محطات مضيئة في ظلمات العراق

حجم الخط
0

لقد وصلت نسبة الفساد في العراق الى درجات مرعبة في جميع الحقول الحياتية ودخلت البلد في متاهات حروب مريرة وطويلة اعادتها القهقرى الى ما قبل المدنية الحديثة. عاد العراق الى عصر الجاهلية الاولى لتترعرع وتسود في اكنافه البداوة والعشائرية والمذهبية والعرقية دون الحديث عن الفساد الاخلاقي والمتاجرة بالدين. هذا العراق الذي قلب الدنيا من مفاجآته غير السارة منذ ايلول عام 1980 حتى الآن حيث الحروب المتواصلة في زمن النظام السابق مرورا بالحصار الظالم ثم المصيبة الكبرى في احتلاله من قبل امريكا ومناصريها العراقيين الذين جاؤوا تحت ظلال سيوفها. ارست الدولة المحتلة وشخوصها ديمقراطية الفوضى والتزوير وسرقة المليارات واخلاق الكذب والدجل والانانية اضافة الى تمزيق الوشائج الاجتماعية التي كانت راسخة قبل الاحتلال. حتى وصلنا الى الطامة الكبرى عندما اندلعت الحرب الطائفية. فلا يخرج العراق من فصل حتى يدخله ساسته الجدد في فصول اكثر عنفا. لا اريد ان استطرد الكثير لان محن العراق لا تعد ولا تحصى حتى بدأ الكثير من العراقيين يعتقدون حقا وحقيقة بان هذا البلد يعيش في عصر الظلمات.
لكن وكما يقول الحكماء لو خليت قلبت واهل الخير متواجدون يعملون دون كلل او ملل لا يذكرهم احد ويحتسبون عملهم عند الله تعالى ويعملون لاجل مرضاته. نعم ان التجارب الانسانية علمتنا بان لكل نمروذ ابراهيم ولكل فرعون موسى ولكل ظالم ومشرك محمد. ان فرض معادلات الاحتلال واولوياته هي التي عملقت السائرين في دربه وقزمت المناوئين له وعلى الرغم من ان مساحة عبيد الاموال والسلطة والجاه في تزايد لكن هذا لا يعني بان العراق انتهى ويعيش في ظلام دامس. هناك محطات مضيئة نراها في كثير من القطاعات خصوصا لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة بل هناك قسم من الاغنياء لا يزالون في الحلال ويرفضون الحرام رغم المغريات. من الواجب علينا ان نشجع أؤلئك الذين لا صوت لهم ويعملون وفق الفطرة التي فطرها الله لعباده في الصدق والامانة والنزاهة والاخلاص في العمل ولا يبتغون بذلك جزاء ولا شكورا.
بعد هذا السفر الطويل من المعارضة الذي زادت من اربعين سنة وكانت مليئة بالانتقادات ومحاولات الاصلاح لنظام البعث ونظام اذناب الاحتلال الامريكي. وجدت بانه من الانصاف ايضا الالتفات الى التجارب الناجحة والمحطات المضيئة التي تتواجد بهذا القدر او ذاك في معظم مفاصل الحياة العراقية ولنبدأ بأهم حقل وهو التعليم فلقد انتشرت الجامعات الخاصة في العراق منذ الاحتلال انتشار النار في الهشيم وخصوصا في المدن الكبرى.
لقد عانى التعليم منذ عام 1980 نكسات مدمرة خصوصا اثر الاحتلال الامريكي والنهج الطائفي الذي سار عليه قادة عراق الاحتلال فتم تغيير المناهج الدراسية بصورة اعتباطية وغير ممنهجة من قبل الوزارات المسؤولة وانتشرت الرشوة والفساد فالشهادات تشترى وتباع وفق المعارف والاحباب والمال. في حين تهمل كفاءات كثيرة لان الفاسدين يرفضونهم لاعتقادهم بانهم يشكلون خطرا على سلوكهم المشين. فعلى سبيل المثال قدمت انا شخصيا طلب معادلة شهادة الدكتوراه التي حصلت عليها عام 1984 من احد الجامعات الفرنسية المشهورة الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية منذ حوالي سنتين. لكنني ادركت فيما بعد بان تعادلها يصطدم بمعوقات اهمها: لست من الدائرين في فلك السلطة فلا فائدة سياسية منها، لم اكلف متنفذا من السلطة ليكون شفيعا لي. ولم ادفع رشوة تسهل تعادلها. فالشهادة اذن في نظرهم لا قيمة لها ولا يرتجى منها اي فائدة تذكر.
أما المحطة المضيئة التي بدأت رحلتنا منها هي كلية مدينة العلم الجامعة في الكاظمية التابعة لمدرسة الخالصي ورئيس هيئتها التدريسية الشيخ جواد شقيق الشيخ مهدي الخالصي. من الجدير ذكره بان لهذه العائلة تاريخا عريقا في النضال والكفاح والجهاد ضد الاحتلال البريطاني اول الامر وان نسينا لا يمكن لعراقي ان ينسى بان احد القادة العظام لثورة العشرين التحررية في حزيران 1920 ضد الانتداب البريطاني للعراق الشيخ الخالصي الكبير والذي دفع ثمنا غاليا من قبل سلطة الاحتلال بعد فشل الثورة. استمرت مدرسة الخالصي لتكون رائدة الوحدة الاسلامية في العراق بين الشيعة والسنة وهي المدرسة الفقهية الوحيدة التي خطت خطوات عملية وشجاعة لتحقيق هذا الهدف رغم التيار الشيعي الواسع المعارض لمثل هذا التقارب.
خلف الخالصي الكبير ساروا على نهج سلفهم في مقارعة الاجانب المستعمرين. فقبيل الاحتلال الامريكي الغاشم للعراق وقف الاخوان الشيخان جواد ومهدي ضد مقدمات الغزو فعارضا منذ البداية مؤتمر لندن وواشنطن وقبلها اربيل والتحقا بعد الغزو الامريكي بالمقاومة للاحتلال اللاشرعي للوطن وقد دفعا كما دفع الكثير من المخلصين ثمنا باهظا. فالاحتلال شأنه شأن المستعمرين الآخرين شرع من اول الامر تسليم السلطة والمال والجاه للسائرين في دربه وممن ينفذون مخططاته التجزيئية التفتيتية الطائفية العرقية التي تهدف بالنهاية الى تقسيم العراق ويحارب بكل قسوة من يدعو لوحدة ارض العراق ومن يتمسك بهويته العربية.
يقول رئيس الهيئة الشيخ جواد بان المدرسة تأسست منذ عام 1911 وتحتوي الكلية الحامعة اليوم على سبعة اقسام قسم هندسة تكنولوجيا الحاسوب قسم هندسة البرامجيات قسم الهندسة المدنية قسم الفيزياء الطبية قسم علوم الحياة قسم القانون وقسم المحاسبة. يدرس فيها عراقيون من كل المذاهب والاديان واخبرني الشيخ علي بان عدد طلابها لهذا العام قد تجاوز الاربعة آلاف طالب وطالبة. للكلية نشاطات على النطاق المحلي وتتعاون مع بلدية الكاظمية فيما يتعلق بالجوانب البيئية. كذلك فهي تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية وبالتالي فمعترف بشهادات الخريجين من اقسامها ولها سمعة جيدة في الاوساط العلمية وتتواصل مع جامعات اخرى في مجال تخصصاتها.
تلك واحدة من المحطات المضيئة التي قد تبعث الامل بالمستقبل وهناك محطات اخرى كثيرة ابطالها يعملون بصمت ولا يريدون سمعة او شهرة. الكثير من هذه النماذج الصالحة ممن يعمل عملا يوميا ولا يملك سوى قوت يومه. جلهم من القطاعات الخدمية والفنية من طبقات سواق سيارات الاجرة واصحاب المطاعم وبائعي الخضراوات والفواكه وعمال البناء وموظفي القطاع العام والخاص ومنتسبي الشرطة والجيش بل حتى بعض الاطباء والمهندسين. نعم هناك كثير من العراقيين المجهولين يتمثلون بصمودهم وتحديهم الفساد والافساد والرشوة والمحسوبية والمنسوبية قول النبي موسى في القرآن الكريم (قال رب بما انعمت علي فلن اكون ظهيرا للمجرمين). لاجل هؤلاء قد يؤجل الله العقوبة الدنيوية على عموم العراقيين لان بعضهم نذر نفسه وتفانى لخدمة وتمشية حوائج الناس الفقراء والبسطاء والمساكين.

٭ كاتب عراقي

د. نصيف الجبوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية