لن تهزم اسرائيل إيران إلا إذا قتلت السيد حسن نصر الله، لأن الرموز أقوى تأثيرا من الأسلحة، ولكن ماذا عن قاسم سليماني؟ يبدو إنو الزلمة لحس عقول كثيرين لم يعد بمقدورهم ممارسة التفعيل البروتيني في خلاياهم العقيمة سوى بعمليات تخصيب فضائية، لتلقيح الحفر الإنزيمية المحايدة في محركات القيادة الإعلامية، بعقار بيضة الكافيار، التي تبلبط في بحيرة قزوين، تجنبا لأزمة الطوابير على ترعة الحيوانات – آخر المحميات المائية – في بلوشستان، كأن أمة محمد انكمشت أمام فحولة الجنزال المتفخمة على طريقة اللدائن البلاستيكية… أو كأنه العملاق الذي لا بد أن تفككه، كي تكتشف قطع بازل صغيرة لأقزام كثيرة تحتشد في لوحة: قزم ضخم، فما الفارق إذن بين قائد عسكري وقائد جماهيري؟
ربما علينا اللجوء لنظام الذكاء الصناعي، الذي يحلل الوجوه ويضخم الميزات كاريكاتوريا، ليس من أجل الوقوع في فخ الاختيار بين نموذجين، أو صورتين، إنما لاقتناص اللحظات التعبيرية الدقيقة، التي تحررك من منظومة الإبر الصينية، أو الطب الجالينوسي، والانجذاب الوهمي لطاقة “تشي”، حينها فقط، يمكنك أن تعثر بسهولة تامة على “نجمة إبراهيم” السرية في مقابر اليهود المهجورة من عكار حتى القامشلي، لأن المهم ليس أن تحب أنت غزاتك، الذين يدينون بدينك، بل الأهم أن يحبوك هم… يا فصح!
ليس المطلوب منك أن تنتمي للجناح العسكري لكتيبة العاصفة السليمانية، أو تحظى برتبة مزيفة في فرق القمصان البنية، حتى تثبت عداءك للصهيونية، فهذه ليست شهادة الشرف الوحيدة على شرف عروبتك، بل إنها أخطر علامات العار، طالما أن اعتزازك بعزة غيرك هي الدليل الدامغ على ذُلّك… فماذا بعد !
دعك من التصنيف الطائفي المشين، لشيعية السيد حسن نصر الله، فالعروبة تأتي أولا، أما الدين، يسهل التنازل عنه كوعي موروث يمكن تطويره أو تغييره، بالتأمل وحده، مهما بلغت درجة التعصب إليه، وهو في النهاية قرار عائد لصاحبه، ليس لك منه سوى احترامك له، بعكس العرق، الذي لا يمكن استئصاله حتى بتهجينه، و بالمناسبة هذه عقيدة فارسية، متأصلة، لمستحيل حاسم: اجتماع سيفين في غمد واحد، أو فصيلتي دم في عرق مزدوج، فهل ستسأل إن كانت تلك الخلطة السحرية الناعمة، لتصفية نصر الله رمزيا لا جسديا عبر شعوذة إعلامية مركبة: صهيونية وفارسية؟ أيها المشاهد، لا تجب، ولا تقرر، المطلوب منك فقط أن تكمم عينيك، وتفتح مخك، وتفكر!
لأ لأ… يا وِحِش!
كثيرة هي الصور التي يمكنك التوقف عندها، فغياب علمٍ دبلوماسي في محفل كراسي، أشد وطأة من هز الوسط مع الغزاة وتدجين السيوف، وأكثر بلاهة من زفة الإخوة الأعداء بالطبول والدفوف… حتى لتنطبق “أغنية قاعد لوحدك” المصرية على مشهد العلم المفقود، فإن تابعت كلمات الأغنية، التي تكتسح الـ”يوتيوب” بأرقام قياسية، تندم على ظلمك للمساطيل، ما دامت الأغنيات كالأعمال بالنيات، والنيه أخلاقية بحتة هنا، بل تستند إلى فلسفة دينية، تحرم الاختلاء بين علمين، ثالثهما الشيطان، ولذلك يحذر “أوكا” المغني الإصلاحي، بـ”حبّة فوق وحبّة تحت”، ويمين شمال، وشمال يمين، وكده وكده ولأ لأ… ويا ويلاه !
قارن بين علم في الكوشة مصمود وعلم متخف بنظاره أو بسلامتو مفقود، وعلم شهيد في عرش الخلود، لتلتقط صورة قائدا فلسطينيا بين جريميتن: جريمة خاشقجي وجريمة عرفات، طالما أنه البطل الاحتياطي الأهم، في لعبة “الشنق بوتر” القوس من وراء ستار إعلامي… أو الحبس في أقفاص فضائية مرفهة، لا تقود إلى بوابة السعادة في أبراج السلطان، ثم عرّج بعد كل هذا على صور الأفلام الكرتونية التي تمثل جريمة قتل الصحافي الأشهر في الكوكب، بمحاولة فاضحة للتحايل على المشاهد الاستخباراتية السرية، وقد بدأ يتسرب إلى الإعلام جزء من كواليسها، وخباياها، لتتأكد أن مشهد القنصلية هو المشهد الفاصل بين صفقتين: الإنقاذ من أجل القتل، والقتل من أجل الإنقاذ… أما مشاهد التطبيع، فلم يتبق منها إلا ما قال عنها إعلامي كبير: “الصفقة تعيش فقط في غرفة الإنعاش .”!
الجريمة كهاجس إعلامي !
سألته منى: “شوف الصورة، مين هاي؟”، أجابها معتصم: “هذه … تشبه أمي، لكن أمي أجمل”. لم يكن معتصم قد علم بحادثة حرق أمه في جريمة اختطف الصهاينة من القدر خطأها، ليحولوا الخطأ إلى قدر متعمد، على طريقتهم، ولو أنك أصغيت لشهادة منى الجعابيص، شقيقة البطلة المقدسية الأسيرة إسراء الجعابيص، التي زودتنا بصور وفيديوهات وأدلة ثبوتية، عن أبشع جريمة يمكن للمرء أن يتصورها، لأدركت أن الإعلام، هو القاتل الأخطر في هذا الزمن الجرائمي، الذي يتفنن بإعادة تدوير الجريمة إعلاميا، لإثارة التشويق وإسالة لعاب المشاهد وأشياء أخرى، ضمن عولمة زومبية تكرس الخواء الفكري بثقافة الجريمة، والتخبط الروحي، بالهوس الفضائي، استنادا إلى فلسفة “رعب الجسد” وفانتازيا الحواس، ولك أن تتصور خيال المخرجين وأنت تتابع تفوقهم على المجرمين، وهم يتهافتون للنيل من المشاهد بكل ما أتوا من أدوات تضليل أو تهويل !
الجريمة كهاجس إعلامي، لا تحتاج إلى قضية إنسانية، فالتغطية الإعلامية لجريمة حرق الأسيرة إسراء، وجريمة خنق الصحافي المدلل الذي عض يد قاتله، تكشف أن الضحية في الحالتين، صنيعة سينمائية، لا بد أن تتوافر لها مقومات الفتنة، لا الافتتان بالقيم، وأن عامل المتعة لا يتحكم فقط بإبرة القاتل حين يدير إسطوانة الفونوغراف، إنما بمايك المذيع، الذي يحلل الجريمة كمحقق الكتروني محض، بلا مشاعر، ولكن ماذا عن المشاهد؟
قريبا سيتم افتتاح معرض ضخم في أمريكا لإنسان آلي متطور، بمقدوره أن يمارس مهاما حميمية كاملة، تغني المرء عن شريك عاطفي من لحم ودم وإحساس، فهل نحن نعيش فعلا زمنا آليا، إلى هذا الحد؟ هذا هو ما أطلقت عليه منى الجعابيص تعبيرها الأدق: “إعاقة أحاسيس” في برنامج عين على فلسطين، مع الإعلامية وجدان الربيعي، على قناة المغاربية، التي تنفرد بتغطية استثنائية لأبطال الخلود في مدينة السماء، فلماذا عجز العالم عن اختراق كواليس الجريمة في مزارع قصب السكر الصهيونية، مع فارق جوهري يتجلى بين المهاجرين العبيد إلى ضفاف الكاريبي وبين السكان الأصليين على ضفاف المسيسيبي!
مرآة المومياء ووجه زومبي
تتساءل منى: لماذا هذه الحملة الصهيونية الشعواء ضد النساء؟ القهر النفسي أفظع من التعذيب الجسدي، خاصة مع المرأة، التي يحاربها الاحتلال في أنوثتها، في جمالها، في أمومتها، في عفتها، في مراياها وزينتها وشالها وشعرها وصورتها… حرب الصورة مع المرأة الفلسطينية تتخذ طابعا اضطهاديا، فبينما تكتسح صورة عهد التميمي شاشات التلفزة العالمية، كطفلة شقراء فائقة الجمال، تشوه مواقع التواصل براءتها فتتداول تصريحاتها العفوية كجريمة دعائية للاحتلال، أما الاحتلال، فيسرق التشويه منا، ويترك لنا صورنا… كمان ويلاه !
بين التشويه والصور، تغدو لعبة المرايا هي الأشد إيلاما، فالآلة الإعلامية في “كيان الاحتلال” تنتج مخزونا فوتوغرافيا بديلا عن ذاكرة الصورة، ولك أن تتخيل ما الذي تحس به مثلا الأسيرة إسراء بعد احتجازها في سيارة تشتعل فيها النيران إثر حادث تقني، التهم وجهها، وملامحها، ووضعها أمام جريمة تشويه ليس فقط لصورتها إنما، لحقيقة ما حدث، فلقد اتهمها الصهاينة بالشروع في عملية إرهابية، وامتنعوا عن علاجها أو حتى إسعافها، وحين رضوا بإجراء عملية تجميل، مارسوا تشويها ثالث: بتر أصابعها!
المجندة الاسرائيلية تدخل على غرفة إسراء بمخالب أنيقة وطلاء لامع وجذاب، المجندة الأخرى تحمل مرآة المومياء بماكياج باذخ وأحمر شفاه، إسراء تخاف من النظر لمرايا أعدائها، أما ابنها معتصم، فيرى أن الأم لا تحتاج إلى مرآة، فوجه ابنها هو مرآتها الأجمل.
أيها الإعلام، هناك جريمة، وهناك ضحية، بس ما في هناك كاميرا، معلش تبعثوا لنا بقاتل يليق بتغطياتكم، وإن أردتم اختاروا قنصلية تناسب مزاجكم، ونحن نتكفل بتوفير الضحية… والباقي على عزرائيل!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن