اشتغال منبّهات المعاني

حجم الخط
1

لا تشتغل منبّهات المعاني على دلالة المطابقة مثلا، بقدر ما تشتغل على الاختلافات والتناقضات والتشبيهات، والأخيرة تسمى دلالة الالتزام، مثلا أنتَ كالأسد، يدلّ المعنى هنا على الشجاعة، فالمعاني المباغتة والعجائبيّة والغرائبية، يتمّ من خلالها جذب المتلقي، ولكن جلّ ما نبتعد عنه اللامعنى، وننتمي إلى معنى المعنى. ونستفيد كلياً أيضاً من معاني الانزياح، ويكون للرمزيّة دلالاتها المفتوحة، حيث إنّ النصّ لا تغلق دلالته (الرموز توجه وتنظم، تسجّل وتوصلُ. وبتقريرنا ما الذي توجّه وتنظّمه، وتسجّله وتوصله ينبغي أن نميّز دائما الأفكار من الأشياء.
إنّ الفكرة thought، أو الإحالة reference، على ما سنعبّر به عادة، هي التي توجّه وتنظّم، وهي أيضاً التي تسجّل وتوصلُ. ولكن كما نقول: البستانيّ يحصد الحقلَ، مع علمنا أنّ الآلة الحاصدة هي ما يقوم بالقصّ، وكذلك على الرغم من علمنا أنّ العلاقة المباشرة للرموز إنّما هي بالفكرة نقول أيضاً: «إنّ الرموز تسجّل الأحداث، وتوصل الحقائق» (أوغدن ورتشاردز ـ معنى المعنى، دراسة لأثر اللغة في الفكر ولعلم الرمزية –ترجمة كيان أحمد حازم يحيى).

إثارة الأشياء: نبدأ من الأشياء الصغيرة إلى الأشياء الكبيرة، فتظهر مؤثرات الأشياء فلسفيّاً، والإثارة تعني الإغراء، وعكسها الهدوء والسكينة، وإذا أخذنا مفردة الإغراء، ويظهر الترغيب بشكل واضح، الترغيب جزء من الإغراء، أو هو المعنى الآخر للإثارة، ومن خلال التجربة اليوميّة نستطيع أن نتوقف عند الأشياء التي تمرّ بنا، أو تلك الأشياء التي نفكّر بها من خلال اللامرئي، إذن، يكون للتصوّرات أشياء غير مطروحة، وكذلك الخيال والتخيل الذاتي، هذه المسيرة تغذي المعنى وتجعله أكثر نفوذاً. إنّ الكتابة عن الأشياء، تعني كتابة العلاقة القائمة بين الشيء والفكرة، فيصبح لدينا، المرجع + الفكرة؛ حيث نحيط بالشيء بصيغته الانفراديّة على أنّه المرجع، فتتنوّع الأفكار، لأنّ لكل فكرة شيء ما.

إثارة المقوّمات الفكرية: يلاحق الباث تلك المقوّمات التي يحملها، أو ثقافته الفكرية التي يؤمن بها، فالمرء يؤمن ببعض الأفكار، كالأفكار الفلسفية؛ ومنها الماركسية أو الهيغليّة أو السارترية أو الدينيّة، فهي العنصر العقلي للنصّ.
إثارة المقوّمات الخياليّة: إنّ الملكة الخياليّة تشير إلى الأبعاد الفلسفية في المنظور النصّي، وما التصوّرات إلا الجزء المقرّب للمتخيّل، الذي يبني العلاقات المرتكزة على الأبعاد الجماليّة للبنى النصّية، ما يجعل النصّ على صيغة تحريضيّة تؤثر أبعاده من خلال القوّة النصّية الفاعلة، لذلك يكون للمبنى النصّي مساحة كبرى لتواصل التأويلات والمعاني المشتبكة في الصور النصّية. (ويشير المتخيّل إلى مجموع المعطيات التمثيليّة والرموز الإيحائيّة والترسيمات المتعالقة في مكوّناتها وبنياتها ودلالاتها، ويشمل مختلف المظاهر الفكريّة والعلامات الثقافيّة في حياة الإنسان، ومن ثمّ يعتبر تراثاً حضارياً ورصيداً تعبيريّاً مشتركاً بين الإنسانيّة جمعاء، منذ أقدم العصور وإلى الآن؛ لأنّ كلّ مستويات التفكير الإنساني ومختلف العلوم والنظريات «لا تتخلّى أبداً عن الهالة التخييليّة بالكامل). (جلبير دوران: الأنثروبولوجيا، رموزها، أساطيرها وأنساقها. ويوسف الإدريسي، الخيال والمتخيل في الفلسفة والنقد الحديثين). لذلك يمثل المتخيل القيمة القصوى، وتعبيراً تلقائيّاً عن الذات الحقيقيّة، حيث إنّ التلقائية من نتائج المتخيّل وحركته النصّية في النصّ المكتوب.

إثارة اللامألوف: من خلال جدليّة المألوف واللامألوف، نلاحظ أنّ المعاني التي في سياق النصّ، تعتمد على الغرائبيّة، ويكون للمألوف منطقته التخيلية في العمق الذهني، لذلك فإنّ القدرة تتجلى في كيفية الانتماء إلى الوعي الحسّي، فالمألوف في الكتابة يعتمد في الكثير من الأحيان على الكتابة الطبيعيّة، وهي غير مؤثرة في المتلقي، بل تؤدّي إلى التقريريّة، إلا إذا تغذت بالخيال أو ارتبطت عبر علاقات مع اللامألوف، فيكون وجودها ملحقاً في المنظور الكتابي. في منطقة اللامألوف لا نرى الأشياء على حقيقتها، فهي تتجانس وتكون بهيكليّة مثيرة، وهي التي تتبنّى دلالة النصّ المركزيّة، وتتجمّع حولها المعاني والتأويلات، حيث تكون منطقة اللامألوف مجرّدة من الواقعيّة، وفي بعض الأحيان نلاحظها في منطقة ما وراء الواقع. إنّ الهروب من الواقع المتعب، يجعلنا في مداخلات حسّية مختلفة، وواقع الاختلاف يؤدّي إلى الجماليّة، ومنها مثلا؛ تصوير الخيال، الرمزية والاختلاف اللغوي، الذي له الشأن المباشر في التأثير النصّي، حيث أنّه يعتمد الانزياحات، ويكون الجدل في المفاهيم أكثر عمقاً.

نشاط الدلالة التصوّرية: تعمل الدلالة التصوّرية على الدعائم الحِجاجية، وقد أعادها ستيفن أولمان، تحت مسمّى المنطق الفعلي؛ وللنشاط أسبابه وبراهينه بين الجمل والعبارات النصّية، ويكون للغة الحِجاجيّة دلالتها الداعمة للمعنى، ونظرية الحِجاج «هي تقديم الحجج والأدلّة المؤدّية إلى نتيجة معيّنة، وهو يتمثل في إنجاز تسلسلات استنتاجيّة داخل الخطاب، وبعبارة أخرى يتمثل الحِجاج في إنجاز متواليات من الأقوال، بعضها بمثابة الحجج اللغويّة، وبعضها الآخر بمثابة النتائج التي تستنتج منها». (أبو بكر العزاوي – كتاب: اللغة والحجاج).
تعود الفكرة وترتبط بالتصوّر، حيث إنّ النطق (للنصّ المكتوب) يكون كما يتصوّره الباث والمستمع، فعندما نقول كتاب؛ فهذا يعني أنّ هناك بعض الأفكار تطرأ على المؤلف، وعندما نقول غزة، يبدر إلى الإذهان مباشرة عمليات الإبادة التي يتعرض لها شعب غزة.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية