في قلب شمال العراق، تقف مدينة أربيل واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، شاهدة على تعاقب الحضارات منذ أكثر من ستة آلاف عام. ليست أربيل مجرد اسم موقع جغرافي في إقليم كردستان، بل هي ذاكرة متحركة تُجسد رحلة الإنسان في مقاومة الفناء، من العصر الحجري مرورًا بالآشوريين والبابليين والساسانيين، والعهود الإسلامية المختلفة وحتى الوقت الحاضر. وتُعد قلعة أربيل، المرتفعة فوق تل وسط المدينة، حجر الزاوية في هوية أربيل التاريخية، وقد وصفتها منظمة اليونسكو بأنها «متحف مفتوح في الهواء الطلق»، لما تحتويه من آثار معمارية وتراث غير مادي.
مدينة أربيل (أو هولير كما يسميها الأكراد) هي مركز محافظة بنفس الاسم، وأصبحت عاصمة إقليم كردستان العراق بعد 2003، هي رابع أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العراق بعد بغداد والبصرة والموصل، إذ يبلغ تعداد سكانها قرابة 1.5 مليون نسمة. وتبعد عن بغداد حوالي 360 كم، وعن الموصل 85 كم، وعن السليمانية حوالي 140 كم، وعن كركوك حوالي 109 كم. الأغلبية من سكان المدينة من الأكراد بالإضافة إلى أقليات أخرى كالتركمان والعرب والأرمن والآثوريين. ورغم تاريخها العريق الذي يعود إلى آلاف السنين، فإن أربيل اليوم مدينة معاصرة مزدهرة تجمع بين عبق التاريخ وروح العصر الحديث.
شهدت المدينة بعد عام 2003 تطوّرا كبيراً من الناحية العمرانية، حيث جددت حكومة إقليم كردستان الشوارع العامة وساهمت في توسيعها وإنشاء الحدائق العامة والمتنزهات الضخمة وتجديد البنايات القديمة وإعطاء حقوق الاستثمار لشركات عالمية ووطنية لبناء مشاريع عملاقة مثل مشروع مطار أربيل الدولي، إضافة إلى بناء مجمعات سكنية جديدة وفق معايير حديثة ومراكز تسوق ضخمة ومشاريع ترفيهية، كما أصبحت قلعة أربيل التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي وأصبحت هذه المدينة مركزًا للعيش المشترك بين قومياتها المتعددة من أكراد وتركمان وسريان وكلدان وعرب في وقت تعجّ فيه المنطقة بصراعات طائفية وعرقية.
كما أصبحت أربيل مركزًا اقتصاديًا مزدهرًا بفضل الاستثمارات المختلفة، إذ يعتمد اقتصادها بشكل أساس على استثمارات النفط والغاز، والتجارة، والسياحة، والزراعة والصناعات الخفيفة. والحياة اليومية في المدينة مزيج من العادات الكردية التقليدية والمظاهر الحضرية العصرية، حيث يمكن أن نرى النساء والرجال بالملابس الكردية التقليدية جنبًا إلى جنب مع شباب وصبايا يرتدون أحدث صيحات الموضة.
إلى جانب حداثتها، تحتفظ أربيل بمعالمها التاريخية مثل قلعة أربيل المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتُعتبر من أقدم المناطق المسكونة بشريا بشكل مستمر. وهناك بازار أربيل وهو سوق شعبي تقليدي مليء بمحلات بيع التوابل والملابس والمصنوعات اليدوية. ومتحف الحضارات الذي عرض فيه قطع أثرية تعكس التاريخ العريق للمدينة. كما تزدهر السياحة الجبلية والريفية في محيط المدينة، خاصة في فصل الصيف. إذ تحيط بها أبرز مصايف كردستان العراق مثل شقلاوة، صلاح الدين، جنديان، بيخال، وكلي علي بك وهذه المصايف تتميز بطبيعتها الخلابة وتوفر الأنشطة الترفيهية المتنوعة للمصطافين.
أهل أربيل معروفون بكرم الضيافة والود. اللغة الكردية هي السائدة، إلى جانب العربية والآثورية والتركمانية. ويحتفل أبناء أربيل كحال جميع أبناء كردستان بالمناسبات الدينية والقومية المختلفة، وبشكل خاص بعيد نوروز في 21 آذار/مارس، إذ تسود المدينة أجواء الربيع المغلفة بالفرح والموسيقى والرقص.
رغم الإنجازات الكبيرة، تواجه أربيل تحديات حقيقية مثل الحاجة لتطوير البنية التحتية بشكل مستدام، وإدارة النمو السكاني، والهجرة من باقي مناطق العراق، والحفاظ على التوازن بين الحداثة وحماية الهوية الثقافية والتاريخية. اليوم المدينة تنبض بالحياة، وتمثل رمزًا لصمود شعبها وقدرته على النهوض رغم الصعوبات. فهي تعانق السماء بأبراجها الحديثة، وتغوص عميقًا في جذور التاريخ بقلعتها وأسواقها القديمة. إنها بحق جوهرة كردستان العراق التي تجمع بين الأمس واليوم، وتتطلع إلى غدٍ أكثر إشراقًا.
الاسم والتاريخ
ذكر ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» أربيل فقال: «إربل بالكسر ثم السكون، وباء موحدة مكسورة ولا بوزن إنيد، ولا يجوز فتح الهمزة لأنه ليس في أوزانهم مثل أفعل، إلا ما حكى سيبويه من قولهم: أصبع وهي لغة قليلة غير مستعملة. فإن كان إربل عربياً، فقد قال الأصمعي الربل ضرب من الشجر، إذا برد الزمان عليه وأَدْبَرَ الصيف تفطر بورق أخضر من غير مطر. يقال توبلت الأرض، لا يزال بها ربل، فيجوز أن تكون إربل مشتقة من ذلك. وقد قال الفراء الريبال النبات الكثير الملتف الطويل، فيجوز أن تكون هذه الأرض، اتفق فيها في بعض الأعوام من الحصب، وسعة النبت ما دعاهم إلى تسميتها بذلك»، ثم يقول الحموي: «إربل: قلعة حصينة، ومدينة كبيرة، في فضاء من الأرض واسع بسيط، ولقلعتها خندق عميق، وهي في طرف من المدينة، وسور المدينة ينقطع في نصفها، وهي على تل عال من التراب عظيم واسع الرأس. وفي هذه القلعة أسواق ومنازل للرعية، وجامع للصلاة، وهي شبيهة بقلعة حلب، إلا أنها أكبر وأوسع رقعة. وطول إربل تسع وستون درجة ونصف، وعرضها خمس وثلاثون درجة ونصف وثلث، وهي بين الزابين، تعد من أعمال الموصل، وبينهما مسيرة يومين» ويضيف توصيفا مهما للمدينة بقوله؛ «ومع سعة هذه المدينة، فبنيانها وطباعها بالقرى أشبه منها بالمدن، وأكثر أهلها أكراد قد استعربوا، وجميع رساتيقها وفلاحيها وما ينضاف إليها أكراد، وينضم إلى ولايتها عدة قلاع. وبينها وبين بغداد مسيرة سبعة أيام للقوافل، وليس حولها بستان، ولا فيها نهر جارٍ على وجه الأرض، وأكثر زروعها على القني المستنبطة تحت الأرض، وشربهم من آبارهم العذبة الطيبة المريئة».
أما الآثاريان العراقيان طه باقر وفؤاد سفر فيذكران في كتابهما «المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة – الرحلة الخامسة» أن: «اسم أربيل قديم ورد بكثرة في الكتابات التاريخية من مختلف العهود ولعلها المدينة الآشورية الوحيدة التي ظلت مستوطنة ومحتفظة باسمها القديم إلى يومنا هذا. والمرجح إن أقدم ذكر لها كان في كتابات الملك السومري شولكي نحو 2000 ق.م بصيغة أُوربيلم، ووردت أيضا بهيئة أَربيلم بالفتح وأنها كانت ضمن امبراطورية سلالة آور الثالثة. وجاء ذكرها أيضا في الكتابات البابلية والآشورية بصيغة: اربا – ايلو، التي تعني اربعة آلهة، واشتهرت بكونها من مراكز عبادة الإلهة الشهيرة عشتار التي نسبت إليها فعرفت باسم عشتار أربلا، وورد اسم معبدها في أربيل في الكتابات المسمارية بصيغة -اي كشان كلاما ومعناه بيت سيدة الإقليم»، ويضيف الآثاريان؛ «كما كان فيها معبد للإله آشور ووجدت بعض الآثار المكتوبة في قلعة أربيل منها لوح مكتوب لآشور بانيبال، وتمثال برونزي مكتوب يذكر الإلهة عشتار والملك الآشوري آشور دان الثالث (772-754ق.م). وكانت أربيل من المراكز الآشورية المهمة بحيث أن الملك سنحاريب (681-705 ق.م) أنشأ لها مشروع ري خاص على نحو ما فعل في نينوي، إذ جلب الماء إليها من وادي باستورا».
ويذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في كتابه «العراق قديما وحديثا» عن أربيل: «إنها مدينة قديمة يرتقي تاريخها إلى أقدم العهود الآشورية، بل لعلها الموضع الوحيد الذي ظل عامراً آهلاً بالسكان ومحتفظاً باسمه حتى اليوم، وهي اليوم من أمهات المدن العراقية الشهيرة، ومن مراكز التجارة المعروفة في كردستان، وهي كثيرة الشبه بمدينة كركوك، سواء أكان ذلك في طبيعة أرضها أو بأجناس سكانها، أو بالرطانة التي تسود لغات أهلها». ويضيف: «وذكرتها الرقم الفارسية القديمة باسم (أربيرة) وقد جاء ذكرها في الأسانيد التاريخية الآشورية منذ المئة التاسعة قبل المسيح، ولم يكن لها ذكر سياسي خاص وانما كانت خطورتها قائمة على وجود مقدس شهير فيها على اسم المعبودة (أشتر) وذلك قبيل عهد الكيانيين، فكانت إربل من هذا القبيل، مثل ذلفس في آشور القديمة، وكان تفوق إربل على ذلفس بموقعها لأنها كانت ملتقى طرق القوافل، ولهذا حفظت اسمها بحالته إلى يومنا هذا لأنها كانت على ألسنة التجار والمكارين والرحالين، على حين اضمحلت سائر أسماء مدن آشور شيئاً بعد شيء».
منارة أربيل الأثرية
تضم أربيل الكثير من المواقع الأثرية مرصوفة في طبقات، إذ تضم الطبقات السفلى منها آثاراً سومرية وآشورية، تعلوها طبقات فرثية وساسانية ورومانية، ثم آثاراً إسلامية تغطي حقب التاريخ الإسلامي منذ فتح المدينة على يد عتبة بن فرقد السلمي عام 22 هـ مرورا بالحكم الراشدي والأموي والعباسي، ثم عهود الإمارات الكردية والتركمانية المختلفة وصولا إلى العهد العثماني.
منارة أربيل التي تعرف باسم (المنارة المظفرية) واحدة من الآثار المهمة في المدينة، تقع الآن في الجهة الغربية الجنوبية، وقد عرفت بالمنارة المظفرية نسبة إلى مظفر الدين كوكبري الذي حكم أربيل وتوفي عام (630 هـ /1132 م). يرتفع القسم المتبقي من المنارة 37 مترا وكانت تعلو جامعا في الأصل لم يعثر منه إلا على بقايا من بعض أسسه تحرتها مديرية الآثار العامة عام 1960. والمنارة مشيدة بالجص والآجر ومزينة بزخارف آجرية شبيهة بوجه عام بمنارة سنجار ومنارة الجامع النورى (الحدباء) في الموصل، ومنارة داقوق وكلها من العهد نفسه. وقاعدة منارة أربيل مثمنة ولها بابان مغلقان كل منهما يفضي إلى سلم حيث يوجد في باطن المنارة اسطوانة يدور حولها سلمان. وقد قامت مديرية الآثار بترميمها وتقوية قاعدتها.
ولفتت المنارة، شأنها شأن قلعة أربيل، أنظار العديد من الجوابين والرحالة الأجانب. إذ ذكرها الرحالة الألماني كارستن نيبور في كتابه الذي يصف فيه رحلته إلى العراق في سنة 1766، فيصف منارة أربيل قائلا: «أما في التل الواقع في أسفل القلعة حيث كانت تقع عليه مدينة أربيل الكبيرة فتوجد بضعة بيوت فقيرة. هذا وليس في أربيل آثار شاخصة ما خلا بقايا جامع كبير يقع بعيدا عن القلعة وسط الحقول وهو من آثار السلطان المظفر، والمنارة القائمة بجانب الجامع قوية البناء وهي مبنية من الآجر والكلس. ولها مدخلان ومرقاتان ويمكن الصعود إلى قمتها الآن بسهولة أيضا. ومدخلا المنارة متقابلان وباستطاعة شخصين الصعود إليها في آن واحد بدون أن يرى أحدهما الآخر حتى يصلا برجها». أما كلوديوس جيمس ريج وهو مستشرق، ورحالة وعالم آثار إنكليزي. شغل منصب المقيم البريطاني في العراق خلال الفترة (1808-1821) وكان مندوبا لشركة الهند الشرقية في بغداد. فقد زار أربيل عام 1820وكتب عن منارتها وعن جامعها فقال: «مع الفجر، بدأت أعمالي فورا فذهبت أولا إلى المنارة القديمة وهي أبرز مظاهر المدينة. أما جامعها فمنهدم خرب وقد نُبشت أسسه كلها، وأُخرجت أنقاضها وآجرها. وارتفاع المنارة مئة وواحد وعشرون قدما، ومحيط قطرها واحد وعشرون قدما، وهي قائمة على قاعدة مثمنة طول كل ضلع منها تسعة أقدام وإحدى عشرة عقدة ويتراوح ارتفاعها بين الثلاثين والأربعين قدما، وفي داخل قطرها درجان لولبيان لا اتصال بينهما حتى الشرفة أو الصحن، والصحن متهدم مع ما يعلوه من قمة المنارة التي لم يسلم منها إلا بعض ما تبقى من الساق الذي يعلو الصحن عادة. والمنارة مشيدة على طراز منارة (طاووق) ويظهر انها تعود إلى عهد الخلفاء، أو بالأحرى إلى عهد أمراء أربيل. وكانت الخرائب تحيط بها، وهي أكوام من الأنقاض كأنقاض بغداد القديمة».
ولعل خير من وصف المنارة هو عالم الآثار والمؤرخ الألماني إرنست هرتسفلد في أوائل القرن العشرين، وأن مخططه للمنارة الذي رسمه هو من أحسن المخططات الأثرية الخاصة بها وبَين فيه الزخارف والنقوش الموجودة على المنارة، إذ قال: «إن كافة نقوش المئذنة من الآجر، وتزين أوجه قاعدتها المثمنة شرف عمياء ذات عقد مدبب تزينها النقوش، ويعلوها بالتوازي شرف أخرى مماثلة لها، وقد تخربت أكثر زخارفها، كما إن هناك شريطين أحدهما في رأس المثمن عليه زخارف بشكل (Z) يقطعه في الوسط خط متواز وخطوط عمودية صغيرة». ولعل أعمال التنقيب في المستقبل حول المنارة ستكشف عن أسس الجامع الذي تعود إليه هذه المنارة الرائعة.
المتحف المفتوح
كذلك يمكننا القول إن من أبرز آثار أربيل هي القلعة، التي يجمع الآثاريون على إنها حربية آشورية. والسؤال الافتتاحي لهذا الموضوع هو: كيف ومتى بنيت هذه القلعة؟ ويجيب على هذا السؤال عالم الآثار أدوارد كبيرا، وهو أستاذ علم الآشوريات في جامعة شيكاغو منذ سنة 1927 حتى وفاته سنة 1933. الذي نقب في مدينة يورغان تبه في الجنوب الغربي من كركوك، إذ يقول: «يوجد اليوم في العراق عدد من المدن لا تزال آهلة بالسكان قد بنيت فوق مستوطنات قديمة ومنها مدينة أربيل ومدينة كركوك، أما الأولى فيصعد المرء منحدرا طويلاً قبل أن يصل إلى سطح التل الذي تقع عليه، ولقد منعت الأسوار المرتفعة الأرض الرخوة من الانهيار ومن إلحاق الضرر بالمدينة القائمة في السهل، ولذلك بقي التل في حالة جيدة وسلم من عوامل الانهيار مئات كثيرة من السنين». ثم يستطرد فيقول: «إن من يسير فوق قمة تل أثري يجد شواهد لآخر دور حضاري من تأريخ ذلك التل، فإن كان تاريخ قمة التل يعود إلى الدور الفارسي مثلا فإن هذا لا يعني أن كل شيء يحويه التل هو من ذلك الدور. فكلما نقب المرء في عمق أكثر ظهر له قدم المدينة».
ويذكر زبير بلال اسماعيل في كتابه «أربيل في أدوارها التاريخية»: «لعل من أبرز المعالم التأريخية في أربيل القلعة التي احتفظت بشكلها وبكونها آهلة بالسكان إلى هذا اليوم، وليس غريبا أن الآثاريين يصفون مدينة أربيل بأنها واحدة من أقدم المدن الحية في العالم. يقع اليوم قسم من أربيل فوق التل (القلعة) الذي يشغل مساحة 60 ألف متر مربع، ويبلغ ارتفاعه حوالي 150قدما وقطره 400 قدم ويحتمل أن القلعة كانت أكثر ارتفاعا فيما مضى وان كاراكللا الامبراطور الروماني الذي غزا أربيل بعد عودته من حملته على طيسفون في عام 216م قد هدم ذروتها ونبش فيها القبور التي تعزى إلى الملوك الفرثيين. ويقال أن داريوس بعد خسارته الحرب أمام الاسكندر سنة ) 330 ق. م) اتجه نحو أربيل وترك في قلعتها كنوزه ثم هرب وقتل على يد بعض أتباعه.وفي نهاية القرن الثالث الهجري اصطدم الهذبانيون في منطقة أربيل بنفوذ الدولة العباسية وقد احتفظوا بإمارتهم بأربل واتخذوا من قلعتها كرسيا لأمارتهم طيلة عهد السيطرة البويهية على الطرق (334 هـ – 447 هـ) وتمتعوا باستقلالهم إلى درجات متفاوتة في العصر السلجوقي الذي تلا العهد البويهي في العراق» ويضيف اسماعيل قائلا: «كانت القلعة مسورة في العهود الإسلامية حيث كانت مركزا للسكنى وحصنا للدفاع عن المدينة التي بنيت فوق التل وعليها الأبراج، لم يظفر بها المغول في هجماتهم المتكررة مع أنهم ما فاتهم شيء من القلاع والحصون. وقد بقيت القلعة طيلة العهود القادمة التي تلت الاحتلال المغولي كحصن قوي للدفاع. وآخر ذكر للقلعة كمركز دفاع نسمعه عند احتلال نادر شاه لأربيل سنة 1732 بعد مقاومة باسلة. كذلك عند حملة نادر شاه الثانية على أربيل ضمن حملته لاحتلال العراق سنة 1743 حيث حاصرها مدة ستين يوما ثم فتحها، ثم تقدم نحو الموصل».
ويذكر الأستاذ ناجي الأصيل مدير عام دائرة الآثار رحلته إلى قلعة أربيل عام 1949 في تقرير نشره في مجلة سومر جاء فيه: «تركنا الموصل قاصدين أربيل لزيارة قلعتها ولمباحثة السلطات المختصة في امكانية نقل السكنى من فوق القلعة إلى الأراضي المنبسطة المجاورة لها. إذ أن هذه القلعة ليست إلا بقايا مدينة آشورية مهمة تعرف باسم أربا إيلي، مشيدة على تل أثرى أقدم عهداً. وكان سنحاريب قد عنى بإروائها بمياه العيون والأنهار التي في الجبال القريبة منها في وادي باستورا ومدها في قناة تحت الأرض إلى أربيل. وقد فكرت السلطات في نقل السكنى من أعلى القلعة لإنقاذ الأهلين من الحالة الصحية السيئة التي يعانون أخطارها الآن، وبهذا تسنح لمديرية الآثار ظروف مواتية للتنقيب في هذه المدينة الأثرية واستطلاع خباياها، ولا تزال هذه القضية رهن الدرس».
كما جاء المؤرخ عبد الرزاق الحسني على ذكر حال قلعة أربيل في خمسينات القرن العشرين في كتابه «العراق قديما وحديثا» فقال: «ولا يمكن الصعود إلى القلعة المصطنعة إلا من مرتقيين قديمين، ومن مرتقى ثالث فتح قبل عشرين سنة، وفي نهاية أحد المرتقيين المذكورين برج عظيم يدل منظره على أنه كان حصناً منيعاً للقلعة، وقد أتخذ مدة دار إمارة، ثم مدرسة، فمحكمة، فمستوصفاً. والطرق الكائنة على هذا التل قديمة وضيقة تجري في أوساطها المياه القذرة فيفسد ذلك جوها ويسبب الأمراض المنوعة بين أهلها».
في السنوات الأخيرة، خضعت قلعة أربيل لجهود ترميم واسعة النطاق، بعدما أُدرجت على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2014، الأمر الذي أسهم في زيادة الوعي بأهميتها الثقافية والتاريخية. اليوم، تبدو القلعة كمتحف مفتوح يجذب الزوار والباحثين على حد سواء، حيث تستضيف أنشطة ثقافية ومعارض فنية ومهرجانات شعبية تعكس تراث المنطقة. ورغم التقدم الملحوظ في أعمال الصيانة والحفاظ على المباني الأثرية في القلعة، إلا أن بعض التحديات ما زالت قائمة، مثل الحاجة إلى استكمال ترميم الأبنية الداخلية وتأهيل البنية التحتية لتلبية متطلبات السياحة الحديثة. كما تسعى السلطات المحلية، بالتعاون مع منظمات دولية، إلى تعزيز دور القلعة كمركز للتعلم والبحث، مع الحفاظ على طابعها الأثري الفريد. وتُجسد قلعة أربيل اليوم مثالاً حيًا على التعايش بين الماضي والحاضر، لتبقى رمزًا لهوية المدينة ومصدر فخر لأهلها.