شعريات أخرى للسمر والسهر في السفر

درسنا ودرسّنا شعرا يتغنى بأرق العاشقين، وكيف أنهم يصلون الليل بالنهار صبابة وشوقا. عبارة وصل الليل بالنهار هذه عبارة غزيرة المعاني، ولاسيما إن نظر المرء إليها من جانب إدراكي، وأعمل فيها النظر وهو في مطار من مطارات العالم، ينتظر أن يسافر وقد تأخرت ناقلته تأخرا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وأن عليه أن ينتظر، ولا يدري متى تأتي الطائرة، أفي تباشير الفجر أم في مطالع الشمس وعليه أن يسهر في مكان ليس فيه بدر ولا قلب تيّمه حبيب غائب.
السمر والسفر والسهر كلمات متجانسة، بت أعتقد أن تقاربها الصوتي وتألفها من أصوات مكررة ليس من باب اعتباط اللغة، ولا هو توليف بالصدفة لأصوات متقاربة. السفر في الليل سهر أنت مكره عليه، فينبغي أن تصبح ليليا وأن تمارس شيئا اسمه السفر وتبحث عن رفيق مثيل تريد أن تحدثه، أو يحدثك فتتسامران، ولكن ليس هذا في حقيقته سهر، ولا هو بالسمر فما يفتقد في الأمرين أساسي هو الاختيار، لأنك وأنت تبحث ستكون مجبرا. السهر عمل أنت تختاره وقد تخطط له من قبل، وعادة ما يكون نشاطا ترغب فيه النفس فيسهر العشاق يتناجيان في غفلة من عين الرقيب، أو حتى في غير غفلة منه. لا وجود لرقيب أصلا فقد مات الرقيب من زمان في قصص عشقنا المعاصر، مات لا كمدا وغما، بل تلاشى في ظل تلاشي أمور ثقافية كثيرة.

ليس لدى الساهرين من غير المتناجين وقت لا للرقابة ولا للحسد، ولا للوشاية فكل ساهر إنما هو مقتنص في ليله صيدَه وغنائمَه؛ وهو واقع في ملكوته الذي لا يعني غيره. السهر وأنت تنتظر طائرة أو قطارا هو سهر رغما عنك؛ أنت تسهر لا من أجل السهر، بل من أجل السفر. السهر واسطة عبور إلى السفر ينبغي أن يقطعها عاقل مسافر لا يستسلم للنوم أو ينام جالسا نوما متقطعا، فعينه على الساعتين ساعته وساعة قدوم القطار أو الطائرة، وهي في حالة التأخير جزء من الغيب الذي تعسر معرفة سببه. السهر والسفر يتجاوران جوار السبب والنتيجة، فالسبب وراء سهرك، السفر وسلاحك حتى تكون في موعد الطائرة، هو أن تكون جسدا متحركا في الفضاء في وعي وانتظار؛ بعد ذلك لك أن تنام وأنت تستقلها إن كان لا يعنيك أنك معلق بين أرضك، وسمائك. قد يطول وقتك حين تصل قبل الموعد بكثير ستجلس أو ستمشي في الفضاء، ستلعن أو ستقلق قد تفرح وقد تقلق قد تنسى الوجوه الطيبة والخبيثة أو تستذكرها، وقد تتفرس في وجوه المجاورين وتستمع إليهم يتكلمون حديثا لو لم يكن هنا لكان يسميه الناس سمرا. هم في الحقيقة لا يتسامرون، بل يقتلون بالكلام الوقت ليلا وهذا ليس المعنى الحقيقي للسمر. السمر حديث مع من تجتمع به ليلا اجتماع اختيار من أجل السهر.

السهر هو أيضا اختيار وليس السفر شيئا مهما في الموضوع؛ فقد تسافر لكي تسهر وتسامر ولكن السفر هو وسيلة لذلك ولن يكون هو الموضوع والمقصد. وأنت مسافر يجلس معك قوم تخمن أنهم مثلك مسافرون وتعتقد أن في كلامهم أنسا عارضا، والتعرف إلى هوياتهم غير مفيد يكفي أنهم مثلك مسافرون أنت تشترك معهم في صفة المسافر؛ وأنت تعتقد أن طول الوقت سيجعلهم مثلك يبحثون عن مسامر. قد لا تكون في حياتك اليومية ممن يتقنون المسامرات، فلا أنت بارع في الحديث، ولا أنت صياد للكلام ماهر؛ بل قد تكون شخصا لا يريد الحديث مع الغرباء، لكنك قد تنخرط طوعا أو كرها في حديث ليلي يتبادله مسافرون اسمه السمر. ليس كل مسافر مسامرا في أصله، ولكنه ميال لقهر زمن الانتظار إلى أن يشارك المسامرين أحاديثهم إن بالاستماع أو بالحديث. هل يستمتع المسافرون المنتظرون وهم يتسامرون؟ قد يحدث ذلك فأنت تسمع هنا وهناك ضحكات بين أفراد لم تجمعهم الحياة من قبل، ولكنهم استمتعوا بحديث عابر أرادوا وهم ينتظرون أن ينتظروا ضاحكين أفضل من أن ينتظروا بائسين؛ فالحياة هي في بعض معانيها كذلك: أن تنتظر كي تمر الحياة وأنت تتقاسم مع غرباء متعة حديث عادي تافه.
ما من مسافر إلا وهو متقمص دور المسامر، يعلمك انتظار ميعاد السفر الطويل أن تشارك الناس حديثهم، بل قد تبتسم وأنت تشاهد وقد تصنع أنت النكتة في إطار من التلاهي، الذي يكون الغرض منه ملء فراغ بين وقتين: وقت انتظار أن تأتي الناقلة ووقت أن تصل إلى وجهتك.

الوقت هذا قد يطول، وقد تصل فيه الليل بالنهار بالانتظار. وصل الليل بالنهار عبارة عربية شبه جاهزة في اللغة؛ فهي ليست كالأمثال عبارة جاهزة ثابتة. يمكن لك أن تغيرها بتصريف الفعل أو بتغييره بمشتق فقد تقول: (وصلنا الليل بالنهار) أو (وصّلن الليل بالنهار) فتتحدث عنكم باعتباركم مسافرين منتظرين أو عنهن باعتبارهن مسافرات منتظرات. وقد تقول عن الغائب: (وصل الليل بالنهار) فستعمل المصدر بدلا من الفعل. لكن الثابت في هذه العبارة أن معناها واحد: هو أن لا تنام فتظل مستيقظا من وقت مبكر في النهار السابق إلى وقت مبكر أو متأخر من النهار اللاحق من أجل فعل شيء وحيد هو الانتظار. صحيح أن العبارة يمكن أن تدل في سياقات أخرى على الاجتهاد حين تتحدث عن عمال الطرق يعبدونها، فلا تتوقف أشغالهم ليلا أو نهارا: هذه عبارة لا يعني الوصل فيها ربطا بين وقتين، بل معناه يكمن في ما أخفاه: وهو الحرص مثلا على إتمام الأشغال. أن تسافر وتسامر في انتظار طائرة لا تعرف متى تأتي هو ضرب حقيقي من وصل الليل بالنهار أنت فيه أداة الوصل ووعيك فيه بالانتقال من حلكة الليل إلى وميض النهار يكون جاهزا أنت لن تكون نائما: تنام وتهجع ثم بعد مدة تستيقظ قد تستيقظ في النهار وقد استدبرت بارحتك واستقبلت غدك؛ ولكن يمكن أيضا أن تستيقظ قبل طلوع الفجر: نومك المقطع لم يفصل بين ليل وصبح؛ لم يحدث ذلك وأنت تسهر رغما عنك وتحكي أو تسمع في انتظار أن تسافر. ستعرف وأنت تسهر كيف أن هذه العبارة دقيقة من الناحية الإدراكية، لأنك ستعيش تحت وعي استعاري بأن الزمان هو خط مسترسل.

من المعلوم أن الزمن مسترسل، ولكن إدراكنا يقطعه بطرق كثيرة: يقطعه إلى وحدات كاليوم والساعة والثانية وما جاوز مقاديرها من الأقسام المؤقتة للزمان؛ وقد يقطعه بنسبته إلى أنفسنا فتقول: طفولتي وشيخوختي أو بنسبته إلى نشاط يكون فيه الجسد متحركا ساعيا هو زمن المعاش وزمان يكون فيه الجسد ساكنا هو الليل، الذي يكون لباسا يكسو الجسد لا ليخفي حركته بل ليسجنها. الاسترسال في وصل الليل بالنهار هو أن يظل الجسد حركيا حيا بين وقت حركته ووقت هجوعه. قد تنام على كرسي ولكن النوم لن يكون هو الفيصل الوحيد في الفصل بين الليل والنهار، فوعينا هو الذي يصل الليل بالنهار اعتمادا على إدراكنا لوضعيات جسدنا الأصلية والمتحولة عن أصلها.
أن تختار كما يختار العشاق السهر مع من تحب إلى طلوع الفجر، فذاك اختيار لوصل الليل بالنهار؛ وأن تسهر أرقا وبك حنين لمن حرمت من وصله، فذاك قدر فردي سلطه عليك حبيبك الذي لم يرحمك؛ لكن أن تصل الليل بالنهار في انتظار طائرة فذلك ضرب من شعرية مسافر هذا العصر، وفيه شيء من قدرية سلطتها عليك الآلة بواسطة من لم يحترموا ميقاتها فجعلوه سببا وهم في الحقيقة السبب.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية