصعودها إلى المسرح على ترداد هتافات «الموت للجيش الإسرائيلي»، بينما ظهرت في الخلفية شاشة ضخمة كتب عليها: «الأمم المتحدة تسميها إبادة جماعية» – في انتقاد صريح للإعلام البريطاني الذي ما زال يصف المذبحة الجارية في غزة بـ»الصراع».
وفيما نقل ناشطون حفل «نيكاب» مباشرة خارج التلفزيونات الرسمية وتابعه أكثر من مليوني مشاهد، كانت جماهير بوب فيلان تصفق بحرارة، والبعض بكى، وآخرون نشروا الصور مصحوبة بوسم «من غزة إلى غلاستو»، كناية عن توحد حال الجماهير.
تسبب عرض خطاب «بوب فيلان» المسيس في صدمة واسعة داخل المؤسسة، فعلت عقيرة السفارة الإسرائيلية لدى المملكة المتحدة بالشكوى، وأدانها كبار المسؤولين الرسميين بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه ووزيرة ثقافته، ليتبعه تحقيق من الشرطة بفرضية ارتكاب مخالفة جنائية، وصدر قرار من الخارجية الأمريكية بإلغاء تأشيرات الفرقة التي كانت تعتزم القيام بجولة عروض في الولايات المتحدة الخريف المقبل، وألغيت عقودها مع وكالة المواهب، وسارعت منصة أنستغرام الأمريكية إلى إزالة تعليق من فيلان حول ما جرى.
لكن كل هذا القمع لم يخف أحداً فيما يبدو، وقوبلت الإجراءات بموجة سخرية شعبية واسعة واحتضان جماهيري غير مسبوق للفِرق وللعلم الفلسطيني، الذي حلق عالياً في كل أرجاء المهرجان وأنشطته.

دول عظمى يستفزها علم بأربعة ألوان

لعل من أبلغ المترتبات على حرب الإبادة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني أن رفع علمهم في الغرب لم يعد كناية عن تضامن شكلي مع قضية خارجية، بل تعملق وصار رمزاً للنضال ضد العنصرية، والإمبريالية، والرقابة، وتواطؤ الأنظمة والأحزاب الكبرى مع أنظمة القتل الجماعي.
العلم الفلسطيني في بريطانيا والغرب – عموماً – صار تمثلاً لكل ما هو ضد المؤسسة الغربيّة الشريكة المتواطئة في المذبحة، وكان جلياً في عرض «نيكاب» في المهرجان إذ صعد المغني ليام أوغ هاناهيد، وهو يرتدي كوفية وقميصًا بألوان العلم الفلسطيني، وأعلن: «نحن نحب الشعب الإنكليزي، لكننا نحتقر الحكومة البريطانية»، مترجماً بذلك أصداء التجربة الإيرلندية تحت نير الاستعمار البريطاني إلى قلب السجال بشأن فلسطين.
وكما كان العلم الكوبي في الستينيات رمزًا للراديكالية اليسارية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، وتحوّل علم جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد «الأبارتهايد» إلى شعار للعدالة المتأخرة. فإن العلم الفلسطيني يسلك المسار ذاته، ويصير جغرافيةً لا تحتاج إلى خرائط، ورمزاً عالمياً ضد الاستعمار الحديث، والتواطؤ الغربي، والقمع الأمني المُقنن بعباءة (الديمقراطية).
اللافت أن هذا التحول لا تقوده الجاليات العربيّة والفلسطينية وحدها، بل أجيال بريطانية شابة بيضاء من أبناء الطبقة الوسطى، التي تتعلم عن فلسطين في الكتب لا من التلفزيونات الرسمية، وتعلم بالمجازر بحق الفلسطينيين من إنستغرام و»تيك توك» لا من الصحف، وتختار أن تنحاز لفلسطين كما انحاز أسلافهم في السبعينيات لفيتنام.
وفي الوقت نفسه، بات جلياً أن حرب المؤسسة على التضامن مع فلسطين لم تعد مقتصرة على القوانين وحفظ النظام العام، بل تشمل اللغة والمفاهيم وتعارف الأشياء. فالطلبة والناشطون الذين يحتجون على ذبح شعب «إرهابيون»، والفنانون الذين يرفعون علم فلسطين «محرضون»، فيما القتلة شركاء وحلفاء ونستمر بتصدير قطع غيار الطائرات المقاتلة التي تقصف غزة يومياً لهم. أما من يحتج على ذلك، فسيخضع للتحقيق بتهم تتعلق بحمل شعارات الكراهية، فيما لا ترى ذات المؤسسة في التهديدات العلنية لوزراء إسرائيليين بتجويع الغزيين ما يستدعي التحقيق.
الواقع أن غلاستنبري في نسخته الأحدث لم يكن مجرد مهرجان موسيقي مبهر آخر، بل مختبراً صغيراً لحرب سرديات كبرى تدور رحاها في الغرب. حرب حول من يقرر ما هو المقبول، وما هو التطرّف، ومن هو الإرهابي ومن هو المقاوم، ومن يحق له التظاهر والغضب، ومن يُمنع من التعبير ويلغى، وتطرح وبحدة غير معتادة، الأسئلة الأخلاقية عما إذا كان التضامن مع شعب يُباد هو تهديد أم واجب. فلسطين اليوم مرآة شديدة القسوة والصراحة وتكشف تناقضات المتناقضين: دولاً، ومنظمات، ومثقفين، وأفراد.

 إعلامية وكاتبة – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية