في واقعية الكتابة التخييلية

يظل دائما من الصعوبة بمكان، أن نرد كل كتابة فنية مهما يكن جنسها أو نوعها إلى الواقع، فمثلما يموت أي منا وحده، ويحب وحده، ويعيش وحده وهو وسط الناس؛ فإنه يبدع وحده. ولا يتعلق الأمر في هذا السياق بالمعيش الجسدي، أو الحياتي لدى الأفراد، وإنما يتعلق بجمالية الكتابة أو إنشائيتها أو شعريتها. ونحن ما تعلق الأمر بالأدب قديمه وحديثه، لا نسائل صاحب النص، فقد تكون بيننا وبينه حجب كثيفة من الزمان والمكان؛ وإنما النص الماثل للعيان. وهو نص يضعنا إزاء رؤية من رؤى العالم. ولعلها دينية في جانب منها، وقد تكون اجتماعية، أو نفسية في جانب آخر، وقد تكون شعرية، أو إنشائية، في جانبها الأغنى.
وكل كتابة من هذه الكتابات الحديثة، حتى إن حدثنا صاحبها عنها، في حوار أو في نص أو فيديو؛ لا يمكن أن تؤخذ من حيث هي وثيقة أو تاريخ حياة وعصر وجيل، أو حتى تاريخ حالة أو اعتراف. إنما هي شكل فني ينضوي إلى القول الشعري بالمعنى الواسع للكلمة، دون أن يسوق ذلك إلى القول إن صلتها بالحياة منقطعة أو تكاد، أو هي مفصولة عن المجتمع أو الأيديولوجيا. وهذا أدب، والأدب يظل ـ مهما يكن الموقف منه ـ تخيرا نوعيا من الحياة، على قدر ما يظل عملا تخييليا؛ الأمر الذي يسوغ قولهم «واقعية العمل التخييلي»؛ كلما أذكى الكاتب الإيهام بالواقع، وكان لذلك أثره في القارئ؛ حتى لَيبدوَ التخييل أقل غرابة من الحقيقة وأكثر تمثيلا. والتمييز لا يقوم في الأدب بين واقع وتخييل، وإنما بين مفاهيم عن الواقع مختلفة، وطرائق من التخييل متنوعة. وهذه الكتابة/ الكتابات التي تجري في أفق من «فوضى أدبية خلاقة»، تنشئ عالما أكثر مما تعالج قضية. والكاتب المتمكن هو الذي يعرف كيف يملك هذا العالم الذي يفيض عن عالم الحياة، أو هو يداخله من أكثر من جهة من جهاته. ومن ه ذا المنظور فإن التداخل بين الأجناس في هذه الكتابات؛ ليس تداخلا بالمطابقة، إذ ليس ثمة مشابهة أو مماثلة، وإنما مجاورة أو إرداف؛ كلما عدل الكاتب استعاريا إلى مكان أو فضاء عام، ومن شخصيات إلى إقامة في المكان وفي الزمان.
تتداخل في كتابات اليوم أجناس وفنون شتى (فنون تشكيلية وسينما وموسيقى وغناء…)، ولا أحد يملك مفاتيحها؛ وما بين هذه الأجناس، لا يعدو فروقا قد لا ترقى إلى مستوى التقابل، فالتقابل ليس بين جنس وجنس؛ وإنما هو بين الكتابة الفنية والكتابة العادية التي قلما وفق صاحبها في تحويلها إلى استثناء. ولي أن أتمثل في السياق الذي أنا فيه، جيمس جويس الكاتب الفذ الذي لم ينقذه أثره في الكتابات الحديثة، فقد استخدم في «صورة الفنان شابا» تقنية الفلاش باك، وزاوج في «فينيجان يستيقظ» بين مشهد أو منظر وآخر؛ وهذه وغيرها إنما مردها إلى استلهامه السينما، وهي لا تزال في بواكيرها. ومما يعزز من وجاهة هذا الاستنتاج أنه تعرف إلى المخرج الروسي الشهير سيرجي أينشتاين، واقترح عليه تحويل روايته العجيبة «عوليس» إلى شريط سينمائي، بل قرأت أنه شارك بعض أصدقائه في إعداد سيناريو لأحد فصولها الممتعة «أنا ليفيا بلوربال»؛ حتى أني شبهت في بعض قصائدي، هذه المرأة وهي تتزين لعشيقها، بـ»مغتسلة» أبي نواس: «نضتْ عنها القميص لصب ماء…».
ما أشدد عليه في السياق الذي أنا فيه، أننا نحتاج في قراءة الكتابات الحديثة، إلى إنشائية كل الفنون والأنواع؛ لأن هذه الإنشائية تلازم كل مستويات أجناس الكتابة؛ مثلما هي تلازم أيضا وظيفة الاستعارة والكناية والرمز. ومن المفيد ألا نقف بهذه المصطلحات عند حدود الدرس البلاغي أو الرؤية النقدية الضيقة التي تحصرها في الصورة لا غير، بل علينا أن نجتاز منها إلى البحث في أوجه التمايز بين العاملية الاستعارية، والعاملية الكنائية في أي جنس أو فن. ومن شأن هذا البحث أن يجعلنا نحكم التمييز بين الأساليب التي يتوخاها الكاتب طبقا لعلائق المشابهة، أو المجاورة بينها وبين «الشعري». فإذا كان «الشعري» يقترن بـ«غير الشعري» في هذه الكاتبة أو تلك، فإن السؤال: أهو اقتران استعاري أم هو اقتران كنائي؟ أم أن الأمر لا يعدو مناوبة بينهما تتسع لتشمل الأنظمة اللفظية على قدر ما تشمل الأنظمة الرمزية.
فعسى إذا توضحت لنا هذه القاعدة وقوادحها، أن نستكشف في النص أنماطا من الكتابة الشعرية أو الأدبية غير البلاغية المعهودة، وأن نعوّد أنفسنا على تقبلها بأريحية. فهي عند شعراء مثل سعدي يوسف ومحمود درويش وأمل دنقل… من الراحلين، مترابطة إيقاعيا بقوانين النظم، ودلاليا على أساس من قاعدة المجاورة. وكأن لا هدف للشاعر منها سوى أن يكني باللغة عن اللغة. غير أنني لا أحب أن أسارع؛ فأقرر أن السيادة في هذا الشعر إنما هي للكناية، وليست للاستعارة أو أن خطة الكتابة الشعرية عند هؤلاء الشعراء كنائية بالأساس؛ فهذا استنتاج أمسك عنه، وليس لي أن أمضي فيه وأقطع بالرأي؛ حتى إن وقع في الظن أن المجاورة هي القاعدة التي تجري عليها خطة الكتابة عندهم، أو أغرتنا بعض الظواهر الأسلوبية في شعرهم بهذا الطرح. وهذا وغيره مما آتيه على حذر، وأتريث في اختباره، بسبب من ظواهر أخرى في هذا الشعر من شأنها أن تكبح من غلواء أي تأويل لا يأخذ الكتابة، بكل مظاهرها، أو هو يتغافل عن سياقها. من ذلك مثلا اطراد المماثلات والمحاكيات التي تحيل على مطابقات ذات طبيعة استعارية، حيث ماهية الشيء من ماهية شبيهه؛ فبدل أن يقوله الشاعر يقول ما يشبهه. وقد يكفي أن نقارن نصوص الذين ذكر سعدي يوسف في «الأخضر بن يوسف» ودرويش في «طباق إلى أدوارد سعيد» وأمل دنقل في «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، وهي تلوح «واقعية» في جوانب غير قليلة منها، في «الكتاب» لأدونيس و«متنبيه»، لندرك كيف يعيد كل منهم إنتاج قناعه؛ من غير أن يتخذ منه «منوالا» أو «براديغ» أو «الأنموذج» كما يترجمه البعض. وهو «مثال» يتحدد على أساس من جملة العناصر «المعيارية»؛ وهو من ثمة يتمثل «قاعدة». لكنه يختلف عن الأنموذج الأصلي أو «التاريخي» الذي يتخذه الشاعر. 
وهذا ما يجعلنا نتريث كثيرا في ربط النص بالواقع، حيث الكتابة «لمطابقات» هي ليست استعارية، بالمعنى البلاغي للكلمة، وإنما هي تعبيرات شبه استعارية؛ إذ هي لا تمثل بأي حال نقل المعنى نقلا اختياريا أو مقصودا كما هو الشأن في الاستعارة  البلاغية؛ بل هي من كتابة كنائية أو رمزية خاصة بالشاعر.
 فلعل هذه «الفوضى الكتابية الخلاقة» ضرب من التخييل، أساسه إعادة كتابة الواقع، أو التاريخ أو التراث، على أساس من إعادة صياغة الماضي. وهو من هذا الجانب، حدث لم يقع، أو قصة مغايرة للواقع تدور أحداثها في عالم شبيه بعالمنا، ورغبة المؤلف في أن يضع نفسه في الماضي، أو «وعي الماضي في الماضي» حيث يفترض افتراضاته على التاريخ ووقائعه وعواقبه ونتائجه، ويعدلها متخيلا شتى احتمالاته؛ أي التاريخ كما يمكن أن يكون. وهو بعبارة دالة حقا «أرض مجهولة تقع خارج الزمن» أو «زمن لا زمن له»، فالمتنبي مثلا هو المتنبي وليس المتنبي؛ وربما هو قناع العربي عامة كما يتصوره أدونيس، وقس على ذلك قناع إدوارد سعيد عند درويش. إنما يبدأ الإشكال عندما تغلب طائفة منا، المعنى الحرفي على المعنى المجازي، وتنْشدُ في النظام الثقافي الذي يختفي خلف النظام المجازي معنى تعزوه إلى الكلمة، أو ترفعه عنها، على أساس من إيقاع النسبة بين الاسم والمسمى، أو بين الوصف وموصوفه. وربما كان هذا من الأمور المعلومة في بدائه القراءة، إذ من الصعوبة أن نحدد «المجازي»من دون أن نقابله بـ»الحقيقي» أو»الواقعي»: فالكتابة عالم أدبي رمزي، حتى إن كانت «تتذرع» بشخوص من عالم حقيقي أو تاريخي. ولا مناص من الإقرار بأن العلاقة بين نظام المجاز وأنظمة الثقافة قائمة في مستويات شتى، وأن الثقافة إنما تتجلى في «المقروء والمكتوب» كليهما. غير أن العلاقة بين هاتين الصفتين المجازي والحقيقي، أو الوقعي، أوالتاريخي غير مستقرة، إذ تتغير تبعا لتغير وظائف الثقافة وحواملها. لكن كثيرا أو قليلا منا لا يلتفتون إلى التغير الحاصل في اللغة واستعمال الأشياء، أو هم لا يأخذونه بما هو خليق به؛ فيتواردونَ النصوص من أنظمة لغوية «مغلقة» حينا، ومن عالم غير عالمها؛ على نحو ما نجد عند عامة الذين يشتغلون بالكتابات الحديثة، ويرون في توظيف العادي والمستعاد والمعاد «انعكاسا» لقيم البيئة والحضارة وما إليها.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية