الطاهر وطار: المتمرّد الذي لم تُهزمه السلطة ولا النسيان

محمد فتيلينه
حجم الخط
2

في مثل هذه الأيام من سنة 2010، رحل الأديب الطاهر وطار، الذي لم يكن مجرد كاتب يملأ الصحف بالروايات والآراء، بل كان صوتا مختلفا في زمن الخضوع، ومثقفا متمردا في بلد تتقاذفه الأمواج السياسية والايديولوجية. رحل وطار، بعد عمرٍ طويل من الكتابة والتمرد، من النقد والإبداع، ومن المرض والتهميش، لكنه بقي حاضرا بقوة لمن يريد أن يتذكر أن الجزائر لم تكن فقط قصص السياسات السلطوية، ولا سرديات الفرنكفونيين، ولا قصائد المديح.

من زاوية مهملة إلى حلم إبداعي

ولد الطاهر وطار سنة 1936 في سوق أهراس شرق الجزائر، في بيت فقير لا يعرف الرفاه، لكنه يعرف القلب الورع واللسان العربي والأمازيغي. نشأ في كنف أسرة محافظة، وسط بيئة يغلب عليها الطابع الديني. كان أبوه رجلا ملتزما، زرع في طفله حب القرآن، واللغة العربية، والمسجد. لم تكن الفرنسية تعنيه، في زمن الاستعمار ولم تكن الحداثة الزاحفة على البلدان المتخلفة تغريه. في سنّ مبكرة، عشق الطاهر الحرف العربي وكأنّه انصهر به. كان هناك سرٌ غريب بينه وبين تلك اللغة، التي صارت لاحقا قضيته المركزية. انتقل للدراسة في جامع الزيتونة في تونس، حيث تنفّس هواء الفكر الإسلامي والعربي معا، وتكوّن بين حلقات لم تفرّق بين الكتاب والتراب، فصار وطار تلميذا للعربية بالمعنى الواسع: الدين، اللغة، التراث، الهوية.
بعد فترة لم تطل، خرج من الزيتونة وفي فمه حرقة، ليس من جوع ولا من هزيمة، بل من شعور غريب بأن العربية في بلاده تُدفن، وهي على قيد الحياة. أحب اللغة كأنها معشوقة راحلة، حملها في رواياته وفي مقالاته، بل حتى في معاركه. لم يكن وطار يكتب فقط، بل كان يقاتل من أجل اللغة. كانت كل جملة عنده احتجاجا، وكل فقرة خندقا يجابه به القهر و النسيان ولعل هذا الولع بالتراث العربي القديم، هو ما جعله مختلفا، صعب الترويض، غير قابل للتذويب في بوتقة «الحداثة الفرنسية» التي اجتاحت نخب الجزائر بعد الاستقلال واستمرت لعشريات كاملة. لم يكن وطار مجرد حالم غارقٕ في الكتب فحسب، بل كان مناضلا صريحا في فترة حرجة من مقاومة الجزائريين لفرنسا. فحين اشتعلت الثورة الجزائرية عام 1954، لم يبق في الصفوف الخلفية، بل انخرط في الجبهة وحمل السلاح، وكتب المنشورات، وحرّر الكلمة، ووقف في وجه الاستعمار بجسد اللغة وبندقية الرفض. لم يكن مثقفا يجلس في الظل ويكتب ما يعجبه، بل نزل إلى الميدان، وهناك عرف المعنى الحقيقي للمقاومة. قاتل وطار من أجل استقلال الجزائر، لكن حين تحقق الحلم عام 1962، اكتشف أن المعركة الحقيقية بدأت.

نضال ما بعد الاستقلال… رياح الاشتراكية

بعد الاستقلال لم يلهث وطار وراء منصب، أو جاه مثلما فعل غيره، لكنها واصل نضاله لتحقيق ما يؤمن به. أصبح الهمّ الأساسي عنده هو بناء جزائر عادلة، جزائر تُنصف الفقراء، وتعيد توزيع الثروة، وتُحارب الطبقية. تأثر بالفكر الاشتراكي، وانحاز للماركسية، لكن على طريقته دون أن ينسلخ عن جذوره العربية والإسلامية. لم يكن ماركسيا منبهِرا بستالين، أو منغمسا في المادية، بل كان اشتراكيا يقرأ ابن خلدون، ويستشهد بالقرآن في ندواته، ولا تمر مناسبة دون أن يذكّر مريديه، أن المتنبي أباه الروحي شاعرا ومتمردا. دافع عن الفلاحين، عن العمّال، عن المهمشين. وكان يكتب الرواية كمن يكتب شهادة ضد الظلم. أعماله مثل «اللاز»، «الشهداء يعودون هذا الأسبوع»، «عرس بغل» لم تكن سردا فنيا فقط، بل محاكمات أخلاقية وسياسية لنظام لم يحقق وعوده، بل نهج تصفية الحسابات الضيقة.
التيار الفرنكفوني… العدو القديم الجديد
من الطبيعي أن يتصادم أديب كالطاهر وطار مع التيار الفرنكفوني المتطرّف في الجزائر، الذي اعتبره وطار امتدادا للاستعمار الثقافي، إذ كان يرى أن هناك نخبا تزيّنت بالفرنسية، لتُخفي عار الخضوع، وهاجمها دون تردّد. قال مرة: «أنا لا أكتب بلغة العدو». ولم يكن يقصد الفرنسية كلغةٍ فحسب، بل بوصفها مشروعا ثقافيا وهيمنة رمزية، بل وصل به الأمر إلى تجريم بعض المثقفين (مثل الطاهر جاووت في تسجيل مصور) بأنهم أداة لفرنسا الكولونيالية وامتداد لها، وينفذون أجندتها. بدورهم الفرنكفونيون لم يرحموه، ووصفوه بالرجعي المتخلّف، والديني المتطرف، لكنه لم يكترث. كتب في مواجهة الأكاديمية الاستعمارية، وفضح سياسات «التمزيغ القسري»، وانتقد نخب باريس التي كانت تريد جزائر بلا ذاكرة.

النقد… طريق الغربة

في خضمّ هذه المعارك، لم يكن غريبا أن يصنع وطار أعداءه بنفسه. نقد الجميع تقريبا: السلطة، اليسار، المثقفين، الصحافة، المؤسسة الدينية، الإسلاميين، وحتى نفسه أحيانا. هذه النزعة النقدية كانت سلاحا ذا حدين، جعلته مستقلا عن الجميع، لكنها جعلته أيضا بلا أصدقاء أو مناصرين. في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، بدأ النظام يضيّق عليه، رُفضت كتبه في المعارض وأُغلقت أمامه المنابر، كما أُقصي من بعض الهيئات، لكنه ظل واقفا. لم يكن وطار يطلب رضا أحد. كان يقول: «أكتب لأنني أحب الحقيقة، لا لأنني أريد الجوائز». دفع الثمن وتمت إحالته على التقاعد وهو في أوجّ عطائه.

انفتاحه على الإسلاميين… ورفضه لانقلاب 1992

جاءت سنوات التسعينيات، تلك الحقبة الدموية في الجزائر، وبعد معركة سياسية حامية بين التيارات السياسية في البلاد، فاز الإسلاميون بالانتخابات ثم انقلب عليهم الجيش، ودخلت البلاد في دوامة من العنف والتقتيل، وصفها البعض بالحرب الأهلية. في تلك الفترة، انقسم كثير من المثقفين: بعضهم برّر الانقلاب باسم «العلمانية» والدولة المدنية، وبعضهم أيّد العنف باسم «الدين» كرد فعل إلا أن وطار، الذي اختار طريقا ثالثا، كما هي عادة الثوريين المتمردين. وقف بشجاعة ضد من أوقفوا المسار الانتخابي، ورغم أنه لم يكن إسلاميا إلا أنه كتب: «الديمقراطية لا تُعطَّل لأن الناس اختاروا ما لا يُعجبكم». كما فتح أبواب الجمعية الثقافية الجاحظية، التي أسسها بنفسه، أمام الإسلاميين، ونظم فيها ندوات كان فيها صوت الإسلاميين يُسمع إلى جانب أصوات العلمانيين. لم يكن طائفيا ولا انتقائيا، بل مؤمنا بأن الجزائر تسع الجميع.

العزلة والمرض ورفض الحاشية

سنوات ما بعد الأزمة كانت صعبة عليه. رفض الانضمام لحاشية السلطة. لم يمدّ يده للمناصب، ولم يذهب للمجالس التي تُقام على موائد النفط، وحين حاولوا تلميع صورته أدار وجهه عنهم. عاش متقشفا في بيته، بين الكتب، يصارع التهميش والمرض. عانى طويلا من السرطان، لكنه لم يشكُ لأحد آلامه ومعاناته، قلّ أصدقاؤه، وتبرم منه الوزراء. لم يعد يتصل به أحد، لا من المثقفين ولا من السياسيين، ومرّت المهرجانات الثقافية دون أن تبعث دعوة ولو صورية. ومع ذلك، كان في صومعته يُصلي ويكتب، بل ويضحك في صمت!

جائزة العويس… ومرارة الإهمال

في عام 2005، فاز الطاهر وطار بجائزة العويس للإبداع من دولة الإمارات. احتفى به المثقفون العرب في الخليج، واحتفت به الصحف، لكنه عاد إلى الجزائر ولم يجد من يحتفي به. لا تكريم رسمي، لا دعوة من وزارة الثقافة، لا لافتة واحدة تقول: «هنا يعيش كاتب كبير اسمه الطاهر وطار». كأنّ بلده أراد أن ينساه حيا، كما نسي كثيرا من رجاله. قال في أحد حواراته الأخيرة: «لم أكتب لأُكرَّم، لكن أحيانا… يؤلمك النكران».

التمرد يتوارى في صمت

في 12 أغسطس/آب 2010، أسلم الطاهر وطار الروح بعد صراعٍ طويل مع المرض. رحل في صمت، كما عاش في سنواته الأخيرة. لم تُعلن الدولة حدادا، لم يُبثّ خبر وفاته في نشرات الأخبار الرسمية إلا متأخرا، كأنها تُريد أن تطوي صفحته بسرعة. لكنّ القرّاء لم ينسوه. ظلّت كتبه تُقرأ، وظل اسمه يُذكر كلما تحدّثنا عن رجال كتبوا من أجل الناس، لا من أجل المناصب. عن كتّاب لم يسكنوا القصور، بل سكنوا ذاكرة الفقراء. رحل وطار لكن بقيت رواياته، ومقالاته وصوته النادر المختلف، والعنيد. بقيت الجمعية الجاحظية التي أسسها، كمكان وحيد جمع في التسعينيات الإسلاميين والعلمانيين حول الطاولة ذاتها. بقيت لغته نظيفة قوية، ومتوهّجة كأنها خارجة من جوف الصحراء. بقي موقفه من الاستعمار، ومن الاستقلال المنقوص، ومن السلطة التي تريد مثقفين على مقاسها. بقيت كلمته الشهيرة: «الحرية لا تُطلب، بل تُنتزع». وبقيت صورته الأخيرة عالقة في خيال الكثيرين من محبّي أدبه: لرجلٕ نحيف بلحية خفيفة، وعينين تشبهان الحريق، يحمل في يده كتابا، وفي قلبه يحمل وطنا يسع الجميع.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية