في مركب عائم على صفحة بحر ساكن، لا شراع يطوي الريح، وجدت نفسي بلا مجداف يشقّ الماء.. السماء فوقي رمادية، كأنها مرآة لحيرتي، وأنا في لحظة خارجة عن الزمن، حيث لا ماضٍ يدفعني، ولا مستقبل يجذبني.
تطلّعت إلى موج البحر، فجأة رأيت شخصاً على بعد، مشى على وجه الماء، لمحت طريقة خطو أبي، تكلّم فأصغيت إلى صوت صاحبي الذي استشهد يوم الجمعة، السادس من يونيو/ حزيران، في الحرب التي قيل إنها (حرب الأيام الستة)، ثم أصبحت تسمى (هزيمة حزيران، أو النكسة)، وقيل عن أسبابها: إن أغاني السيدة أم كلثوم كانت وراء ذلك، كانت أشبه بالأفيون الذي يفعل فعله في عقول مستمعيها! وقيل أيضاً: إن نشيد الله أكبر المدوّي من إذاعات العرب لم يكن كافياً وحده لتحقيق النصر. أثناء ذلك عجبت واضطربت فالتبس عليّ الأمر، الجسد لأبي، انحناءة كتفيه، لا أخطئها أبداً، أما الصوت فلصاحبي الذي عرفته، فاحتميت معه بظلام الليل خلف الأشجار الكثيفة، وفي نفسي سؤال يتأرجح: هل أنا تائه، أم في طور الاكتشاف؟ عندما تجاوزنا الموج إلى خطوط الأعداء، قال لي: أنا غاضب قلت له: لماذا يا مقتول بشظايا (العدو)، الذي أصبح بنظر العربان صديقاً؟ قال: لأنك لا تطلّ على امرأتي وعيالي، ثم اختفى.
رأيت نفسي ماضياً لزيارة أسرة صديقي الشهيد، دخلت البيت بعد غيبة عقد من الزمن، شممت رائحة استقرار، طعاماً فاخراً، أثاثاً أنيقاً موزعاً بعناية، تتوزع بين فجواته نباتات ظلية تفوح منها عطور افريقية، كنت بحاجة إلى أذنين رهيفتين كي استمع إلى موسيقى خافتة تنبعث من مصدر مجهول.
تقدمتني الزوجة بفستانها الملّون، بدا وجهها متورداً، حول جفنيها ظلال المساحيق المثيرة، لاحظت خلو الجدران من شهادات البطولة، وأنواط الشجاعة، وأوسمة الشجاعة، ونياشين الفداء، وحب الوطن. جاءت الابنة، أصبحت عروساً شهية، ترتدي الجينز، وزهرة صناعية تتوسط شعرها الناعم، اتصل الحديث، كانت الزوجة تتحدث بحماس عن منافع نظام التوصيل (الدليفري)، وازدحام النوادي والمطاعم والمقاهي بالزبائن، ومدخني (الأرگيلة) من الجنسين، وسهر آخر الليل، وانتشار صالات التجميل. بينما رحت محاولاً تغيير مسار الحديث نحو ظاهرة انتشار المولات، والجامعات والمستشفيات الأهلية، التي تمتلكها الأحزاب الحاكمة، وعزوف الناس عن القراءة، مع انتشار مكاتب الوساطة العقارية وسط المدينة وأطرافها، مع تصاعد مخيف في أسعار العقار، وبدلات الإيجار، وتعطل التيار الكهربائي وتراجع الخدمات. نهضت وسلمت، وانصرفت، مشيت بين الناس غير مصغ، كأنني أدرك فراق صديقي لأول مرة، لم يأتيا على ذكر المقالات التي كتبتها عنه، رأيت خلو الدنيا منه، مثلما أيقنت ان الشهيد صار سردية تروى حين يلزم، استبدال الألم بالمنفعة، واستثمار الاسم في بورصة المصالح. لم يعد الشهيد يعني الزوجة، كان يوماً ظلها، أما اسمه فقد غدا بطاقة عبور لأرملة الشهيد التي تعرف كيف تقدّم نفسها، كيف تفتح الأبواب باسمه، وكيف تغلق الذاكرة حولها من دون أن يراها أحد.
لم يعد يغادر ذاكرتي، وعندما أصبح العدو (صديقاً) بفضل تطبيع العرب، وتبدلت الأحوال، ورفرفت الأعلام التي طالما نكّسناها حزناً على وفاة (الملوك والرؤساء)، تخيلت ردود أفعاله، وصار عزائي أن انفعالاتي ترديد لانفعالاته.. مشيت.. مشيت، كأني أرى صاحبي في ثيابه القتالية، اختراقه خطوط العدو الليلية، مخاطراته، تأملاته. رأيته مقتحماً، ورأيته منسحباً.. كئيباً، سعيداً، شجاعاً، خائفاً، لكن غيري لم يروه، ولم يلمحوه، ولم يذكروه. فأصغيت إلى قلبي الحزين الذي تعاظمت به النوب، قلب مدحوض الحجّة، خفت أن أراه ثانية وأنبئه بما لا يسرّه، فتمنيت الفراق.
كاتب عراقي