
القاهرة ـ «القدس العربي» : الفنانة هبة العقاد مواليد دمشق 1981، تخرجت في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قسم التصوير عام 2009. أقامت العديد من المعارض الجماعية والفردية، سواء في سوريا أو عدة دول عربية مثل بيروت وعمّان، ثم السويد التي هاجرت إليها واستقرت فيها مؤخرا، وأقامت فيها عدة معارض فردية، بداية من عام 2015 وحتى معرضها الأخير (الجذور) في 2025، إضافة إلى ذلك تعمل العقاد في مجال تدريس الفن، خاصة للأطفال وتنمية مهاراتهم الفنية. عن رؤيتها الفنية ومعايشتها ثقافتين مختلفتين، مرورا بالحرب السورية وفظائعها، مما كان له أبلغ الأثر على وعيها الفني كان هذا الحوار..
*بداية ما المثير أو المحرك الأساس للبدء في لوحة أو عمل فني؟
ـ في الحقيقة، أنا لا أبدأ أي عمل فني بتخطيط مُسبق. لا أتخذ قرارا عقلانيا بالرسم، بل أرسم فقط عندما أشعر بأن اللحظة هي المحرّك. الفطرة هي الأساس في كل ما أقدّمه، لكن مع وعي نابع من سنوات طويلة من العمل والخبرة. أستطيع أن أقول اليوم إن أعمالي هي بمثابة دفتر مذكرات، أو توثيق بصري لكل ما مررت به، سواء على المستوى الشخصي أو العام، منذ أول عمل خاص لي عام 2004 وحتى اليوم.
*وماذا عن تطور المراحل التقنية من القماش والخامات المتعددة، وصولا إلى اللون؟
ـ البداية كانت أكاديمية تماما، بدأت أتدرب على الرسم منذ أن كنت في الرابعة عشرة من عمري، أولا من خلال دورات خاصة في مراسم لفنانين، ثم التحقت بمركز (أدهم إسماعيل) للفنون الجميلة لثلاث سنوات، وبعدها تابعت دراستي الجامعية في كلية الفنون الجميلة في دمشق لمدة أربع سنوات. في سنتي الأولى في الجامعة، بدأت أشعر برغبة عميقة في التحرر من المنطق الأكاديمي الصارم، وبدأت أعمل مع الأطفال كمدرّسة رسم. ومن هذه التجربة انطلقت لجملة أصبحت أساسا لمسيرتي: «على الفنان أن يجد أدواته». اخترت القماش والكولاج، بتأثير مباشر من مهنة النساء في عائلتي، حيث كن يعملن في الخياطة والتطريز. لذلك بدأت أستخدم القماش كمادة أساسية، أعالجها بالمقص والغراء بدلا من الفرشاة.
*وهل تنوع الخامات واختلافها أكثر حرية في التعبير، بمعنى فلسفة استخدام الخامة في العمل الفني؟
ـ بالنسبة لي، تنوع الخامات لا يأتي من منطلق احترافي أو تجريبي فني بحت، بل من إحساس دائم بأنني أعمل كمتدرّبة، كمن تكتشف وتتعلم باستمرار. هذا التنوع مرتبط بالاكتشاف، بالربط بين المواد والذاكرة، بالمكان والناس. مثلا، عندما بدأت استخدام القماش في دمشق، كنت أرتبط بذاكرة الناس من خلال الأقمشة المستخدمة في اللباس، والجدران، والفرش. لاحقا، في السويد، بدأت أستخدم الخرائط، البريد، وورق الجدران، لأنها تحمل ذاكرة الناس هنا، وتساعدني على كسر حواجز الغربة. في معرض «الجذور»، مثلا، استخدمت التطريز وربطت بين فن القماش الدمشقي والإسكندنافي، وهذا عزز هويتي كمهاجرة تحاول الاندماج دون أن تفقد جذورها.

*كيف ساعدت خبرتك بالوسائط المتعددة في تأكيد الحِس التجريدي في أعمالك؟
ـ أنا أمتلك شغفا كبيرا بإعادة التدوير، وأحب أن أخلق أعمالا من مواد أُعيد استخدامها، وأوظفها بشكل بصري ملوّن يخدم العمل الفني بطريقة حيوية. أتعامل مع المواد كما يتعامل الأطفال مع اللعب ـ بلا خوف ـ وبفطرة مدعومة بخبرة فنية ومهنية. درست الخياطة والتطريز كمهنة في الثانوية، وهذه المهارات تدخل في أعمالي دائما بشكل فني. الخبرة، السنوات، والاطلاع المستمر على المعارض والفن المعاصر كلها تغذي مخزوني البصري، وتمنحني حرية أوسع في توظيف المواد.
*لا يبدو أنك تأثرتِ بمدرسة فنية بعينها، إلا أن هناك سمات للعديد من المدارس أو الأساليب. كيف ترين ذلك؟
ـ أعتقد أنني متأثرة بكل المدارس الفنية، وبفنانين من أجيال وخلفيات مختلفة. لا أستطيع أن أحدد نفسي داخل إطار مدرسة واحدة، لأنني ببساطة أعمل بشكل متنوع، وأؤمن بجملة تعبّرني كثيرا: «أنا أرسم كما أعيش». الفصول الأربعة، الليل والنهار، التغيّر المستمر.. كل هذا ينعكس في أعمالي. عُيوني كمراقبة التقطت في معارضي شخصيات حقيقية، ومواقف حقيقية، لكن عبر تعبير بصري تنوّع بين التعبيري، السريالي، الواقعي، والتجريدي. ويبقى اللون هو المسرح الأساسي لكل هذا التنوع.
*ما الفارق أو التطور في الرؤية قبل الثورة السورية وبعدها.. إنسانيا وفنيا؟
ـ أعتبر ما قبل الثورة مرحلة طفولة، سواء إنسانيا أو فنيا، كانت أعمالي ممتلئة بالفرح واللحظة. لكن ما بعد الثورة حمل النضوج، العمق، والعنف. المواضيع تغيّرت: الهجرة، الحرب، الاغتصاب، الهوية، المجازر، وتشتت العائلة، كلها دخلت في صلب فني. ورغم هذا، هناك لحظات سلام دخلت لوحاتي، خاصة من تأثير الطبيعة السويدية وغاباتها، التي كان لها دور كبير في تهدئة داخلي وتكوين توازن في أعمالي.

*وكيف ترين الأمور الآن، وهل أو كيف يمكن التعبير فنيا عن اللحظة الراهنة؟
ـ أعيش الآن مرحلة نضج، بعد أكثر من 25 سنة في الفن التشكيلي. العصر تغيّر، والتكنولوجيا أثرت في الفن، من الأدوات إلى العرض. أرى من الضروري مواكبة هذا التطور. مثلا، في معرضي الأخير «الجذور»، استخدمت الفيديو آرت، الإنستليشن، والبرفورمانس. هذه وسائط أصبحت أساسية في التعبير الفني الحديث. أنا مستمرة في التعلم، في التفاعل مع اللحظة، وفي تطوير أدواتي بما يتناسب مع روح العصر.
*وماذا عن فكرة الكولاج والتوثيق للثورة السورية في بعض أعمالك؟
ـ لا أرى أن الكولاج بحد ذاته هو من وثّق الحدث، بل الحدث أقوى من أي وسيلة. كل فنان اختار ما يناسب تجربته. أنا اخترت المقص، لأنه بالنسبة لي فعل قصّ الذاكرة، وبناء ذاكرة جديدة أو أوثق. واستخدمت الإبرة لأنها رمز قديم حيّ، تربطني بمهنة وذاكرة النساء في عائلتي، وهي تربط بين الماضي والحاضر، بين المهني والعاطفي.
*بينما لجأ الكثير من الفنانين إلى التجسيد في تصوير أهوال الحرب السورية، لجأتِ إلى التجريد بعض الشيء. كيف عبّرت عن الأحداث؟
ـ لا أعتقد أنني استخدمت التجريد بحد ذاته، بل عملت على استخدام مجسمات، كولاج، قماش، خياطة، وتطريز، ومواد عديدة كالحبال والخشب. أعمالي توثق التشتت والعنف، وتظهر أهوال الحرب. لوحاتي قد تُرى كتجريد، لكنها سردية جدا، وكأنها مسرح بصري مليء بالتفاصيل. وقد تختلف طريقة تقديمي حسب الزمن والمعرض والمناخ الذي أشتغل فيه.
*الفارق بين عملك الفني في المناخ السوري عنه في أوروبا أو في (السويد) دولة إقامتك الآن؟
ـ هناك فرق كبير بين الشرق والغرب. في سوريا نستخدم ألوانا حارة ومليئة بالحياة، بينما في السويد يسود الفن البارد، الألوان الهادئة، والبساطة في التفاصيل. في سوريا كان الرسم هو الأساس، بينما في أوروبا هناك توجه نحو الفنون الحديثة كالفيديو، الأداء، وفنون الضوء. كما أن الهم الإنساني مختلف، فالهويات والاهتمامات ليست متطابقة، وهذا ينعكس في الأعمال بشكل طبيعي.
*ماذا عن فكرة الدمى ودلالتها السياسية والفنية؟
ـ الدمى كمصطلح ليست دقيقة لوصف ما أقدّمه، بل هي مجسمات نحتية تمثل شخصياتي التي أرسمها. أحببت أن أجسدها كأعمال ثلاثية الأبعاد لإبراز حضورها وقوتها. في معرضي الأخير «الجذور»، صنعت لأول مرة سجادة دائرية من لحاء الشجر السويدي، وطرزتها يدويا. هذا العمل ربط بين ثقافتي الدمشقية وتجربتي السويدية، وجسّد اندماجي في البلد الجديد من خلال القماش والتطريز، كفنون مشتركة بين الثقافتين.
*وفي الأخير.. ماذا عن فكرة الرسم بعين طفل؟
ـ الطفل هو الحرّ الأول. وأنا فعليا أتعامل مع المواد كما يتعامل معها الأطفال: باللعب، بالاكتشاف، دون تخطيط مُسبق. الرسم بالنسبة لي هو لغة، كما هو عند الأطفال الذين لا تزال لغتهم لم تكتمل بعد. الطفل يرسم من الداخل، من دون تشويه أو قيود، وأنا أتعلم منه. رغم خبرتي التي تزيد عن 25 عاما، ما زلت أرسم من اللحظة، من الإحساس، ومن الذاكرة، وأرى في عفوية الطفل المعلم الحقيقي لي.
