توجد قاعدة مهمة في إنجاح التواصل بين المتكلم والسامع هي أثر الرسوّ Achring effect وتعني أنّ البشر يحتاجون في إصدار حكم، أو في اتخاذ قرار إلى أن يقعوا تحت تأثير نقطة مرجعية، أو معلومة أولى يتلقّونها بصرف النظر عمّا إذا كانت تلك المعلومة مهمّة أو غير ذات فائدة في ذاتها. فحين تقصد محلّا لبيع الألبسة الجاهزة مثلا، وتريد أن تقتني قميصا وتكون خالي الذهن تماما من معطيات الجودة والماركات، فإنّ التاجر الفطن سيناولك قميصا باهظ الثمن، ويعدّد لك محاسنه فحتى إن لم تكن لديك الأموال الكافية لشرائه، فإنّ ذلك القميص بمواصفاته وبسعره، يمثل المِرساةَ أي الأثر المرجعي لقرارك اللاحق: شراء قميص يناسب مبلغ المال الذي في حوزتك.
في الكلام البشري أيضا، لا بدّ لكي ينجح حديث بينك وبين مخاطبك الذي لا تعرفه، أن يبدأ بشيء مشترك تعرفانه معا ثمّ يتوسّع الكلام، أو يضيق بالنسبة إليه. فأحاديث الطقس المتبادلة بين أناس غرباء في القطار، تجعل الطقس وسحبه أو أمطاره أو صحوه وحره، مرساة يُبنى عليها الحديث وقد ينتقل إلى أشياء أخرى تبنى بدورها على معارف أساسية مشتركة بينك وبين من تحدّثه.
حين أقول لك مثلا: «رجل يجلس في شرفة في مدينة بعيدة يراقب زوجا من أرانب ترعى في حديقة، وسنجابا يقطع الطريق يريد أن يتسلق الشجرة»، فهذا كلام مراسيه ضعيفة، لأنّ الإخبار فيه كان على كيانات نكرات وأماكن غير معلومة. لكنّي لو قلت مستأنفا الكلام السابق بإضافة عناصر تمثّل أسسا إدراكية، لها مرجعيّات لديك يمكن أن ينطلق منها الحديث، فإني سأحكي شيئا يجد فيه السامع مرساة مهمّة تجعل عملية الإخبار مؤسسة على ما يعرفه ومنفتحة على ما لا يعرفه، لكي يصبح عارفا به. أقول مثلا وأنا أصف المشهد السابق: «أجلس في شرفة غرفتي في مدينة منشن في ألمانيا، وأراقب زوجا من الأرانب، التي تعيش في حديقة تسمّى «حديقة الصنوبر» تقع في جوار العمارة التي أقطنها. يقطع الطريق الذي يقع أمام شرفتي سنجابٌ، طالبا الشجرة التي علق فيها قفص اعتقد أنّه يتخذه مسكنا».
النقطة المرجعية الأساسية في هذا الكلام هو معرفة المخاطب بهوية محدّثه، أنا المتكلم سواء أكنت أنا التاريخي، أو الفنيّ السارد؛ وتعتبر الأماكن المعلومة (ألمانيا، منشن) والأماكن التي تتحدّد بالنسبة إليها عناصر أساسية ومرجعيات تمثل المراسي العرفانية، التي ينبني عليها الكلام. يتأسس الكلام على هذه المراسي، التي نشترك في معرفتها، لكي يحيط بالمعلومات الجديدة التي أقدّمها له: القفص الذي يقيم فيه السنجاب والأرانب وحديقة الصنوبر، وغيرها من العناصر التي تبنى على معرفة تأسيسية، ويمضي الكلام قولا وإدراكا مجدّفا من أجل الوصول إلى يمّ الكلام الأوسع. من العناصر التي تصنع الألفة، أو الغموض في الأدب هو مراعاة هذه المراسي العرفانية في الكتابة، ويمكن القول إنّ الأدب العربي القديم في شعره ونثره كان يراعي بشكل فيه حرص شديد على تأسيس هذه المراسي المعرفية، وبالتالي كان الكلام يسير سيرا في بحر تنيره بعض هذه الفوانيس التي يتركها على الشاطئ، تكون له كالمنارة تهديه إن عاد إليها بعد تجديفه.
يقدّم لك الأديب ما تعرفه أو ما هو في حكم المعروف، ثمّ بعد ذلك يتركك تبني معارفك الجديدة على تلك المراسي من المعلومات القديمة. يقول امرؤ القيس في وقفته الطللية المعروفة: (قفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ/ بسقْطِ اللِّوَى بين الدَّخُول فحَوْمَلِ) في كلامه هذا بعض المراسي العرفانية مثل، مخاطبة معروفيْن (بالنسبة إليه) على الرغم من أنّك لا تعرف هويّة المخاطبين، فإنّك تعتمدهما، وهذه مرساة أساسية لأنّك تعلم بالعادة أنّ أيّ متكلم لا يمكن أن يأمر إلاّ من كان في حيّز إدراكه، وأنّ أمره يمكن أن يستجاب، وفي ذلك ضرب من الألفة بين المخاطِب والمخاطبيْن تنتقل عدواها إليك أنت القارئ الغريب.
المرساة العرفانية الثانية هي شخص» الحبيب»، والألفة التي خلقها الرسوّ العرفاني إدراكيا هي التي تجعلك تؤنّثها، وأنت تفكّ الشيفرة هو يقول حبيب، وأنت تترجمها إلى حبيبة، وتقرب أكثر إلى الإرساء ولكنّك تستعدّ أكثر فأكثر إلى التجديف مع الشاعر في بحر النصّ. والمرساة العرفانية الثالثة هي أسماء الأماكن التاريخية. صحيح أنّك لا تعرف الأماكن باسمها لكنّك ستصدّق مثلا وأنت تقرأ شرحا في الهامش من أنّها أسماء أمكنة أنّ الكلام وقع فعلا، فتشتدّ مرساتك إلى التاريخ أي إلى الزمان بوهم واقعية المكان.
ينبغي أن نميّز هنا بين رسوّ عرفاني يهمّ المخاطبَيْن داخل النصّ (وسوف نقصيه من اهتمامنا عمدا) والمخاطب خارج النصّ، وهو القارئ. يبدأ إرساء القارئ أو المخاطَب الخارجي تدريجيا بضرب من العَقْد الذي بمقتضاه يُسلّم أنّ الحديث الداخلي الذي يدور بين الشاعر ومخاطَبَيْه هو حديث بين معارف، وليس بين نكرات، وعلى هذه المعرفة يبني ألفته بالأشخاص، حتى إن كان لا يعرفهم. لكنّ الإرساء العرفاني الحقيقي للقارئ، تصنعه عبارة (بين) المبهمة المضافة التي تربط بين مكانين واقعيين (الدخول/ حومل) وكأنّ الحدث والأشخاص والوقوف والحبيبة مستقرّة جميعا عليها، والحقّ أنّها توسّط لا محدود بين محدودين، لكنّك وأنت القارئ ستضع مرساتك على هذا البين بين، فقط لتعلن إقلاعك من جديد. كلّما كانت ثقتك بأنّ هناك معطى أمتن في التاريخ وفي الجغرافيا، وفي الكون أنشدّتك معرفتك إليه وكان رسوّك عليه معرفيّا أمتن.
حين تكون قارئا مطّلعا على ما قيل في بنية القصيدة القديمة، من أنّ الوقوف على الأطلال سنّة شعرية فإنّ هذا المعطى النقدي يمثل رسوّا يقرأ من خلاله البيت الشعري السابق لذلك نسعى دائما إلى البحث عن المعلومة التي حولها نبني تلقينا للكلام. في قول بدر شاكر السيّاب في قصيدة تمّوز جيكور (ناب الخنزير يشقّ يدي/ ويغوص لظاه إلى كبدي/ ودمي يتدفق ينساب/ لم يغد شقائق أو قمحا/ لكن ملحا) لا تكمن المرساة العرفانية في متن النصّ تماما، بل في أسطورة عشتار وأدونيس، وكيف نبهته من فتك الحيوانات غير أنّه لم يتنبّه وصارع الخنزير الوحشي حتى صرعة وغرز فيه نابه. ستظلّ قراءتك ناقصة إن لم يكن تأسيسها على هذه المرساة الأساسية، لأنّها هي التي توجّه قراءة بقية العناصر، وإن لم يحدث ذلك تظلّ القراءة تجديفا في النصّ، دون فائدة وتيها في المعاني بلا بوصلة وغموضا لا ينفكّ.
كثير من الشروح القريبة، أو البعيدة للنصوص القديمة، أو النصوص الحديثة تختلف من جهة الإرساء العرفاني على معنى يمكن أن يكون مثمرا وقد يكون مضللا. وما تزال إلى أيامنا تقودنا تلك المراسي، ولم تغيرها أو لم نعد إرساءها على النحو الذي يناسبنا. وأترك للقارئ أن يكتشف لوحده ما قيل في شرح بيت المتنبي وهو يصف أسدا في لاميته (قصرتْ مخافتُه الخُطى فكأنما// ركب الكَمىُّ جوادَه مشكولا) وما يمكن أن يكون فيها من المراسي المضلّلة أو الهادية.
أستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسيّة