ثمّة عبارة مأثورة عن الشاعر الفرنسي ايف بونفوا، قد يكون استلهمها من الفلسفة اليابانيّة «الوابي ـ سابي». وأفضّل أن أترجمها على هذا النحو: «النقص هو أوجُ [الكمال]»، بالرغم من أنّها في أصلها الفرنسي «النقص هو الذروة»، تجري مجرى نوع من الحذف أو الإضمار؛ في سياق «مفارقة» بالمعنى الفلسفي. وبها أحبّ أن أفتتح هذا المقال في «العادي والمعتاد المُعاد»، أو «ما ينقصنا»، وكلٌّ يتقبّله بطريقة أو بأخرى مدركا أنّه ما يتبقّى، على ألفتنا به. أمّا في الأصل الياباني وقد يكون له شبيه في التصوّف الإسلامي، فـ»النقص» بمعنى «اللااكتمالـ« وليس بمعنى «الفقد» ولا بمعنى «ضعف العقلـ« أو «العيبـ« أو «الخسران في الحظّ» كما في لسان العرب، حيث هذه اللفظة محفوفة في كلّ استعمالاتها بمعان سلبيّة سالبة؛ إنّما هو جوهر كلّ شيء أو أصله، أو ما خُلقت عليه جبلّته.
والنقص بهذا المفهوم رهان وتحدّ، وصفة ملازمة للإنسان ولطبائعه، وحافز لإبداعه وخياله؛ إذ يرى في الأشياء الناقصة أو غير الكاملة «جمالا» ما أو «حسنا» ما له فرادته؛ ولنسمّها «كماليّة النقص» أو «جماليّة النقص». وهو ما يستدعي منّا تجديد علاقتنا بذواتنا، وبما يحفّنا من أشياء عادية نعدّها من المعتاد «الناقص» أو «الهشّ»؛ أو العابر الزائل الذي لا يدوم ولا يعمّر. وربّما بسبب من هذا، نحن ننظر إلى «العادي « أو «المعتاد» من منظور سلبيّ. فهو نقص وخسارة ومحو ولَبس وحرمان وفوضى وإهمال. وقد ننسى أنّه قد يكون شفاء لأنفسنا المنهومة، ومتنفّسا لها أيضا؛ كلّما رابَنا من الدنيا ريب، وعرض لنا منها، ما يعرض للناس.
وإنّما الإشكال في توظيفه أو في استعادته في أدب السيرة الذاتيّة مثلا أو في الفنون والآداب عامّة، إذ يطرح على الكاتب أو الشاعر أو الفنّان سؤال الموضوعيّة. وأمّا ادّعاء «الصدق» أو «الحقيقة» التي لم تنغمس في الشبهات، فليس إلاّ ضربا من ضروب الوهم؛ والعادي والمعتاد الواقعي الذي يحتفظ بها أيّ منّا في ذاكرته؛ لا يعدو أكثر من أخيلة وأحاسيس وأفكار. بل هو من أشكال حضور الغائب، أو من استخفاء الأثر. بل قد لا يعدو استعمال «العادي» أو «المعتاد» أو «المألوف»، في هذا السياق، أكثر من محاولة لـ«تأنيس» النصّ. وهو منحى ليس بالمستغرب في الشعر قديما أو حديثا، إذ كان «أنس النفوس» مضمار الشعر وغايته. على أنّه يحسن بنا أن ندرك الفرق بين مأنوس «عادي» ومأنوس «فنيّ». والأنس أو «المعتاد» إنّما مردّه إلى الطبع وإلى المعهود والمألوف في اللغة؛ وهو ليس «المعتاد» المصنوع المستفاد من جهة النظر والرّويّة، فالشعر قديما «مطبوع» ما كان قرين الأنس أي «صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه ومتنزّها عن الاختلال…» بعبارة الجاحظ.
غير أنّ الاقتراب من «الروسم العادي» محفوف في الشعر بكثير من المزالق، إذ يمكن أن يذهب بشعريّة النصّ، ويؤبّده في المبذول والمكرور من المعاني. وكأنّ الشاعر ملزم بأن يقترب ليبتعد، وما لم يكن ثمّة بعدٌ، لم يكن قربٌ. وعلى أساس من هذه القاعدة، يمكن أن ينتقل الشاعر من «العادي» أي المشاع اللغوي إلى «المملوك الاستثنائي»، وأن ينقل «الروسم» أو المأنوس العادي إلى مستوى الظاهرة الكتابيّة الشعريّة. وقد ندركه وهو العادي أو المعتاد، في الشعر مثلا، وكأنّه ينضوي إلى إحساس يسبق فعل الإدراك؛ فلا نملك إلاّ أن نشاطر المعاصرين قولهم في أنّ «الفنّ هو حقيقة المحسوس، لأنّ الإيقاع هو حقيقة الإحساس». وإذا كان ثمّة إبداع، فمداره على تحويل هذا العادي المعتاد إلى طارئ أو استثنائيّ. وهذا وغيره يعزّز من وجاهة القول بأنّه لا وجود لشعر صاف، كما كان يقول مالارميه، وهو صاحب القولة الشهيرة «الناقصة (الغائبة) في كلّ باقة» أو في «الأجود»؛ إذ كان ينشد لغة كليّة مدارها على علاقة حميمة بين الصوت والمعنى، حيث الإيقاع يحرّر الكلمة من سطوة الكلام العادي، ويكشف عن وهن اللغة أو قُصورها. وهو الذي ظلّ دائما يحلم بكتابة ما هو صامت في اللغة، أو ما هو زئبقي، وكأنّ همّه أن يمسك بالشذى لا بالوردة، أو بـ«إيقاع الفكرة» وهو المعنى اليوناني للموسيقى.
ولنا أن نتمثّل في هذا السياق بثلاثة شعراء: سعدي يوسف ومحمود درويش وأمل دنقل، ومن الأحياء بالعراقي نامق سلطان في «القصيدة النثر» كما أفضّل ترجمة المصطلح الأجنبي، باعتماد الصفة بالمصدر؛ وليس التركيب بالإضافة كما هو شائع «قصيدة النثر». وكلّ منهم شاعر مفكّر له لغته الشعريّة الخاصّة، وهي عادية في جانب غنيّ منها، لكنّها ليست لغة التواصل المعتاد، إذ هي تنشأ في تلك المسافة الخاوية التي تتركها خفقة جناح الطائر. وهم في «توظيف» العادي أو المعتاد، لا يسلكون في طريق واحدة أبدا، وحظّ أيّ منهم ليس حظّ ذاك.
وفي هذا ما يسوّغ القول إنّ المعتاد الشعريّ نوعيّ، أو إنّ الفارق بين نصّ وآخر فارق جماليّ. والمقصود بالجماليّة في هذا السياق، أنّ كلّ أثر فنّيّ هو تخليق لعالم افتراضي، وهو «ناقص» ضرورة، ولعلّه نقص مقصود، شأنه شأن النّقص في الأشياء أملا أو رجاء فيها. ونحن إنّما ننفعل إزاء الرمز المتواري في هذا العادي، وإذ نسبر انفعالنا يتسنّى لنا أن ننفذ إلى دلالة ما أو ما يمكن أن نسمّيه المرموز. وفي هذا يكمن معنى عبارة مالارميه، في ما أرجّح، وعبارة خلفه إيف بونفوا؛ أو عند «حفيدتهما» أديل فان ريث أستاذة الفلسفة أو الفيلسوفة والمنشّطة الإذاعيّة في «فرانس كولتير» وصاحبة البرنامج المعروف «دروب الفلسفة»، في كتابها وهو سيرتها الذاتيّة، وقد وسمتها بـ«الحياة العادية» أو «الحياة المعتادة». وما يستوقفني فيها أنّها لا تسوق هذا «المعتاد» من منظور فلسفي أو بلغة المفاهيم؛ وهو موضوع قلّما عنيت به الفلسفة، وإنّما ما أسمّيه «إنشائيّة المعتاد» أو «سرديّته» أعني أثر الأشياء والحالات العادية التي يطويها النسيان، أو ما يتبقّى منها بعد أن تعفّي الذاكرة كلّ شيء. والأشياء والأسماء في هذا النصّ/ السيرة تنهض بـ«طوبوغرافيا [إرَاثَة] متخيّلة» تصل بين أزمنة وأمكنة متحوّلة، وتكتنِهُ الفضاء من حيث هو المكوّن الجمالي الأظهر بل الأقوى في «إنشائيّة المعتاد»، وتؤسّس الكتابة من حيث هي تغريب لأوضاع طبيعيّة أو لأشياء مألوفة، بل تجعل المعتاد الذي ليس له مضادّ، يكتسب بنية مخصوصة في حقل الظواهر، ويتمدّد خارج عالمه الخاصّ؛ فيتحدّث إلينا، ونصغي له؛ ونتواصل معه. والكاتبة الفيلسوفة تؤكّد هذا المنحى بوضوح (بترجمتي): «فالمعتاد خلافا لما يشاع في تقريظ الحياة اليوميّة، إنّما يعيشه المرء معضلةً. وقد يحفز عدم الرضى عن اليومي [المعتاد] إلى الرغبة في تغيير الحياة نفسها، كالترحّل عن مكان إلى آخر، والطلاق واستبدال الاسم، وتنميق ملامح الوجه. على أنّ المعتاد هو ما يتبقّى، بعد أن نكون قد استبدلنا كلّ شيء. وأيّا كنتُ أو من أكون، ومهما يكن الشخص الذي أقاسمه الحياة؛ فلن يكون بميسوري أبدا أن أتملّص من تكرار الأيّام والليالي، وهذه السمة وهي العادية جدّا في وجودي لا تُحتمل، حتى أنّ حياتي كلّها مرتّبة بطريقة تجعلني أنسحب منها، إمّا بحثا عن غير المألوف، أو لإخفائها بقناع اليومي بطريقة أشدّ مكرا [مداجاة]». وتؤكّد أنّ الحياة العادية مشكل تكابده وهي المليئة المكتظّة بالتفاصيل، تلك التي تُرى من كثب وتمكّن؛ أو من قرب شديد، حتى ليتعذّر عليها القول إنّ هذه الحياة هي ملكي حقّا [متاعي]. لكن ما هو هذا العادي؟ أهو المعتاد المألوف؟ أهو اليوميّ المنزليّ؟ أهي الحلاوة التي تستشعرها مثلا في كيس الشاي المقطّر؟ أهي لعبة الطاولة العائليّة؟ وجوابها «الحياة العادية ستار من اللباقة نسدله على الهاوية، من أجل أن يساعدنا على العيش». هذا ما تقوله هذه الفيلسوفة بصدق وقسوة معا، وهي التي بدأت تشقّ طريقها في جامعة شيكاغو حيث طرق مسامعها أوّل مرّة اسم «امرسون» في محاضرة عن «الاستكماليّة الأخلاقيّة (الرغبة المفرطة في بلوغ الكمال) وتغيير الذات». يقول الفيلسوف الأمريكي عام 1837، وهو يحفز أمريكا الفتيّة حتى تبدع طريقتها في التفكير بمعزل عن الميتافيزيقا الأوروبيّة: «أنا لا أنشد العظيم ولا البعيد ولا الخيالي… إنّما أحتضن المشترك [الشائع[، وأتحرّى المألوف العادي، بقضّه وقضيضه، وأجثو أمامه». وإذ نتتبّع سيرتها وهي زوجة فحبلى، نكتشف معها أنّ هذا الحدث العادي الاستثنائي، هو الذي يضفي على حياتها معنى؛ ونحن نصحبها في لحظات الولادة والحنان والتوتّر العائلي، وحبّ الأب الذي لا يخشى الموت، لكنّه لا يحبّ أن يموت.. فالكنز الموعود وهي تصغي بسمعها وقلبها، لقلب آخر يدقّ وينبض في جسدها.. وليكن.. فالمعتاد عند هذه الفيلسوفة ليس مفهوما، وإنّما هو مسعى وقيافة.
كاتب من تونس