وداعا للقذافيين الصغار أبناء غزاتهم… ومرحبا بأبناء الطغاة في خيمتنا الفضائية!

ربما هو قدر العرب وحدهم دونًا عن أمم الأرض قاطبة أن يرتبط مصيرهم بمصير طغاتهم، فكلما حفروا حفرة لطاغية، وقعوا فيها، هكذا بعد ممارسة حقهم الفطري في التمرد على الفساد والظلم والقهر الفقر والسجون والعبودية، يدفعون الثمن غاليا: سقوط الطاغية والبلد معا، تصديقا للمثل الليبي “إبليس ما يخربش عشه”، كأن “الحساب يطول العشرة”، ما دام الطغاة وأبناؤهم وضحاياهم في سلة واحدة: الندم!
الغريب، أن الحاكم العربي يعتذر لشعبه، الذي لن يجد مفرا من الاعتذار لحاكمه، ما يشي بعلاقة معقدة أو غير سليمة، بين الطرفين، تضع المشاهد على المحك: (تطلق الذيب أو ترخي روحك)؟ فمن المسؤول؟
المسؤولية مشتركة، يتحمل أعباءها المشاهد والإعلام والطاغية، لأن الحق يغدو عدوا لصاحبه حين يُعميه “كالعمشة، ياكلو ظناها اللي تديره”، أو كحجر المغناطيس، الذي يسخره الإعلام لأداء مهمته بفعالية مستحكمة، لم تُجْدِ معها توسلات المستعصمين الجدد، ووعودهم، فكيف نُكَفّر عن حقنا الذي هو ذنبنا الضرير؟
قد تتماهى الفتاوى الشرعية مع الخيارات السياسية الصعبة، حين يتعلق الأمر بترك القتال في الفتن والصبر على الحاكم الجائر، تجنبا لهدر الأموال وهتك الأعراض وحقنا للدماء، وهو ما حذر منه سيف الإسلام القذافي في خطابه على التلفزيون الليبي الرسمي في فبراير/شباط عام 2011، داعيا الشعب للانحياز للاستقرار، والحذر من الفوضى والفتنة، وحمار “العلقمي”، الذي لم تفطن إليه مذيعة “فرانس 24″، في جلسة استنكارها لعودة ليبيا إلى أحضان آل القذافي، التي تلاشى ضجيجها الفضائي أمام الصدى التاريخي لحمار الوزير في الحلقة: إيه يا ابن العلقمي، ما هكذا كان بنو العباس يعاملونك! وبين التوقيت الفضائي والتوقيت التاريخي للحمار، ساعتان: إحداهما بندولية “رقّاصة”، والثانية زنبركية “رفّاصة”، فهل تستطيع أيها المشاهد أن تضرب موعدا مشرفا مع تاريخين أحلاهما مر!

تَرَنّحْ إِعلامي

يا الله، لو أنك رأيت كيف يرجو الضيف المعارض على “فرانس 24″، ويتوسل سيف الإسلام لإنقاذ ليبيا؟ لم نكن نتوقع أن نعاصر هذا المشهد، طالما أن التاريخ يحتاج إلى مساحة اختمار كافية ليمارس قفزاته الزمنية بمرونة، ولكن يبدو أن السرعة الفضائية تختصر الامتداد الاستيعابي البطيء للتاريخ، ربما لأن السقوط لم يكن كافيا، أو لأن المشهد الحقيقي للنصر مروع أكثر من الهزيمة!!
سيف الإسلام، منذ كان القذافي الأب في الحكم، اشتغل على مشروع “ليبيا الغد”، في واقع الأمر هو الذي حكم ليبيا في الأيام الأخيرة قبل سقوطها، بالصفقات السياسية: “التخلي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل، تعويضات لوكربي وبرلين، إطلاق سراح الفريق البلغاري المتهم بقضية فيروس الإيدز، وقف المهاجرين الأفارقة…”، ثم التبرعات التي استقال على أثرها رئيس كلية لندن للاقتصاد، وقد أكد مرارا للإعلام البريطاني أن الأب السياسي للقذافي الإبن، لم يكن هو الأب البيولوجي، قائلا: “السلطة ليست مزرعة لأرثها عن أبي”، وحسب تقرير “بي بي سي” البريطانية، واعترافات سيف الإسلام نفسه، لقناة “آرتي” الروسية، بعد سقوط البلاد في يد القذافيين الصغار “أبناء غزاتهم”، لعب دورا كبيرا في التقارب الليبي مع الغرب… ولما عاد للمشهد بقوة من خلال حملة النشطاء على مواقع التواصل “مانديلا ليبيا”، أثارت “بي بي سي” مجموعة من الأسئلة، لم تجب عليها، لأغراض تشويقية أو معلوماتية أو سياسية ربما، ولكنها كشفت عن تورط غربي أكثر من توريط ليبي، حين تساءلت: كيف أغوى سيف الإسلام العالم الغربي؟
بصفته رئيسا لجمعية القذافي الخيرية، التي تضخ مليارات الدولارات، استخدم هيئة الاستثمار وقصر القذافي في لندن – لتسهيل علاقاته معهم، رغم نفيه – “وهذا اعتراف صريح بالجرم، فعداك عن قبولهم للرشوة، هناك استغلال للراشي، تبعته محاولة شنيعة للانتقام منه والتخلص نهائيا من جريمتهم بتصفيته وعائلته بأقذر الأساليب وأحقرها على الإطلاق!
إعلامهم إذن يكشفهم، ولا يبرئهم، أكثر مما تفضحهم المواقع الليبية المناصرة لسيف الإسلام، أما مسألة تحديد موقعه لم تزل عصية عليهم، فلديه من جسارة التخفي وحصانة الظهور، التي يفوق شراهة الخائنين والوشاة، والحظيرة العلقمية، ما يؤكد أن هذا الفتى ابن الصحراء وليس ابن أبيه… فَدَيْتُه!

وما أدراك من ماريّا؟

قارن بين مذيعة “فرانس 24″، التي يبدو أنها تلقت تعليمات من غرفة الكونترول لضبط انفعالاتها وتحيزها، لتستنكر اعتراض الضيف المعارض على حكم القذافي بلا دستور لأربعين سنة، متسائلة: أين دستوركم الذي حكمتم به من بعده؟ وبين موفدة “آر تي” ماريا فينوشينا في لقائها مع القذافي الإبن… ضع الجمال الذي يدلك على خالقه وسمائك جانبا، وخذ مالك منه: حرامَهُ، لتدخل إلى المستقبل كفيف العينين، عفيف التأمل، متشفيا بغباء “بي بي سي” البريطانية حين عنونت برنامجها التوثيقي: “صعود وسقوط القذافي”، بينما تجري رياح الزمن بما لا تشتهيه صحونهم الفضائية، لأن الحدث يفرض عنوانا جديدا للمشهد الأخير: “سقط القذافيون الصغار، ليصعد القذافيون الكبار من جديد” وعليهم عليهم، ما دام الطغيان أرحم من العصيان… فهل هزلتْ!
أيها المشاهد الكريم، هذه أول خطوة للتقدم إلى الوراء، وتحديدا، حوار سيف الإسلام وماريا – وما أدراك من ماريا؟
لقد اعترف لها بلوم أبيه له على سياسة الصفقات، التي أدت إلى إبطاء تطوير الجيش والتخلي عن صفقة الأسلحة الروسية، رغم أن “سي أن أن”، تؤكد اعتراف معمر القذافي للولايات المتحدة بندمه على معاداتها وملله من مناكفتها، ولكن الإبن أخبر ماريا بقصة المئة مليار دولار في بنوك الغزاة، وحكاية علي بابا القذافي مع عصابة اللصوص، وصفقة المحكمة الدولية، ثم وبرقة جادة، وهدوء ساحر ومشحون سألته ماريا: هل كان بالإمكان، غير ما كان؟ هنا فقط ترتجف أوتاد الخيمة الفضائية الخضراء، وتستعيد الموفدة الإعلامية حديث ضيفها لشعبه على تلفزيونه الرسمي: “الجيش يدافع عن نفسه… العصابات سرقت الذخيرة… الإعلام يكذب عليكم… سنغير الدستور… سأبني لكم ليبيا الغد… إن سقطت العزيزية تسقط الأمة… نحن أبناء قبائل نحتكم إلى السلاح… لن نفرط بليبيا… سنقاتل حتى آخر طلقة وآخر رجل… الفوضى ستحرق البترول… سيصبح سعر الخبز بسعر الذهب… ليبيا العصاباتية هي كوريا الصحراء… اليابانيون والكوريون يلوموننا على تحالفنا مع الغرب… الأوروبيون والأمريكيون يقتلون حلفاءهم… نحن طيبون مع الغزاة …”. هنا فقط تتوقف ماريا عن طرح الأسئلة، وتغادر الخيمة، لتبكي على مهل أمام شرفة سرية في الكرملين… وهي ترفع نخب القذافي لحجر الفَلَك، الذي يفك شيفرة النجوم في برامج العرافات… فمن منكم رأى دموع ماريا؟!

انحراف وراثي!

بغض النظر عما عاينه مراسل “بي بي سي” جون سمبسون “عن إصابات سيف الإسلام بعد تحرره، تظل أسئلة “بي بي سي” عالقة كشوكة في ذهن المشاهد، فهل تحرر القذافي الابن حقا؟ هل هو حر في تنقلاته داخل وخارج ليبيا؟ ثم ما مدى تقبل العالم له كشخصية عامة، في ظل حاجة الغرب لشخصية قادرة على السيطرة، مع استبعاد التدخل العسكري الناتوي ضده؟ وما هي نظرة الليبيين له كمخلص من حكم الميليشيات الخارجة عن القانون، كونه الشر الأفضل – حسب التعبير الحرفي للقناة؟ مع التأكيد على تحالف مصالح بينه وبين حفتر لمواجهة عدو مشترك، وكل هذا يجعله أكثر مصداقية في عين الشعب الذي يفتقد شر أبيه أكثر مما ينقم على خير معارضيه!
تطرقت “بي بي سي” لرسائل سيف الإسلام عبر محاميه، فإن عدت للقاء “فرانس 24” مع خالد الغويل، لأدركت مصدر القلق الإعلامي منه، فلقد استند إلى حجج قانونية أكد بها احترامه لسلطة البرلمان بالعفو العام الذي شمل سيف الإسلام، ومقدرته على إثبات بطلان التهم الموجهة له من فرقة السيرك القانونية في لاهاي، وأولاد المتحايله، الذين أخبرتكم عنهم من قبل، مطالبا – على الملأ – بإجراء تحقيقات نزيهة في اختلاسات ديوان المحاسبة وخزينة الدولة، وجرائم السطو على ثكنات الجيش والسلاح، وحرق المطارات، الاغتيالات، هنا فقط عليك أن تطمئن، حين يخاف أبناء الغزاة، من أبناء الطغاة، وقد فشلوا بأن يكونوا إخوتهم في هذا الميراث الثقيل الذي انحرف عن مساره السلوكي كعار، ليتحول إلى شرف، لا يهين الطغاة بقدر ما يعز ورثتهم!

كاتبة من أسرة “القدس العربي”

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية