الفيلم النرويجي «الرقم 24»: عندما يرتدي التاريخ قناع السينما ويخاطب الضمير

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

لا يهم إن كنت تعرف اسم غونار سونستيبي الشخصية المحورية في هذا الفيلم قبل دخولك صالة العرض. لأن «الرقم 24»، هذا العمل النرويجي الذي يحمل برودة الجبال وحرارة الصمت المقاوم، لا يمنحك فقط اسماً من التاريخ، بل يمنحك شبحاً يلاحقك بعد انتهاء العرض. ليس شبح الموتى، بل شبح من اختار الحياة بمرارتها دفاعاً عن الكرامة. في «الرقم 24»، يتوقف الزمن، لا لأنه يريد أن يمجد اللحظة، بل لأنه يُدخلك في جمجمة رجلٍ، قلبه كان سلاحاً وضميره كان ميداناً. المخرج النرويجي جون أندرياس أندرسن لا يصنع فيلماً عن الحرب، بل يُسائل الحرب عبر الفرد. ينزع عنها ضجيجها البطولي ويغلفها بهدوء الخوف، بالتردد، بذلك النوع من الشجاعة الذي لا يُرى في عناوين الصحف، بل يُسمع في صوت الأنفاس المرتعشة تحت شتاء أوسلو. الشجاعة هنا ليست فكرة مجردة، إنها فعل يومي، إنها رسائل تُحرق، عيون لا تلتفت، وجوه تُودَّع دون أن تُقال فيها كلمة وداع.

كل حكاية تبدأ
من لحظة صمت

في «الرقم 24»، الصمت هو لحظة الاحتلال، حين داست أحذية النازية الألمانية شوارع النرويج الباردة، ولم تكن البلاد قد تعلمت بعد كيف تصرخ. في ريوكان، مدينة صغيرة تتكئ على الجليد والجبال، كان هناك شاب يُدعى غونار سونستيبي. لا يحمل سلاحًا، لا يُجيد التهديد، ولا يملك سوى عيون تتساءل كثيرًا. حين سقطت البلاد، لم يسقط معها، بل صعد ـ بهدوء مَن يعرف أن الكلمات ستنفد يومًا ـ إلى دربٍ لا يعود منه أحد.
«الرقم 24» ليست حكاية رجل قرر أن يكون بطلاً. إنها حكاية رجل لم يجد مفرًّا من البطولة. غونار لم يكن يريد شيئًا سوى أن يكون حرًا، لكن في زمن الاحتلال، الحرية تُعامل كجريمة. وهكذا، بدأ يتحول من متدرب في الكلية إلى ظل يطارد الغزاة، رجل لا يُذكر اسمه، بل رقمه: 24. رقمٌ في أرشيف الغستابو، واسمٌ يهمسه المقاومون خلف جدران أوسلو المرتجفة. تتكوّن «عصابة أوسلو» على يديه: لا وجوه، لا أبطال، فقط أناس يعرفون أن الحياة ليست دائمًا على حق. عملياتهم لا تبحث عن المجد، بل عن ثقبٍ صغير في جدار الاحتلال، عن خلل في آلة الحرب. حربهم لم تكن في الجبهات، بل في الأزقة، في الرسائل المخفية، في القنابل المزروعة بصمتٍ على أبواب السفارات. لكن الفيلم لا يروّج لمتعة المطاردة، إنه لا يرقص على صوت الرصاص، هو يمشي إلى جوار سونستيبي حين يتردد، حين يتساءل: من أنا لأقرر من يعيش ومن يموت؟ يمضي معه في لحظة الخيانة، حين يشك في رفاقه، في نفسه، في جدوى الكفاح. ويجلس قربه حين يموت أحدهم، فلا يجد حتى الوقت للبكاء. ليست هذه حكاية وطن فقط، بل حكاية رجل صار وطنًا. غونار لا يصرخ، لكنه يجرّ العالم خلفه بنظرة واحدة. لا يحمل علمًا، لكنه يزرع المعنى في كل خطوة خفية. لا يبحث عن النهاية، لأنه يعلم: النهاية لا تكتبها البنادق، بل من يرفض أن يتخلى عن حقيقته.

السينما مختبر أخلاقي

«الرقم 24» ليس فيلمًا يُروى…بل جرحٌ يُعاد فتحه كلما حاولنا أن ننسى أن بعض الحكايات لا تنتهي إلا حين نتعلم كيف نرويها. فيلم «الرقم 24» ليس عن البطل، بل عن اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يصبح بطلاً رغمًا عن هشاشته.
السينما في هذا الفيلم ليست مَركبة للتسلية، بل مختبر أخلاقي. هنا، كل لقطة سؤال: هل ستُبلغ؟ هل ستصمت؟ هل ستخون أم تُنقذ؟ ليس هناك إجابات جاهزة، بل وجوه ممزقة بين الاحتمالات. الممثل سجور فاتني برين لا يمثل دور سونستيبي، بل يكتبه بجسده، بعينيه اللتين لا تتكلمان إلا بعد أن تفرغ الأسئلة من فمه. في ملامحه تَعب الوطن، وفي صمته ترتعد قصائد المقاومة. هذا ليس تمثيلاً؛ هذا ارتجاف الحقيقة أمام الكاميرا.

الزمن السردي

أما عن الزمن في فيلم «الرقم 24» فلا يسير مستقيمًا، بل يتلوى مثل دخان رسالة تُحرق تحت طاولة خشبية. المشاهد تُسترجع، لا لتُشرح، بل لتُعمّق الجرح. ثمة مشاهد تعود بنا إلى طفولة سونستيبي، لكن لا لنعرف من هو، بل لندرك ماذا فقد حين صار «رقمًا» في سجل المقاومة. الزمن لا يخبرنا فقط متى وقعت الأشياء، بل لماذا بقيت تسكنه إلى اليوم. اللقطات لا تَعرض النرويج كجغرافيا، بل ككائنٍ يتنفس بصمت. الجبال هنا شهود، والنوافذ المغلقة أقنعة لأسرار لم تُكتب في الكتب. الموسيقى التصويرية لا تزخرف المشاهد، بل تشبه الندم؛ ذلك الصوت الذي لا يسمعه إلا من قرر أن لا يغفر لنفسه بسهولة.
«الرقم 24» لا يقدم التاريخ كأرشيف، بل ككابوس ما زلنا نفيق منه. إنه حوار بين عينين، بين ورقة تسقط من الجيب وصوت في جهاز راديو مهترئ. مقاومة بلا مجد، بطولة بلا جمهور، نصر لا يُحتفل به إلا في الظل. لكن، تحت هذا الظل، ينمو ضوءٌ صغير: أن الرجولة لا تعني أن تكون بلا خوف، بل أن تخطو نحوه، رغم أنفك، أن تقاوم ليس لأنك قوي، بل لأنك لا تملك خيارًا آخر.
«الرقم 24» هو الرقم الذي كُتب على ملف سري، على جدار زنزانة، على ورقة استدعاء، لكنه في النهاية، هو الرقم الذي لن ننساه، لأن السينما – كما في هذا الفيلم – لا تَذكر، بل تُوقظ. هكذا تُصبح السينما ذاكرة شعبٍ لا يريد أن يُسامح النسيان.

الرؤية الإخراجية

جون أندرياس أندرسن لا يقدّم فيلمًا، بل ينحت ذاكرة.لا يرينا سيرة، بل يفتح لنا فجوة في الزمن، ويقول: انظر، هذا هو الإنسان حين يُجبر على أن يكون أكثر من نفسه. الإخراج هنا لا يلوّح براية الانتصار، بل يتسلل مثل همس في أذن التاريخ. أندرسن يعرف أن الحرب ليست صوت المدافع، بل ذلك الصمت الطويل بين طلقتين. يعرف أن البطولة لا تُصوَّر في لقطة واسعة، بل تُلمَح في ارتعاشة يد، في انكسار عين، في اختيار لا يعرف إن كان صائبًا. هو لا يُرينا غونار سونستيبي من الخارج، بل يزرع الكاميرا في داخل روحه. في لحظات الشك، تقترب العدسة كأنها تفتّش عن صدقٍ ما في عمق العين. في لحظات الفعل، تبتعد لتذكرنا أن الإنسان – مهما علا صوته – يبقى نقطة صغيرة وسط خرائط الحرب. والإضاءة ليست شكلا جماليا، بل لسانٌ آخر، الضوء البارد في شوارع أوسلو لا يضيء الطريق، بل يُظهر الوحشة، والظلال في وجوه المقاومين لا تُخفيهم عن العدو فقط، بل تُخفيهم عن أنفسهم.
لا توجد لحظة «بطولية» مصقولة كما اعتدنا في سينما الحرب. بل كل شيء مشوّه قليلاً، متعب قليلاً، صادق حتى العظم. أندرسن لا يُحبّ الانفجارات… يحب ما يحدث بعدها. لا تهمّه الدراما الكبيرة، بل الارتجافات الصغيرة التي لا تُرى. مشهد واحد، لرجل يُمزّق رسالة كي لا تقع في يد النازي، أطول من ألف معركة. مشهد لرجل يتردد قبل أن يضغط الزناد، أهمّ من كل الخطط العسكرية. وفي تعامل المخرج مع الزمن، نكتشف ذكاءً لا يسعى للاستعراض. الفلاشباك ليس تذكيرًا، بل هو اختبارٌ للندم. القفز الزمني ليس حيلة، بل طريقة لقول: لا أحد عاش هذه الحرب دفعة واحدة… بل على مراحل، كل منها أخطر من التي تليها. وحتى الموسيقى، لا تتصدر، بل تنتظر. تراقب، تُعلّق عندما يتألم القلب، وتصمت عندما يعجز اللحن عن التعبير.
جون أندرياس أندرسن لا يوجّه الكاميرا، بل يعقد معها اتفاقًا: «لا نكذب. لا نُجمّل. لا نُصفّق.» والنتيجة؟ فيلم لا يتباهى بأنه وطني، بل يتألم لأنه كان يجب أن يكون كذلك. فيلم لا يرفع صوت المقاومة، بل يصغي لهمسها. في «الرقم 24»، لا نجد يد المخرج… بل روحه. روحه التي تمشي معنا، خطوة بخطوة، في ممرات ضيقة، في وجوه ترتجف، في بلد يحاول أن يتذكّر من دون أن ينكسر. هكذا فقط، تكون السينما مقاومة، هكذا فقط، يصبح الإخراج موقفًا.

فريق عمل الفيلم

تألَّف فريق عمل الفيلم الذي اطلق في دور العرض نهاية عام 2024 من المخرج جون أندرياس أندرسن، وهومخرج معروف بأعماله التي تمزج بين التوتر البصري والواقعية التاريخية. أما كتابة السيناريو فكانت مشتركة بين إرلند لو، إسبن لوريتزن فون إيبينفيلدت، وفريق التمثيل تشكل من سيغور فاتني برين بدور غونار سونستيبي، وإريك هيفجو، وإينس أسيرسون، وأندرس باسمو، ويون أوفه هوغين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية