“كعكتي المفضّلة” (My Favourite Cake) هو فيلم إيراني من إنتاج عام 2024، من إخراج مريم مقدّم وبهتاش صناعي، وبطولة ليلي فرهادبور في دور “ماهين”، وإسماعيل مهرابي في دور “فرامرز”. عُرض الفيلم ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان «كان» السينمائي، لكنه مُنع في إيران، وصودرت جوازات سفر صنّاعه، نظرا لتجاوزه ما تُعدّه السلطة “خطوطا حمراء” اجتماعية وأخلاقية. يحكي الفيلم، بأسلوب هادئ وواقعي، عن لقاء عابر بين أرملة في السبعين من عمرها وسائق سيارة أجرة مسنّ، يتحوّل إلى أمسية استثنائية، تُعيد فتح أبواب الرغبة والحميمية والحياة، في بلدٍ تُقابَل فيه المشاعر الخاصّة بالرقابة والتهديد. الفيلم لا يقدّم حبكة درامية متشابكة، بل يكتفي بتتبّع حركة صغيرة في حياة امرأة، ليكشف من خلالها طبقات من القمع والحرمان والأمل. ورغم الطابع الإنساني البسيط الذي يحكم الفيلم، فقد تعرّض “كعكتي المفضلة” للمنع في إيران، وواجه صناعه أحكاما بالسجن مع وقف التنفيذ، ومنعا من السفر، ومصادرة للمعدّات، وكل ذلك لأن البطلة ظهرت داخل منزلها من دون حجاب، واحتوت بعض المشاهد على نبيذ ورقص بين مسنين. إنّ تفاهة هذا المنع تكمن في أنّ ما يُعاقب عليه ليس خطابا سياسيّا صريحا، ولا هجوما على الدولة أو النظام – وحتّى لو كان كذلك فالمنع غير مُبرَّر-بل مجرّد مشهد لامرأة تعدّ كعكة وترغب في مرافقة رجل في عمرها. وهذا ما يفضح هشاشة المنطق الأخلاقي الذي تحتكم إليه الرقابة: إذ لا يتعلّق بمنع الفجور، بل بمحو إمكانيات الحياة الخاصّة، حتى حين تكون خافتة، مسنّة، ومؤجّلة. ما يرعب السلطة في هذا الفيلم ليس تحدّيه المباشر، بل هدوؤه، وكونه يُظهر أن البهجة قد تتسرّب حتى من بين طبقات الصمت، وأن الإنسان يظلّ راغبا في الحبّ، حتى في ظلّ القمع.
أطياف الاعتراف في الفيلم
الاعتراف، كما يعرّفه الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث، هو شرط أساسي لتكوين الهوية وتحقيق الذات، إذ لا يكتمل وعي الإنسان بنفسه إلا من خلال اعتراف الآخرين به، بوصفه كائنا ذا قيمة، على مستوى الحبّ، والحقّ، والتقدير الاجتماعي. واستخدامي هنا لكلمة “أطياف” للدلالة على مجموعة متنوّعة من الأبعاد، أو الأشكال، أو الدرجات التي تنتمي إلى نطاقٍ مفهوميّ واحد. ينطلق هذا التحليل من التصوّر الذي يطرحه أكسيل هونيث، بوصفه انتقالا من فلسفة الوعي إلى نظرية وجدان الاعتراف، أي إلى الفضاء الذي تُبنى فيه الذات من خلال علاقتها بالآخر، لا من خلال تأمّلها المجرّد. فالهوية الأخلاقية للفرد، حسب هونيث، لا تتشكّل في فراغ، بل تتبلور ضمن شبكة من العلاقات التقديرية التي تمدّه بالثقة بالنفس، والاحترام الذاتي، وتقدير الذات. وتُصنَّف هذه العلاقات إلى ثلاثة أنماط أساسية: الاعتراف الحميمي (liebe)، الاعتراف القانوني (recht)، والاعتراف الاجتماعي (solidarität) والتي يُعتبر فقدانها بمثابة تشويه أخلاقي للذات. هذه الأطياف من الاعتراف ليست مجرّد شروط نفسية، بل مُحدّد لإمكانيات الوجود الأخلاقي والاجتماعي للفرد، وتكشف، في حال غيابها ـ عن أشكال الإذلال البنيوي. وغياب هذه الأشكال يُنتج ذاتا هشّة، تشعر بالحرمان والتشيئ.
في الفيلم تتكشّف شخصية “ماهين” بوصفها ذاتا مُهمَّشة تعاني من تفكّك منظومة الاعتراف، فتعيش في عزلة عاطفية واجتماعية وقانونية، لا تُعبّر عنها بالكلمات، بل تتسرّب ملامحها في تفاصيل الحياة اليومية.
في الفيلم تتكشّف شخصية “ماهين” بوصفها ذاتا مُهمَّشة تعاني من تفكّك منظومة الاعتراف، فتعيش في عزلة عاطفية واجتماعية وقانونية، لا تُعبّر عنها بالكلمات، بل تتسرّب ملامحها في تفاصيل الحياة اليومية. الطيف الأوّل من غياب الاعتراف هو الطيف الحميمي، حيث تعيش “ماهين” أرملة منذ عقود، دون علاقة تُشعرها بأنها محبوبة لذاتها. أبناؤها خارج البلاد، وهي تحاول الوصول إليهم هاتفيا دون جدوى، وفي مشهد دالّ تُحاول أن تعرض لابنتها سجادة جديدة عبر مكالمة فيديو، لكن الخط ينقطع فجأة. هذا الغياب العاطفي يُعالج بالرتابة، ويتأقلم معه الجسد عبر الأرق والسهر ليلا، والنوم لساعات مُتأخّرة من النهار، وهو ما يجعل الرغبة في الحبّ لاحقا تبدو وكأنها محاولة لاستعادة اعتراف مسلوب منذ زمن طويل.
الطيف الثاني يتجلّى في المستوى الاجتماعي، حيث تُقابَل ماهين بالإزاحة الرمزية من دوائر التقدير العام. يتجلّى ذلك في مشهد دالّ تُنقذ فيه “ماهين” فتاة شابّة من قبضة شرطة الأخلاق، فتشكرها الفتاة، ويدور بينهما حوار تُباغتها خلاله الفتاة بجملة قاسية: “على الأقل كانت لديك حياة قبل الثورة، دون حجاب قسري. في عمرك هذا لم يعد الأمر يُؤثّر عليك حقّا”، بهذه العبارة الفجّة، تُفرغ الفتاة فعل “ماهين” من معناه التحرّري، وتُحيله إلى أثر باهت يصدر عن امرأة لم تعد تمتلك جمالا يحتاج إلى الحماية، أو حرية تستحقّ الدفاع عنها. وهكذا، لا تُستبعد “ماهين” من المجال العام فحسب، بل يُعاد تعريف جسدها ذاته كجسد لم يعد صالحا للجذب أو الاعتزاز أو الرغبة. يتعزّز هذا التهميش بصمت محيطها الاجتماعي: لا تلتقي بصديقاتها إلّا لقاء سنويا باهتا، ولا أحد يحيطها بلفتة أو اهتمام. تبدو كمن خرج من دائرة الانتماء، دون أن يُقال له ذلك صراحة. في هذا السياق، يتبدّد الاعتراف الجماعي بوصفه شرطا أساسيا لأن يُرى الإنسان ويُقدَّر عضوا فاعلا في جماعة لها معنى.
أما الطيف الثالث فهو الطيف القانوني، حيث لا تملك “ماهين” حماية تُخوّلها أن تكون فردا حرا ضمن نظام يعترف بها كمواطنة كاملة الحقوق. تُصرّح في أحد المشاهد أنها لا تريد مغادرة إيران، خشية أن يُصادر بيتها، ما يعني أنها لا تملك الضمانات القانونية التي تُشعرها بالاستقرار، بل تخضع لسلطة فوقها. وفي مشهد آخر، تُلمّح إلى أن زوج جارتها يعمل في الحكومة، وهو ما يُضفي على الجارة سلطة ضمنية تُذكّرها بموقعها الأدنى في سلّم الاعتراف القانوني. بهذا المعنى، لا يُقدّم الفيلم سردية عن امرأة تبحث عن الحبّ فحسب، بل عن امرأة تُصارع كي تُرى، وتُعامَل وتُحترم. ما يظهر من أطياف الاعتراف في الفيلم ليس مجرّد تقاطع بين الحب والحق، بل صورة متكاملة لذاتٍ مُقصاة تناضل من أجل استرداد إنسانيتها، قطعة قطعة. يُلفت الفيلم النظر إلى التقاء ذاتين متشابهتين في افتقارهما لأنماط الاعتراف الثلاثة التي يُحدّدها هونيث: ماهين، الأرملة السبعينية، التي يَغيب عنها الاعتراف الحميمي بعد فقدان الزوج، وبعد انقطاع الاتصال العاطفي مع أبنائها، والاعتراف الاجتماعي بعد تهميشها داخل المجتمع النسائي وغياب أي جماعة تُقدّر وجودها، والاعتراف القانوني في ظلّ بنية سلطوية تُهدّد حقها في الملكية والحرية؛ وفرامرز، سائق التاكسي الوحيد، الذي لا يبدو أنّ له عائلة أو أصدقاء، ولا حبيبة أو شريكة، ولا يحظى بأي اعتراف يتجاوز حدود العلاقة العمليّة مع مديره، الذي يتّصل به كموظف لا كإنسان.
حين تتلاقى ذاتان مُجرّدتان من الحبّ والحقّ والتقدير – لا يُنتج لحظة تكامل تقليدية، بل مساحة هشّة من المشاركة المؤقّتة، فيها قدر من الطمأنينة والرغبة والانكشاف، ورغم أن هذا اللقاء يبدو عفويا في بدايته، إذ تلحظ ماهين فرامرز في مطعم المتقاعدين مصادفة، فإنّ استمراريته لا تتحقّق إلا بفضل إصرار ماهين على السعي خلف الاعتراف، من خلال البحث عن فرامرز، والطلب منه صراحة أن يزورها في بيتها. في هذا الإلحاح الرقيق، لا تظهر ماهين كامرأة عاشقة فحسب، بل كذات تُقاوم الإقصاء وتطالب بالاعتراف ـ لا كحقّ رمزي، بل كحضور مُعاش، وكعلاقة تُعيد ترتيب الشعور بالجدارة في أواخر العمر.
قوّة النهايات غير المُطمئنة تكمن في قدرتها على تجاوز وظيفة الإرضاء اللحظي، نحو ما يمكن تسميته بالأثر المُمتدّ، الذي يُوقظ في المُشاهد وجدانا يقظا وقلقا.
عن فجيعة المَزاوِل
يشير مفهوم “نهاية الفيلم السعيدة” (Happy Ending Movie) إلى النمط السينمائي، الذي تُختتم فيه الأحداث بنهاية إيجابية تُعطي شعورا بالرضا والطمأنينة للمُشاهد، حيث تُحلّ العقد، وتنتصر القيم الإيجابية مثل الحبّ، والخير، والعدالة. لا تقتصر وظيفة هذه النهايات على إرضاء الذائقة الجماهيرية فحسب، بل تؤدّي دورا نفسيا وثقافيا في تثبيت صورة متفائلة عن العالم، يُمكن من خلالها تخيّل حياة ممكنة يتغلّب فيها الأفراد على الصعاب. ومع ذلك، يُنظر إلى هذا النوع من النهايات من قِبل بعض التيارات النقدية بوصفه تسطيحا للواقع، أو تهرّبا من تعقيداته، إذ يُعيد إنتاج سرديّات مُطمئِنة على حساب التوترات البنيوية التي يُفترض أن تُواجه لا أن تُخفّف. لذا، فإنّ الـHappy Ending ليست مجرّد تقنية سردية، بل خيار أيديولوجي يُحدّد العلاقة بين السينما والواقع، وبين المُتخيَّل والفعلي.
من هنا، فإنّ قوّة النهايات غير المُطمئنة تكمن في قدرتها على تجاوز وظيفة الإرضاء اللحظي، نحو ما يمكن تسميته بالأثر المُمتدّ، الذي يُوقظ في المُشاهد وجدانا يقظا وقلقا. فبينما تُغلِق النهاية السعيدة الدائرة وتُنهي التوتّر، تُبقي النهاية الصعبة الدائرة مفتوحة، وتمنح المُشاهد فرصة للتفكير لا في مصير الشخصيات فحسب، بل في مصيره هو أيضا، ضمن منظومة الواقع الذي يشترك معها فيه. هذا النوع من النهايات يُعيد للسينما بعدها الأخلاقي والمعرفي، ويحوّلها من وسيلة ترفيه إلى أداة لإنتاج الأسئلة لا الأجوبة، ولتعقيد الفهم لا تبسيطه. ولذلك، فإنّ اختيار نهاية غير نمطية لا يُعدّ انحرافا عن القاعدة، بل يُمكن اعتباره تزامنا مع الواقع واعترافا بفوضاه، وهو ما يمنح الفيلم قيمة فنيّة وأخلاقية أعمق.
في سردٍ بطيء الإيقاع، تُشبه حركته خبيز الكعكة، التي تحتاج إلى صبر وحرارة متدرجة حتى تنضج، تتطوّر العلاقة بين ماهين وفارامارز بتؤدةٍ حنونة، كأنّ الزمن نفسه قد قرّر التخفّف من قسوته ليمنحهما لحظة استراحة. شخصيتان مُقصاتان عن المركز الاجتماعي، تحيدان عن الهامش، بل بما يمكن تسميته ـ استنادا إلى هونيث ـ بالاعتراف المُؤجّل، ذاك الذي حُرِما منه طويلا، واستعاداه الآن بفضل مبادرة جسورة من امرأة تُطالب بحقّها في أن تُرى وتُحَبّ.
في بيت ماهين، يأكلان، يشربان النبيذ، يرقصان، ويتبادلان أطراف الحديث عن الماضي، والحياة، وزراعة الحدائق، كما لو أنّ العالم قد قرّر أن يُعوضهما عن كلّ ما سُلِب منهما. كلّ شيء يبدو جميلا، رقيقا، ومُشبَعا باعتراف متبادل يُعيد لهما الإحساس بوجودهما ككائنين عاشقين لا كأجساد مُسنّة عابرة. ولكنّ الفجيعة، بكلّ ثقل الكلمة، تنتظرهما على عتبة هذا الاعتراف.
تنادي ماهين على فارامارز فلا يجيب. تذهب إلى الغرفة بعد أن تزيّنت، رشّت العطر، وتهيّأت للوصال المتجدّد. لكنّها تجد حبيبها مسجّى على السرير، في وضعية استرخاء خادعة. تهمّ بإيقاظه، تكلّمه، تُربّت عليه، قبل أن تكتشف ـ فجأة ـ أن لا روح فيه. إنّه الموت، لا بوصفه نهاية فقط، بل كقاطع سرديّ، كصدمة تُقصي الذات من وهم الاستقرار، وتُعيد الاعتراف الذي حصلت عليه إلى مربّع الغياب. هي لحظة تُقاطع فيها الحياة فعل الشفاء، وتترك سؤال الاعتراف معلّقا، كما لو أنّه لا يتحقّق إلا على حافة الفقد. في هذه اللحظة من الفيلم لم أستطع أن أمنع كلمات قصيدة الشاعر الفلسطيني طه محمّد علي من أن تتفلّت منّي عُنوة:
فمن خلال شتاءٍ صحراويّ ممتع
يملأ القلب بالحرير والبراعم
أستطيع أن أرى لوعة الطير
وشوق الأنهر
أستطيع أن ألمح أسراب الفراغ
المُجوّف كالسراديب
أستطيع أن أشهد فجيعة المزاوِل
وهي تتراجع
كسُفنٍ أضاعت الموانئ
كجيوشٍ فقدت الماء والقادة
كاتب فلسطيني