مجلة «أتلانتيك» الأمريكية لا تنطق عن هوى حين يلوح أنّ ما تميط اللثام عنه من أسرار البيت الأبيض، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، يتجاوز تسريبات الهمس هنا أو اللمز هناك؛ ويشكّل، استطراداً، ما يرقى إلى مستوى إفصاح الإدارة الحاكمة، وربما الرئيس شخصياً في المقام الأوّل، عن خلاصات تضيق عن تجسيدها العبارة الدبلوماسية، أو يقيّدها حرج الإفصاح العلني. وتلك حال تخصّ حلفاء الولايات المتحدة عموماً، ولكنها كانت الأخصّ ــ على الدوام، في الواقع ــ حين يتصل الأمر بدولة الاحتلال الإسرائيلي.
آخر ما حُرّر في هذا السيناريو كان التقرير الذي نشرته «أتلانتيك» مؤخراً، بعنوان تشويقي صارخ يقول: «لماذا انفصل ترامب عن بيبي حول مجاعة غزّة»؛ وأمّا في فقرات لاحقة، فإنّ التقرير يؤكد، استناداً إلى اثنين من كبار موظفي الإدارة، أنّ «ترامب بات مقتنعاً بما اعتقده الكثيرون في واشنطن طوال أشهر: أنّ نتنياهو يتطلع إلى إطالة النزاع في غزّة، في تحدّ مفتوح لرغبة ترامب في إنهاء الحرب. والرئيس وبعض مساعديه يعتقدون أن أغراض إسرائيل العسكرية في غزّة تمّ تحقيقها منذ زمن طويل، وأنّ نتنياهو واصل هجوم إسرائيل، الذي أودى بحياة آلاف المدنيين، للحفاظ على سلطته السياسية. كذلك يعتقد البيت الأبيض أنّ نتنياهو يتخذ خطوات تتدخل في إمكانية التوصل إلى صفقة وقف إطلاق النار».
ليست هذه التسريبات بصدد قناعات ترامب، ومثلها الخلاصات التي توصل إليها مساعدوه على اختلاف درجاتهم ومسؤولياتهم، أقلّ من مسعى مكشوف لذرّ الرماد في العيون، على نحو لعله الأكثر ركاكة وهزالاً واتكاء على تقاليد المَسْرَحة الميلودرامية. وهذا لاعتبار أوّل بسيط، ظاهر لكلّ ذي بصر وبصيرة، هو أنّ نوايا نتنياهو في إطالة الحرب (أي: الإبادة الجماعية، وجرائم حرب التدمير وقصف المشافي ومخيمات اللجوء والتجويع والتشريد والحصار ومنع إدخال المساعدات الإنسانية…) كانت واضحة صريحة؛ ليس في ناظر الضحايا والرأي العام العالمي وهيئات القانون الدولي فحسب، بل لدى شرائح واسعة في داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته.
كذلك فإنّ توقيت نشر التقرير، وتحرير «أتلانتيك» ليس البتة بريئاً منه كما هي العادة في كلّ تسريب دراماتيكي، لاح متوافقاً كما انطباق الحافر على الحافر مع طراز آخر من المَسْرَحة، تمثّل في زيارة المبعوث الرئاسي ستيف وتكوف إلى أحد مراكز توزيع الأغذية، التابع لـ«مؤسسة غزّة الإنسانية» الإسرائيلية ـ الأمريكية في القطاع. كأنّ التسريبات تتوجه إلى ما يمكن أن يكون قد تبقى من سُذّج حمقى عن سابق إرادة، لتقول التالي: أنظروا إلى الدليل القاطع بأنّ ترامب على خلاف مع بيبي!
ليس غير مرجح، في المقابل، أن يكون الرئيس الأمريكي غير راضٍ كلّ الرضا عن سياسات نتنياهو، على غرار سخط الراعي إزاء شطط هنا وهناك يصدر عن ربيبه؛ خاصة حين تكون عين الأوّل على مطمع دسم يمكن أن يُشبع الكثير من مقتضيات نرجسيته المتورمة (مثل جائزة نوبل للسلام)؛ وتبدأ محرّكات سلوك الثاني من عقائد عنصرية وفاشية ولا تنتهي عند كوابيس محاكمة الفساد وخسران السلطة. ولا عجب أنّ تقرير «أتلانتيك» يبدأ من سرد الرشاوى المتبادلة بين نتنياهو (في ترشيح الرئيس الأمريكي للجائزة)، وترامب (في توبيخ القضاء الإسرائيلي لأنه يحاكم «البطل» الإسرائيلي).
غير أنّ فقدان بعض الرضا عند ترامب تجاه نتنياهو بسبب مشاهد تجويع الأطفال في القطاع، أو «عتب» البيت الأبيض لأنّ نتنياهو قصف مواقع سيادية في العاصمة السورية من دون استئذان الرئيس، أو لأنّ القاذفات الإسرائيلية استهدفت الكنيسة الكاثوليكة الوحيدة في القطاع… كلّ هذا، وسواه، ليس له من مفعول إجرائي عملي يتجاوز مسرح الميلودراما، في أحد أكثر إخراجاته ركاكة. وهذا ما أدركته العقول من دون عناء، وتواصل إدراكه عند كلّ عرض مسرحي مماثل.