تغريبة خالد أبو خالد: فلسطين تعيد كتابة التاريخ والأسطورة

عندما نعود إلى شعر خالد أبو خالد نستمع إلى صوت فلسطيني عميق، شديد الأصالة والتجذر في الأرض، صوت يمثل الروح الفلسطينية، ويجسد ملامح الشعب الفلسطيني بثقافته وتراثه ووجدانه الحي النابض. خالد أبو خالد ليس شاعراً وحسب، بل هو قطعة حية وجزء لا يتجزأ من تاريخ فلسطين، وامتداد لسيرة النضال والمقاومة بالسلاح والكلمة، والجهاد في سبيل الوطن والدفاع عن الحق. يأخذنا خالد أبو خالد إلى فلسطين ويغوص بنا في أعماقها، ويتجول بنا داخل مدنها وقراها، فنكاد نتنسم هواءها ونلمس أشجارها ونشم رائحة ثمارها وأزهارها، ونتذوق زيت زيتونها الذي لا مثيل له في العالم كله. نصغي إلى اللهجة الفلسطينية ونحفظ كلماتها، ونضم إلى قاموسنا بعض مفرداتها، رغم أنه نظم أغلب شعره بالفصحى، ويعد ما كتبه بالعامية الفلسطينية نسبة قليلة من كامل منجزه الإبداعي، لكنه يضمّن أشعاره الفصيحة بعض كلمات عامية بلسان فلسطيني خالص، ويعد استخدام العامية وإدخالها إلى القصيدة الفصيحة أسلوباً متبعاً لدى الشاعر، وهو من الشعراء القلائل الذين تمكنوا من نظم الشعر بالفصحى والعامية، على حد سواء وبالقدر نفسه من الإجادة والتميز، كان يكتب العامية الفلسطينية العميقة ويقدم الغناء الشعبي الأصيل، الذي كان يستلهمه من التراث الشفهي ويبني عليه، ويعمل على استمرارية إحيائه وتداوله، ويُسمع اللهجة الفلسطينية بمفرداتها الشعبية لعموم العرب. قدم الشاعر مجموعة كبيرة من الأشعار المغناة التي وصلت إلى الجماهير الواسعة، خصوصاً عندما غنتها فرقة الجذور الفلسطينية وأعاد غناؤها بعض المطربين.
لا يحدثنا خالد أبو خالد عن فلسطين، وإنما يضعنا في قلب فلسطين، ويمنحنا تجربة فريدة قلما نجدها لدى شاعر آخر، تلك التجربة الحية المتكاملة في الاقتراب من فلسطين البعيدة/ القريبة. وكما يقف المرء أمام شعره معجباً متأملاً، يقف بالقدر نفسه من الإعجاب والتأمل أمام سيرته التي رسمها القدر وخط حوادثها وملأها بالمعاني والعبر. تلك السيرة التي تتقاطع مع تاريخ فلسطين وتمتد إلى مرحلة من مراحلها المفصلية، فالشاعر خالد أبو خالد واسمه الأصلي خالد محمد صالح الحمد، هو ابن الشهيد محمد صالح الحمد، البطل الفلسطيني وأحد الخمسة الأوائل الذين أشعلوا مع الشيخ الشهيد عز الدين القسام ثورة فلسطين الكبرى، التي امتدت من عام 1935 حتى عام 1939، وتبرع بكل ما يملك من جنيهات، وكان الجنيه الفلسطيني في ذلك الزمن يعادل جنيهاً ذهبياً.
استشهد محمد صالح الحمد في معركة دير غسانة عام 1938، تاركاً أرملة شابة في الثامنة عشر من عمرها، وشاعرنا الذي كان لا يزال طفلاً رضيعاً في عامه الأول وشقيقته الكبرى، لم تتزوج الأم الأرملة التي لم تر بطلاً غير زوجها الشهيد، وقام والدها برعاية الأسرة التي تركت بلا معيل أو ثروة، وقام بتربية شاعرنا على القرآن والشعر والأدب والمبادئ الوطنية، وكان يصطحبه بانتظام إلى قبر أبيه الشهيد، ذلك القبر الذي كان بلا معالم واضحة، لأن الجثمان كان قد تم تهريبه خشية أن يمثل به، فدفن تحت بلاط مسجد دون إشارة تدل عليه، لكن الجد كان يحفظ في ذاكرته موضع الجثمان، ويقول للطفل «لا تدس هنا» فهنا قبر أبيك، وكان يطلب منه أن يتلو على مسامع أبيه الشهيد ما تعلمه وحفظه من القرآن والأشعار الوطنية، ويؤكد له أنه يسمعه ويُسر به فهو حي يرزق عند الله. كان الشهيد يلقب بأبي خالد، ومن هنا جاء اسم خالد أبو خالد إحياء لذكرى والده العظيم.
التتلمذ على يد عبد الرحيم محمود
كابن من أبناء الشهداء مُنح شاعرنا فرصة الدراسة في مدرسة كلية النجاح العريقة، فانتقل من قريته «سيلة الظهر» إلى مدينة نابلس، وهناك كان في رعاية أستاذه ومعلمه الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، أحد أعلام فلسطين، وصاحب الأبيات الشهيرة: «سأحمل روحي على راحتي.. وألقي بها في مهاوي الردى.. فإما حياة تسر الصديق.. وإما ممات يغيظ العدى». كان عبد الرحيم محمود صديقاً لوالد الشاعر، فاعتنى به كما كان يعتني بكل أبناء الشهداء، الذين كانوا يقيمون في قسم داخلي خاص بهم في المدرسة، وكان كما يروي عنه شاعرنا يعلمهم نهاراً ويحرسهم ليلاً، خشية التربص بأبناء الشهداء ومحاولة اختطافهم، ويروي أيضاً أنه لم يكن يدرسه وحسب، وإنما هو من علمه قراءة الشعر وحسن إلقائه، وعلمه أن يذهب إلى السينما والمسرح، وفوق كل ذلك علمه أن تكون فلسطين أمام عينيه دائماً في كل شيء يفعله. كان عبد الرحيم محمود مناضلاً يجاهد بالسلاح كما بالكلمة، ويمكن القول إنه كان صورة حديثة للشعراء الفرسان في الأزمنة القديمة، علم الأطفال والصبية حمل السلاح، وكان يدربهم على نماذج خشبية عندما لم تكن تتوفر البنادق الحقيقية، وهكذا لعب دوراً كبيراً في حياة شاعرنا خالد أبو خالد، وظل ما غرسه فيه حياً، فأخذ يجاهد بالكلمة ويقاوم بالشعر حتى آخر لحظة، وحمل السلاح وانضم إلى المقاومة أيضاً في فترة من الفترات.
بعد استشهاد عبد الرحيم محمود فقد شاعرنا أباً ثانياً، وفقد أباً ثالثاً بعد موت جده لأمه، ثم اضطر إلى التوقف عن الدراسة والعمل من أجل إعالة أمه وشقيقته، فذهب إلى عمّان وعمل في مهن يدوية عديدة، وكانت الحياة شاقة وقاسية للغاية على الصبي الذي يواجهها بمفرده. فعاد إلى فلسطين وقرر أن يسافر إلى الكويت تهريباً، وقد استلهم قصته الروائي الفلسطيني غسان كنفاني في رواية «رجال في الشمس»، بعد أن استمع إليها منه في الكويت عندما كان يعمل هناك هو الآخر. في الكويت بدأ خالد أبو خالد ببعض المهن البسيطة المتاحة، إلى أن عمل محرراً صحافياً ومذيعاً في الراديو ثم مذيعاً تلفزيونياً، يقدم برنامجاً ثقافياً مهماً ويشرف على القسم الثقافي بأكمله، وقد كان الشاعر الراحل يمتلك صوتاً جميلاً رخيماً يؤهله تماماً لهذا العمل، بالإضافة إلى سلامة اللفظ وحسن الإلقاء والقدرة على جذب المستمع والمشاهد، ونتيجة لخلاف في المواقف السياسية تم ترحيله من الكويت، فذهب إلى سوريا وعمل مذيعاً في التلفزيون السوري.
رغم أعماله وانشغالاته الثقافية المتعددة، كان الشعر مشروعه الأساسي وهمه الأكبر، والموهبة الباهرة التي طغت على موهبته الأولى التي سبقت ظهور موهبة الشعر وهي الرسم، لكنه لم يهمل الرسم تماماً، وكان الفنان التشكيلي حاضراً من حين إلى آخر بجوار الشاعر، فأبدع مجموعة رائعة من اللوحات وأقام عدة معارض، وهكذا لم يقتصر تعبيره عن فلسطين على الكلمة فقط، وإنما امتد إلى الصورة والمعاني البصرية.
عندما نطالع قصيدة لخالد أبو خالد لا نشعر بأننا أمام شاعر يمسك قلماً لامعاً، لم يخرج إلى الشارع ليتعرض إلى الشمس ويلفحه الهواء، وإنما هو شاعر انغمس في تراب فلسطين، وتجرع مرارة اليتم، رغم الفخر بوالده الشهيد البطل، واختبر الغربة والتشريد والمنافي الجبرية، وبنى نفسه وشعره بجهد عصامي كبير، على الرغم من الظروف القاسية، وحمل قضية بلاده على مدى عقود من عمره، وكرّس لها شعره وكلماته، التي قلما تناولت موضوعاً غير فلسطين الحاضرة على الدوام، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في أعماله. فهو يعبر عن الشعور الجمعي الفلسطيني، وما عاناه هذا الشعب من آلام، وما لاقاه من أهوال، وما قام به من مقاومة وكفاح لم يتوقف منذ عقود طويلة، ولن يتوقف حتى يتحرر الوطن وتستعاد الأرض كاملة، هو صاحب «العوديسا» مجموعة أشعاره التي أطلق عليها هذا العنوان الذي يجمع بين الأوديسا والعودة.
التغريبة الفلسطينية
ديوان «تغريبة خالد أبو خالد» الصادر عام 1972 يضم خمساً من القصائد المطولة، هي «المهلهل»، «سيف بن ذي يزن»، «عنترة»، «هلال»، «شهرزاد». يعد هذا الديوان تجربة شعرية وفنية مكتملة، ضمن المشروع الكبير للشاعر بموضوعه الفلسطيني، وكما يتضح من العنوان أنه يتناول التغريبة الفلسطينية، من خلال تغريبة الذات التي عاشها الشاعر بالفعل، ولم تكن مجرد تخيل شعري، كما أنه يتناول التغريبة الفلسطينية من خلال سير وملاحم التراث العربي وقصصه وأساطيره، ويضع في القلب منها فلسطين، فيجعل فلسطين تعيد كتابة التاريخ والأسطورة، ويجعلنا نعيد قراءة تلك القصص القديمة من خلال عدسة فلسطين. في هذا الديوان يعود الشاعر إلى التراث العربي فيستقي منه الرموز، ويسائل الماضي ويتأمل الحاضر ويرسم تصوراً للمستقبل، هي عودة إلى التراث ومحاولة للتأصيل وربط الشعر بجذوره العربية، وعند النظر إلى القصص والشخصيات والسير التي اختارها الشاعر في ديوانه، نجد أنه لا يعود إلى التراث العربي فحسب، وإنما يعود في الوقت نفسه إلى طفولته، عندما قرأ للمرة الأولى تلك القصص وشغف بها، وأثارت مخيلته وفتحت أمامه الآفاق الواسعة، وإذا به يستحضرها كشاعر كبير ويحيط بها موضوعه الشعري الأول والأخير، فلسطين.
في الديوان نقرأ عن المهلهل أو الزير سالم، الشاعر والبطل الدرامي، الذي يبحث عن ثأر أخيه كليب، ولا يرضى سوى بالعدالة المستحيلة، وهي أن يعود إلى الحياة مرة أخرى بعد مقتله، وتبقى صرخته الشهيرة :أريد كليباً حياً» شاهدة على ذلك. ونقرأ عن سيف بن ذي يزن، آخر ملك حميري، والمحارب الذي طرد الأحباش من اليمن، والبطل الشعبي في المخيلة العربية، والسيرة المتداولة في معظم بلدان العرب. ونقرأ عن عنترة بن شداد الشاعر والفارس العربي المقدام عاشق عبلة. ونقرأ عن هلال أو سيرة بني هلال، وتغريبة تلك القبيلة العربية، وسيرتها التي تعد السيرة الشعبية الأكثر رسوخاً في الذاكرة العربية. ونقرأ عن شهرزاد، الشخصية الأنثوية الوحيدة في الديوان، التي اتخذت عنواناً لقصيدة، تلك الحكاءة البارعة التي نجت من القتل وأنقذت بنات جنسها من سيف شهريار بفضل الحكاية، المرأة التي واجهت العنف بالكلمة وغيرت الواقع عن طريق الخيال. تتقاطع كل شخصية من هذه الشخصيات وسيرتها مع فلسطين، ولا يشعر القارئ بأي إقحام مفتعل يجعله يتساءل ما الرابط بين هذا وذاك، فالشاعر صاحب الحبكة البارعة والأسلوب الشيق الجذاب، يضفر تلك التداخلات بإحكام بالغ.
تغريبة خالد أبو خالد ليست مجرد ديوان شعر، بل هي مشروع فكري وجمالي يبحث في الصلة بين الماضي والحاضر، وتتحقق المتعة بقراءة القصائد منفردة، لكن المغزى يكتمل بالقراءة المتصلة والانتقال من شخصية تاريخية إلى أخرى، ومن حكاية إلى حكاية. يمهد الشاعر لكل قصيدة بمقدمة نثرية، يشرح فيها ما يجب شرحه، ويُدخل القارئ إلى فكرة القصيدة. والقصائد عن فلسطين مهما اختلفت عناوينها وإلهاماتها، والذات الفلسطينية حاضرة من خلال ذات الشاعر، وتحضر المدن والأماكن والعواصم العربية، مصر، سيناء، النيل، عمان، دمشق، الرافدين، وتكثر أسماء الأماكن الفلسطينية بطبيعة الحال، ومن بينها «سيلة الظهر» قرية الشاعر التي لطالما ذكرها في قصائده، وخصها ببعض الأعمال المنفردة. ويمكن القول إن الديوان من التجارب الشعرية التي أقامت الحداثة على أسس الاتصال بالماضي، وساهمت في تطوير الشعر العربي الحديث، ويلاحظ أن الرجوع إلى الماضي يحمي الشاعر أحياناً من الوقوع في الخطابة المباشرة. يتميز هذا الديوان بمجموعة من السمات الجمالية والفنية، حيث تدفق الأفكار والانفعالات، وجمال الصورة والحس الدرامي والنبرة الملحمية، ودقة الأثر المعنوي والشعوري، وبراعة الرمز وتعدد الدلالات وانفتاح القصائد على تأويلات كبرى. يمزج الشاعر بين الهم الشخصي والهم الجمعي، ويطوع لغته ليعبر عن المشاعر المركبة والصور المعقدة، وتكون قضية الذات هي قضية الوطن. هي قصائد عن المقاومة، والأرض والوطن والحق المغتصب، والجرح النازف والاغتراب والحنين وحلم العودة. ينطوي الديوان على طاقات شعرية هائلة، تجعل من القصائد قطعاً فنية فريدة ذات زخم فكري وجمالي يلامس القلوب ويوقظ الضمائر.
استحضار الرموز العربية
يبدأ الديوان بقصيدة المهلهل، وبمقدمة نثرية يتحدث فيها الشاعر عن جليلة التي خلعت المهلهل بنفوذها، بهدف تثبيت جساس ملكاً على العرب، ويتحدث عن المهلهل الذي قاتلهم وقاتل حليفهم برجيس الصليبي، وحقق في قتاله ضدهم مجموعة من الانتصارات، إلا أنه لم يتمكن بعد من قتل جساس، ولا يزال جساس يلاحق المهلهل بهدف اغتياله، ولا يزال متحالفاً مع الغزاة. وهناك دائماً في قصائد الديوان تلك المعركة غير المحسومة، والصراع المستمر الذي لا ينتهي. يتحدث الشاعر على لسان المهلهل فيقول: «لولا أنني عاهدت أيتام القبيلة أن يموت على يدي جساس.. وأن أبني على أنقاضه وطني.. وفي حيفا.. على الميناء.. أعلن أنني الصعلوك.. فارسها.. المهلهل.. ليس في كفيه غير جراحه.. والسيف.. والشهداء». جساس في القصيدة رمز للخائن، والمهلهل رمز للبطل الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والغدر والخيانة والخذلان، وهو هنا بطل شعبي يتجمع من حوله الفقراء، والأيتام الذين لا يخلف لهم وعداً.
في قصيدة سيف بن ذي يزن وهي من أطول قصائد الديوان، ينفي عنه أنه كان ملكاً ويقول إنه كان فقيراً مشرداً مثله، ينفي عنه أنه كان يحب نساء كثيرات ويقول إنه كان مخلصاً لحبيبة واحدة، ينفي عنه استخدام الجان ويقول إنه كان بطلاً يقاتل بيديه وكلماته، ويقول إنه لم ينتصر بعد ولم يمت، فهو الآن في المعركة. ينزع الشاعر إذن عن سيف بن ذي يزن صفاته الأسطورية ويحوله إلى بطل واقعي حيث يقول: «فسيف بن ذي يزن فيكم عاشق لا يموت.. وزيف رواية أعدائكم تلك.. لا في يديه مقاليد سحر.. ولا سخّر الجان.. أو سيفه سيف نوح المطلسم.. أو خرجه الذي يحتوي الكنز.. لكنه مثلكم منذ يومين ما ذاق زاداً.. ويقتل.. يقتل.. يقتل.. يقتل.. لكنه لا يموت».
في قصيدة عنترة يرى الشاعر أن ذلك الفارس قاتل دائماً من أجل قضية واحدة هي الحب، حبه لعبلة وحبه للقبيلة، يكرر الشاعر في القصيدة كلمتي «واقف واقف»، فعندما ضرب عنترة من الخلف، عندما كان يتصدى للأعداء، ظل واقفاً ليفوت عليهم فرصة تمزيق بقايا القبيلة التي افتداها بنفسه، بينما كانت ترفض الاعتراف به كأحد أبنائها: «قتيلاً طعيناً.. ورغم الهزائم من خلفه.. واقف واقف عنترة.. كان وحيداً.. والغبار الذي تصاعد في الشرق والغرب.. كان غبار الهزيمة تلو الهزيمة». تتناول القصيدة الجرح الفلسطيني الممتد ليصبح جرحاً عربياً عاماً: «والجرح في النيل.. والرافدين.. وفي بردى الجرح.. يا جرح عبلة.. يا سيد الحزن.. في غربة الوطن المتهالك تحت السنابك.. المتسرب كالماء والريح». ويرى الشاعر في قصة عنترة «تفسيراً لما يحدث على أرض الوطن العربي خلال ما يزيد على نصف قرن»، فيقول: «تواطأ سادة عبس مع الفاتحين.. وكانوا ينامون حول الخباء.. وفرسانها خُلعوا عن بطون القبيلة.. مصتهم الريح والرمل.. حتى استوى مالك في الحدود التي رسمتها العصي الغربية في ما يسمى الدمى العربية.. تلك التي دللتها القصور.. فباعت قبيلتها للصقور.. احتمت من فوارسها السمر بالفارسي.. حمت جنده يوم فضوا بكارة عبلة».
في قصيدة هلال يرى الشاعر أن بني هلال في تغريبتهم لم يكونوا غزاة أو مخربين، كما يروى عنهم، وأنهم مثلوا دائماً خميرة الانتفاضة الشعبية في كل المناطق التي اجتازوها، ولذلك كان يأمل في أن يرى في الغد جيوش هلال أقوى وأكبر وأكثر عدة وعدداً في المعركة الأخيرة الفاصلة. يذكر الشاعر في القصيدة قريته «سيلة الظهر» وأماكن فلسطينية أخرى حيث يقول: «كيف أهالوا علينا التراب.. على شط يافا وغزة.. كيف خرجنا عليهم من الكهف بعد سبات القرون.. وكيف انتفضنا.. على قمة الجبل الموت كان نهاراً وليلاً.. والحرس الملكي الذي علق التاج.. ألقى بنجمة داوود فوق المدينة».
في قصيدة شهرزاد يرى الشاعر بخياله الخاص أن شهرزاد لم تكن كما يتصور الكثيرون تفتدي بنات جنسها فحسب، لكنها في الحقيقة كانت تقود تنظيماً سرياً من داخل القصر، فأسقطت شهريار، وكانت الليلة الثانية بعد الألف، ليلة الفرح والإعداد لحرب طويلة أخرى على أرض بعيدة ترزح تحت وطأة شهريار آخر، إذ تقول: «تذكّر وأنت تلون وجهي.. تذكّر.. بأن شريطاً من الأرض في آخر الكون لم يتحرر.. وأنك أنت المحرر». يوظف الشاعر في هذه القصيدة اللهجة العامية الفلسطينية والفولكلور الفلسطيني، في المقطع القائل: «يا مرحبا ويا ميجانا.. زهر البنفسج يا ربيع بلادنا.. ويا ميجانا الريح الشمالي عدى عجبيني.. الحمام المرتكي عالسيف، والليل الهني فارد علينا جناحو.. يا حاصور هذي السني.. برجم حمامك يا مليحة بالغزل.. برجم حمامك.. جاوبو زغلولنا يا ميجانا».

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية