كان من المفترض ان نستكمل اليوم ما بدأناه الاسبوع الماضي من تحليل للمآلات المحتملة لأحكام الاعدام المتوقعة بحق الرئيس المعزول محمد مرسي وقيادات الاخوان، من جهة امكانيـــــة تنفيذها، وان كانت ستفتح الباب امام تســــويات ســــياسية أو صفقـــات اقليمية، لكن ثمة حدثا جللا يلزمنا بتأجيل ذلك، الا وهو ما تعرضت له مصر من فضيحة اعلامية دولية على أيدي جوقة من «كدابين الزفة» المحسوبين ظلما وعدوانا على مهنة الصحافة وكانوا موجودين ضمن الوفد الاعلامي المصاحب للرئيس عبد الفتاح السيسي في زيارته الى المانيا.
ومن المهم ان نضع الامور في سياقها، لنتبين حجم الضرر الذي لحق بصورة مصر بلدا ونظاما واعلاما نتيجة السلوك المخجل لأولئك الدهماء اثناء المؤتمر الصحافي المشترك للرئيس مع مستشارة المانيا انغيلا ميركل.
ولقد كان واضحا ان ميركل اصيبت بالهلع وهي ترى من يفترض انهم صحافيون مهنيون يتحولون الى «مطبلاتية وهتيفة» للنظام ورئيسه عقب كل اجابة يدلي بها. بل أزعم ان الرئيس السيسي نفسه شعر بالانزعاج والاحراج منهم، وهو ما بدا في تعليقه الموجه اليهم قائلا «طيب… طيب»، وهو باللهجة المصرية يعني كفاية.
ناهيك عن الشخص ولا اقول الصحافي الذي بدلا من ان يستغل الفرصة لتوجيه سؤال الى المستشارة الالمانية، فإذا به يلقي قصيدة من المديح في سياسة السيسي الخارجية، دون ان يوجه سؤالا على الاطلاق (…).
وهذه بعض النقاط التي قد تلقي الضوء على ابعاد هذه الفضيحة الحقيقية:
أولا – تعامل النظام مع هذه الزيارة من منطلق دفاعي منذ البداية، بعد ان صورت له هواجسه أن جماعة «الاخوان» ستحشد الآلاف من انصارها لمحاصرة الرئيس اثناء الزيارة، وهو ما لم يحدث. بل من الانصاف القول انه لولا تلك الفضيحة الاعلامية لكان من الممكن القول انها كانت زيارة مثمرة، نجح خلالها السيسي في تكريس الاعتراف السياسي بالنظام الجديد من احدى إكبر الدول الاوروبية الى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي معها.
ثانيا – وسط أجواء من «الهلع» مما سيفعله الاخوان اثناء الزيارة، ثمة من اشار على السيسي بـ»مواجهتهم باستخدام قوة مصر الناعمة» عبر توجيه الدعوة الى ممثلين وممثلات ووفد اعلامي كبير لمرافقته اثناء الزيارة، مفترضين ان هكذا وفدا سيشجع المصريين في المانيا واوروبا على الاحتشاد لتأييده، وبالتالي تصدير صور مضادة لمظاهرات «الأخوان». والمشكلة في هذا الاقتراح انه اولا يفترض مسبقا بأن الحضور سيكون ضعيفا ان لم يسافر هؤلاء ضمن الوفد، وثانيا ان قوة مصر الناعمة أكبر كثيرا من بضعة ممثلين مع الاحترام للجميع، واخيرا انه يكشف حرصا مبالغا فيه من جانب النظام على الصورة، بدلا من التركيز على المضمون.
ثالثا- إن الوفد الوفد الاعلامي الذي صاحب السيسي ربما استحق ان يدخل موسوعة غينيس من حيث ضخامته، وقد أرسلت احدى الصحف قرابة عشرة محــــررين، وهو ما يزيد كثيرا عن العدد المطلوب لتغطية زيارة لن تــــدوم سوى يومين، ما يؤكد ان الهدف الحقيقي هو حشد الجماهير والهتيفة وليس التغطية الاعلامية. وكذلك لم نشاهد الممثلين الذين صاحبوا السيسي يلتقون فنانين او مثقفين المانا، كما اشيع، اذ اكتفوا بالوقوف مع المتظاهرين المؤيدين للسيسي ما يؤكد سبب ضمهم الى الوفد الرسمي، الذي تغطي الرئاسة تكاليفه بالطبع من ميزانية الدولة المنهكة اصلا.
رابعا- ان ما شهده المؤتمر الصحافي من اعمال غوغائية او شعبوية لا تليق بمن يحسبون على مهنة الصحافة، اعطت انطباعا عكسيا عما اراده من طلب منهم ان يقفوا او يهتفوا، وهو ما شعر به السيسي نفسه، اذ جعلوا النظام يبدو وكأنه مهزوز او يحتاج للدفاع عن نفسه وتحسين صورته امام العالم. واسهمت بعض التصريحات التي ادلى بها السيسسي في تكريس هذه الصورة، حيث أسهب في تفسير احداث مضى عليها عامان تقريبا، الى جانب الاغراق في تقديم مبررات لأحكام قضائية، وكأنه يخضع لاستجواب، ناهيك عن توجيه رسائل الى الشعب والمصريين في الخارج، وهو ما يجب ان يأتي في خطاب امام الشعب وليس في مؤتمر صحافي خارج البلاد. اما ما كان على النظام ان يدركه من البداية فهو انه في الغرب ليس غريبا ان يكون هناك بعض المتظاهرين المعارضين لأي رئيس اثناء قيامه بزيارة خارجية، اما الغريب حقا فهو ان يسافر رأس الدولة مصطحبا معه هكذا (جوقة) لتلميع صورته.
واخيرا فإن هذه الفضيحة الجديدة تشير الى ان تشكيلة المكتب الاعلامي الذي انشأه السيسي في اعقاب فضيحة الخطاب التلفزيوني الاخير، ربما تحتاج الى اعادة نظر، على ان تضم خبراء يعرفون حقا كيف يكون الاعلام عاملا مساعدا في دعم صورة النظام، وليس سببا في تعرضه الى فضيحة تلو الاخرى.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي