غزة: العدس للرضع بعد منع الاحتلال إدخال الحليب الاصطناعي

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

لم تجد إسلام سعيد بديلا عن الحليب الاصطناعي لإرضاع طفلها الذي لم يتجاوز عمره الستة أشهر سوى العدس الأصفر المطحون، حيث اختارت هذا البديل ليس لأنه مناسب أو صحي لطفلها، بل لأنه متوفر بأسعار منخفضة ويشبع طفلها لساعات، في ظل المجاعة والحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة.
وفي مشهد يعبر عن واحدة من أقسى الأزمات الصحية في غزة، يتحول حليب الأطفال إلى مطلب حياة، ويشكل نقصه أزمة كبيرة في قطاع غزة، يتزامن ذلك مع زيادة معدلات الولادة، وصعوبة إرضاع الأمهات أطفالهن طبيعيا بسبب سوء التغذية وتفاقم المجاعة منذ أشهر طويلة، حيث بات اعتماد جميع السيدات في غزة على الحليب والمكملات الغذائية في إطعام أطفالهن، لانعدام كافة مقومات الحياة.
إسلام منذ أن وضعت طفلتها لم ترضعها طبيعيا بسبب المجاعة، وعدم قدرة جسدها على إفراز وتكوين حليب الرضاعة، ولجأت منذ الأيام والأشهر الأولى للمؤسسات الداعمة للحصول على القليل من علب الحليب، وكانت تطحن الأرز وتخلطه بالماء والقليل من السكر وتقدمه لطفلتها، لكن اليوم وبعد شح السكر وارتفاع أسعار الأرز، تعمل على طهي العدس وتقديمه لطفلتها من خلال رضاعة اصطناعية، لكن هذا الحل بالنسبة لها له آثار جانبية خطيرة على طفلتها، التي تعاني من مغص وآلام في بطنها وإمساك حاد.
وتقول لـ«القدس العربي» إنها قلقة من فقدان حياة طفلتها بأي لحظة، في ظل الوضع الخطير الذي تعيشه من نقص الحليب ومصادر الغذاء الأساسية التي تحتاجه طفلتها في أشهرها الأولى، كما أن العدس وجبة خطيرة على طفلة بهذا العمر، لكن رغم البحث المستمر عن بديل آمن لم تجد أي حل. وحذرت وزارة الصحة في غزة، من وجود أزمة خطيرة تهدد بفقدان حياة المئات من الأطفال الرضع داخل مستشفيات القطاع، في ظل نفاد حليب الأطفال من مستودعات الوزارة والمستودعات الخاصة بالشركات، ويزداد الخطر مع تكدس أقسام الحضانة في المستشفيات بالأطفال الخدج الذين هم بحاجة إلى حليب بأنواع وتركيبات خاصة، لكن هذا غير متوفر حاليا داخل غزة. وتشير بيانات طبية إلى فقدان ما يقارب من 60 طفلا منذ بداية العام الجاري بسبب سوء التغذية ونقص الحليب، في مقابل ذلك حذرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم أزمة نقص حليب الأطفال في القطاع، في ظل تزايد أعداد المواليد، حيث أشارت الوزارة إلى أن هناك أكثر من مئة طفل يدخلون يوميا مستشفيات القطاع بسبب سوء التغذية، وتجد الطواقم الطبية صعوبة في التعامل مع عشرات الحالات التي تواجه ظروفا صحية صعبة.

نداءات استغاثة

مستشفى الرنتيسي الذي يعتبر أحد أكبر مستشفيات الأطفال في غزة، يواصل إطلاق نداءات استغاثة إلى منظمة الصحة العالمية والمجتمع العربي والدولي، بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ أطفال غزة من خطر الموت جوعا، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الحليب بكميات كافية وبشكل منتظم، حيث يستقبل المستشفى كل يوم عشرات حالات سوء التغذية ومشاكل الامتصاص لدى الأطفال، عدا عن حالات مرضية بسبب استخدام الأمهات بدائل غير آمنة في إشباع أطفالهن.
ويماطل الاحتلال في إدخال المساعدات والبضائع التجارية إلى قطاع غزة، بل ويسمح للصوص بالاعتداء وسرقة الشاحنات، بهدف تجويع السكان، يضاف إلى ذلك منع الاحتلال إدخال المواد الأساسية الضرورية اللازمة يوميا، والاكتفاء بإدخال كميات محدودة من صناديق المساعدات والطحين وبعض السلع، وهذه الأصناف تتعرض للسرقة حال إدخالها ولا تصل إلى المستحقين.

الخيار الأسوأ والأصعب

حال أم محمود لا يختلف عن سابقتها، فهي أم لطفلين توأم وتعاني الأمرين، في ظل صعوبة حصولها على الحليب الاصطناعي، والرضاعة الطبيعية لأطفالها لم تشبعهما بسبب سوء التغذية، فهي تعاني من صراخ أطفالها المستمر يوميا بسبب الجوع، وعدم قدرتها على توفير الحليب سواء من خلال المؤسسات الداعمة أو شرائه نقدا من الصيدليات.
تقول لـ«القدس العربي»: «بعد أن وصلت إلى مرحلة اليأس وتفاقم المجاعة لجأت إلى تحضير النشاء والماء والسكر كبديل عن الحليب، لكن منذ أشهر منع الاحتلال إدخال هذه الأصناف ولجأت بعد ذلك إلى استخدام العدس لإطعام أطفالي لسد جوعهم حيث أعمل على سلق العدس وطهيه على النار ومن ثم هرسه جيدا حيث يسهل تناوله وهضمه».
تشير إلى أن هذا الخيار هو الأسوأ والأصعب بالنسبة لها لأن أطفالها لا يقبلون هذا الطعام «لكن اضغط عليهم لسد جوعهم ومحاولة للحفاظ عليهم من الموت جوعا إلى حين إيجاد بدائل في ظل الظروف المعيشية الصعبة والمجاعة التي نمر بها».
أما أم عدي فقد فقدت طفلها بعد مرور شهرين على ولادته، بسبب نفاد أحد أصناف الحليب المخصص للحالات المرضية، وطفلها ولد مصابا بخلل في الهرمونات، حيث وفرت له إحدى المؤسسات الخيرية كمية قليلة من الحليب، وبعد نفاد هذا الصنف من مستودعات القطاع والمؤسسات، لم يحتمل طفلها الجوع وتسببت له البدائل بمضاعفات أدت إلى وفاته.
في تعقيب على ذلك يقول الدكتور هشام الجدبة أخصائي جراحة الأطفال «يواجه مئات الأطفال خاصة حديثي الولادة خطر الموت جوعا في أي لحظة، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر على القطاع، وحرمان الاحتلال توريد المستلزمات الخاصة بالأطفال من حليب الرضاعة والمكملات الغذائية والأدوية، التي تحتوي على فيتامينات للوقاية من سوء التغذية».
وأضاف لـ«القدس العربي»: «أن غالبية الولادات هي لأطفال يعانون من ظروف صحية سيئة، نتيجة تعرض الأمهات الحوامل لسوء التغذية واستنشاق غازات سامة والإصابة بشظايا الصواريخ المحرمة، وهذا نتج عنه ولادة أطفال بحاجة إلى رعاية صحية وتغذية سليمة، لكن هذا غير متوفر حاليا، لاسيما أصناف الحليب رقم صفر وواحد وهي مخصصة لرضاعة الأطفال في الأيام الأولى من ولادتهم».
وأشار إلى أن استخدام الكثير من الأمهات بدائل غير آمنة في إطعام أطفالهن، يزيد من مخاطر فقدان حياة الكثير من الأطفال الرضع، حيث تتوافد إلى مستشفيات الأطفال يوميا العديد من الحالات التي تعاني من نزلات معوية ومغص حاد وانسداد في الأمعاء، وهذه الحالات في كثير من الأحيان تحتاج إلى تدخل جراحي لتسليك الأمعاء من الأطعمة غير الآمنة، كالعدس والأرز والنشاء وبعض الأطعمة الخشنة التي لا يمكن هضمها بسهولة.
وطالب الدكتور الجدبة بضرورة التدخل الدولي العاجل لإنقاذ الواقع الصعب الذي يمر به قطاع غزة لاسيما فئة الأطفال الذين يواجهون خطر الموت جوعا نتيجة الحصار، من خلال السماح بإدخال كافة الأطعمة والأدوية المنقذة لحياتهم، والعمل على إخراج العديد من الحالات المرضية إلى خارج قطاع غزة لتلقي العلاج بسبب قلة الإمكانيات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية