زمان عندما كان عنترة يتصدر قبيلته كمحارب في ميمعة شد الشعر بين العشائر العربية المتقاتلة في ما بينها، كانت للسيف هيبته ووقاره، وعذريته أيضا، لأن عنترة رأى فيه وجه حبيبته فهم بتقبيله، وهو يستله وسط حمحمة الخيول هاتفا: عليهم عليهم !
هذا زمن عربي انتقل إلى رحمته تعالى، ومشى في جنازته المغول والتتار والروم والفرس والباب العالي، بينما تولى العربان مهمة الدفن وإهالة الوحل على جثته !
في اتصال هاتفي حي ومباشر مع الجثة، أفادنا مراسل الفيفا، أن السيف وبقدرة قادر عاد إلى الحياة من جديد، وأن عنترة تبرع به كتذكار كروي تركله الأقدام لينتهي به المطاف في مسلسل كرتوني لأبطال الملاعب بين حميدو وبلاتر، فهل نهدر دم عنترة؟ أم نطبطب على « بوط « حميدو؟
هل ظلمنا الرجوب؟
كان إبراهيم عيسى يغني ظلموه، عندما أعلن ضيفه هاني أبو ريدة، نائب رئيس الإتحاد المصري لكرة القدم وعضو اللجنتين التنفيذيتين للفيفا والإتحاد الأفريقي، أنه تعاطف مع جبريل الرجوب، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، ورئيس اتحاد الكرة واللجنة الأولمبية، مبرئا نفسه من تهمة الصورة التي تناقلتها مواقع التواصل الإجتماعي التي هزئت من تصفيقه الحميان لفوز بلاتر، مؤكدا على حماوته العربية التي كان سببها التحمس لخطاب ابن دمه وجاره الفلسطيني، ملمحا إلى أن المصور شاهد ما شفش حاجة !
الحقيقة أن الجميع في حرب الفيفا هذه كان ضحية الصورة الخطأ في التوقيت المضبوط، لأن «سحجة» أبو ريدة زجته في خانة النوايا السيئة، فلم تخلصه من نقمة الشعب المصري وتبعيته لبلاتر بوصفه الوريث الشرعي للجثة «السيف العربي»، وهي توقعه في محظور النقمتين الفلسطينية والمصرية، فالتهمة «لابساه لابساه»، ما دام جبريل نفسه في مرمى النيران الصديقة…ولكن!
هل حقا ظلمنا الرجوب؟ هل كان الرجل هو الشجاع الوحيد – كما وصفه أبو ريده – في هذه الهزيمة النكراء للعروبة والشهامة والمبدأ!
يا عمي، هل نكذب عيوننا أم نصدق الصور؟ هل تريدون منا وضع الصورة في المشرحة لإجراء تشريح لجثة السيف والخروج بتقرير طبي على طريقة التقرير المهزلي الركيك لمقتل الشهيدة المصرية شيماء الصباغ!
ثم يا عمي مرة أخرى، من الأولى أن نطالب بسحل الكرة في الشوارع عقابا لها على واقعة الصورة؟ أم أن نحرر أوطاننا من مرمى الشاباك؟!
يسترسل أبو ريده بالحديث عن تضحيات الرجوب في سبيل الرياضة الفلسطينية، كشاهد عيان على اجتماعات اللجان التي ذهبت إلى فلسطين بنفسها لتعاين مأساة الوضع الكروي في ظل الإحتلال، ويصف معاناة مصادرة اللعب وإعتقال اللاعبين من الملاعب، ومنع وصول الألبسة والأدوات الرياضية من أوروبا، وتجاوز الأندية الإسرائيلية التي تنشأ في المستوطنات غير المعترف بها دوليا كأراض اسرائيلية، فهل يا ترى كان أبو ريدة يبرئ الرجوب ليدين نفسه !
هل نسي الطرفان أن سحب طلب عضوية اسرائيل من الفيفا لا يعني إنهاء الإحتلال، بل على العكس إنه إعتراف واضح وصريح أن القرارات الوطنية في فلسطين تتخذ من فوق أرجوحة سيرك، وما التراجع عنها سوى إدانة للاعبين الفلسطينيين أنفسهم، فالمكاسب المترتبة على التراجع ليست مضمونة، خاصة أن اسرائيل طرف غير مؤتمن على أي اتقاق ولا تحترم أصلا المواثيق الدولية، ولا الضمانات التي تقدمها حتى لو التزمت بها كافية، لأن المسألة أكبر من مجرد حرية اللعب، فكيف تكون اللعبة حرة وهي تمارس داخل قفص محاط بالسجون وكلاب الأثر وسيارات البوسطة، ولصوص يعتقلون اللعبة ويصادرون الكرة من أطفال يلهون بها في الشوارع والأزقة والبيوت؟! هل حقا يحقق اللاعبون الفلسطينيون مكسبا رياضيا في حين أنهم يخسرون وطنا بأكمله كل يوم وكل طلعة شمس؟ !
أراد الرجوب أن يحرر الملعب ويبقي على الوطن في زنزانة، فكيف زبطت معه؟ أراد أن يحرر اللاعبين والشعب الفلسطيني كله يعيش في صندوق معزول ومدربس بالترباس، ألهذا إذن كان أبو ريدة يصفق كمن يضرب بالمليان! فلا هو تحلل من التهمة ولا هو أخرج جبريل الرجوب من الصورة، ولم ينبنا من حلقة إبراهيم عيسى سوى البحث عن مناديل ورقية لنمسح بها دموع التماسيح التي تتباكى صونا لعرض الفيفا، بينما القدس وراء الأبواب لا تجد منديلا تمسح به دم بكارتها المفضوضة! أولاد الكرة أنتم، فيا للعار!
لم يبق سوى أن أتحسف على السيف العربي الذي راح خسارة بعد أن قدم بلاتر استقالته الغامضة، وراحت فرحة الرجوب أدراج الرياح، وهو يلتقط صورة ذهبية إلى جوار سيف تحول بلقطة كاميرا إلى موس حلاقة في يد حميدو، يا حيف عليك يا سيف عنترة لقد ذبحوك مرتين !
عام الحزن في الأردن
أطفأت عمان فانوسها، ورحل محمد القباني، وفي عهدته وعد لي لم يف القدر به !
المصيبة أن كل من أتفق معه على مشروع فني أو إبداعي يضرب لي موعدا مع موته، وهذا تحذير لكل الذين لم يرحلوا بعد، فالمواعيد نذيرة شؤم !
رحل القباني، رئيس فرقة الفوانيس العمانية، ورابطة الفنانين الأردنيين، وبطل العديد من روائع الدراما الأردنية في عصرها الذهبي من «إبراهيم طوقان» إلى «هبوب الريح» و «طرفة بن العبد» و»أبو فراس الحمداني» و»أبو حيان التوحيدي»، و»وضحا وابن عجلان»، «المرابطون والأندلس» وغيرها من الأعمال العربية المشتركة والمسرحيات والأفلام.
لم يكن القباني وحده الفانوس الوحيد، الذي انطفأ هذا العام من الفوانيس الأردنية، فقد سبقه بأيام معدودات العلامة الأردني والعربي الكبير الدكتور ناصر الدين الأسد، وقبله بأسابيع الشاعر والناقد الفريد صاحب المقامات العمانية الأجمل عبد الله رضوان، لتسجل قائمة الموت في الأردن هذا العام رحيل العظماء وترجل الفرسان الذين غيروا في المشهد الحضاري لمدينة عمان، فارتقوا بها نحو مدارج السمو على النعرات القبلية الواطئة وشدوا من أواصر اللحمة الإبداعية بين الضفتين بعيدا عن هواجس الفتن العنصرية و»الأبارتهايد» الثقافي بينهما، راهنوا على الفن والأدب والعلم، فشكلوا الأقطاب الأساسية الرائدة للمثلث الثقافي المشرق في تاريخ الإبداع الأردني، وأثروا المكتبة الأردنية والأرشيف الدرامي ودور العلم فيها بروائع لا تتكرر وهم قابضون على نبلهم ووحدتهم وشرف انتمائهم لجسرين يمران عبر ضفة واحدة هي القلب !
الله عليك أيها الزمن الجميل، ترحل باكرا، باكرا جدا، هكذا بلا حتى وداع، ولا فنجان قهوة أخير على شرفة القمر في مقهى جفرا وسط البلد، الله عليك أيتها القامات العالية، كنت دائما أقرب إلى السماء منك إلى الأرض، وكنا لما يستبد بنا حنيننا، نحزم حقائب الذاكرة ونشد الرحال إما لمكتبة أستاذنا في الجامعة الأردنية أو لمكتب أمانة عمان في رأس العين، أو لأيام عمان المسرحية، فتبتل أرياقنا وتهدأ جذواتنا، نغيظ المنفى، ونرد خناجر الغدر عن ظهر مدينتنا، ونحط حصوة بعين اللي ما يصلي على النبي !
حين يشيد هؤلاء بنيانا فكريا وأخلاقيا ووحديا مرصوصا يطاول عنان النجوم، ثم تأتي كرة تتقاذفها الأقدام لتهد كل ما بنوه، فهذا يعني أنه يجب أن نخاف على موتهم أكثر من حياتنا بعدهم، لأن التفريط بإرث العظماء يعني استرخاصا للعظمة !
لن أطلب من الله أن يسامح الرجوب، وأنا أشاهد تقرير موقع الوكيل الإخباري المصور بعد زيارة عباس للأمير علي، الذي صرح: الفلسطينيون أخوالي، لأن الرجوب طبق المثل القائل: أنا وإبن عمي على الغريب «الشقيق العربي»، فاسرائيل التي انحدرت من السلالة النبوية بخطأ مطبعي وقع فيه التاريخ أقرب إليه من نسل بني هاشم، وقد ناقض نفسه لما اعترف بأنه أعطى صوته لبلاتر لأنه لن يؤثر في الفارق بين الأمير علي وبينه، ثم عاد وقال إنه صوت للأمير، ليقحمنا في لعبة المراجيح هذه، وبغض النظر إن كان صوت أو لم يصوت، فلم نزل في محكمة الصورة، التي سيتذكرها التاريخ جيدا وهو يقص على الأجيال القادمة حكاية ما قبل النوم: كان يا ما كان أمير عربي في سالف العصر والأوان، انسحب من معركة الشيطان، فانتصر على الدسيسة والإخوان «يعني الأشقاء، درءا لسوء فهم سياسي»، فكيف ستعتذر أيها العربي لعبلة الآن، عن استباحتنا لقبلة السيف في قصيدة عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم !
وسلامتكم.
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر