لعل خصوصية الخط العربي، منذ ولادته الأولى من الضلع الأرمي العتيق وتبلوره في الشكل الحجازي الأولي المنفصل واليابس، لاسيما بعد ظهور الحروف الأبجدية (أبجدهوز) بفضل الفينيقيين، مكنه من تجاوز المعطى الصامت والناطق على حد سواء. فتم التحول من الوظيفة الرمزية باعتماد الأشكال العتيقة المختزلة سابقا، إلى الوظيفة الشفهيَة المبنية على الحفظ والوزن، كما ظهر في روائع المعلقات على جدار الكعبة، مرورا بالوظيفة السجعية المقدسة المبنية على الترديد والتكرار في الحقبة الإسلامية، انطلاقا من القرن السابع الميلادي، وهو ما تميز به النص القرآني المقدس، وقوفا عند الوظائف الدنيوية التي طورت الحركة الخطوطية، وأعطتها المكانة والانتشار داخل الأصقاع العربية والإسلامية والافريقية والآسيوية والأندلسية.
شمل هذا التطوير عددا من المجالات المعتبرة، منها ما يدخل في المعاملات اليومية الحياتية، ومنها ما يتعلق بالمبادلات التجارية، دون أن نغفل عن تثمين الوظيفة المدنية التي تتعلق بالتسجيلات الإدارية وكتابة العقود، فضلا عن الأبعاد التشكيلية الجمالية والهندسية التي أضافت الكثير ومكنت الخطاطين من الوقوف كفنانين حروفيين جنبا إلى جنب مع التشكيليين والرسامين في البلاد الأوروبية.
«التشريق» ونمو العناصر العنوانية:

لعل التمدد السريع للنفوذ الإسلامي خارج الجزيرة العربية مكنه من تصدير الثقافة المحلية الحجازية وبلورة زوايا ومزايا الشخصية المقدسة عبر الخط، في ظل حجب الصورة. فازدهرت التصميمات والأشكال الحرفية، أو الحروفية بظهور الثلث في بلاد فارس وهو ما سمي بداية بالخط الفارسي، نظرا لجماليته وتمدد حروفه، لاسيما السطرية منها والواردة في آخر الكلمة، فاقتصر استعمالها في القرآن على أسماء السور والبسملة والحمدلة والختم، كما اعتمد في تعليم المقاطع وتقسيم السور، بينما استعمل في الأدب لعناوين المؤلفات والتصدير وكتابة الافتتاحيات.
التطور الخطي الحجازي وولوج المعطى الجمالي:
في ضوء التطوير الشرقي المتميز في كلمة واحدة بأناقته، فإن الخط الكوفي أخذ المشعل في الجزيرة العربية والهلال الخصيب (النيل والفرات) فساهم عدد من الخطاطين الكبار والدارسين أمثال ابن مقلة وابن البواب في النهوض بواقع الحرف لتسهيل القراءة والكتابة بواسطة تفعيل الاتصال بين الحروف وإحداث التوازن بين الأفقي والعمودي ومزيد إدراج التنقيط والتحول التدريجي من الصلابة إلى الليونة، ومن الانغلاق إلى الانفتاح في كتابة عدد من الحروف. أدت هذه الإضافات المهمة إلى ظهور أشكال خطية جديدة حققت قفزة نوعية ودخلت المضمار الجمالي التشكيلي من بابه الكبير دون الحديث عن الجمال المقدس في النص القرآني. فولد الغبار السلطاني المذهب في تركيا، والفاطمي المورق والمضفور في مصر. ثم اتجه الكوفي إلى تجليات فنية لا نظير لها وصلت إلى أوروبا عبر المنمنمات، وعبر النفق الثقافي الأندلسي الثري، والتأثير الموريسكي بدمج الخط في العمارة والجداريات، وعبر حركة الأرابيسك في الإمارات الصقلية والإيطالية، وصولا إلى التزهير والتتويج (استعمال التيجان فوق الكلمات)، والتعشيب والتوريق والزخرفة المتنوعة، فالهندسة التي اعتبرت على رأس قائمة المجهود الفني التزويقي. في حين اختص النسخ حصريا بكتابة القرآن إلى حدود القرن التاسع الميلادي.
«التغريب» كخاصية ربط حضارية غير مسبوقة:
إن المتأمل في التمدد الجغرافي للخط الكوفي في العصور الإسلامية يلحظ بلا شك خاصية البساطة في الخط القيرواني، الذي اكتفى بتبطين الحروف الأفقية والتقليل من الميلان واللعب على وضع النقاط من الأعلى والأسفل مع قصر الحروف السطرية وتقاربها وتعامد الألف واللام، فولد منه الخط المغربي الذي حافظ على البساطة ولم يعتمد الزخرفة إلى حدود القرن الخامس عشر الميلادي، ما عدا لمسات الذهب الخفيفة ( التذهيب). فتمت إضافة نقاط حمراء وإحداث علامات بين الكلمات لتسهيل قراءة النصوص، غير أن بساطة هذه الخصائص النفعية أدت بالكوفي المغربي إلى الابتعاد عن الزخرفة والتزيين ليرتبط استعماله في تدوين السجلات وكتابة العقود وتحرير الوثائق الرسمية الإدارية. بقي أن نذكر أن الخط المغربي مثّل عنصر ربط وجسر تواصل بين الكتابات الافريقية ومنها السوداني والتمبكتي المعروف بأوليته وخشونته من جهة، ما يذكرنا بالغبار وازدواجية خطوطه من جهة أخرى. الخط الأندلسي مما يعد انفتاحا ثقافيا تاريخيا إبان الفترة الأندلسية المزدحمة بالثراء والنماء الثقافي والفكري.
