فيلم «شيء من الخوف»: قراءة في رمزية السلطة والتمرّد

حجم الخط
2

يمتلك فيلم» شيء من الخوف» قوّةً رمزيّةً هائلةً عن العلاقة بين الوطن والحاكم، أو بين المحكوم والحاكم، وهو يجسّد آلية نموّ الديكتاتوريات، عبر التَخويف والإجرام في كلّ زمانٍ ومكان، ونهايته، كما نرى، توصل رسالةً مفادها، أنّ الأوطان تحيا، ويموت الطُغاة بنهاياتٍ سيئةٍ جداً لهم. وعلى الرغم من قدم إنتاج الفيلم، قبل أكثر من خمسين عاماً، إلا أنّ الحديث عنه ما زال مستمرّاً في الصحافة الثقافية.
يبدأ الفيلم، وهو عن روايةٍ لثروت أباظة، بالعنوان نفسه، ومن إخراج كمال حسين، بمشهد غريق، تنادى أهالي قرية الدهاشنة لإخراجه، وهم يعرفون من يمارس القتل، إنّه عتريس (محمود مرسي) الذي فتح شدقيه ضاحكاً على نجاحه في إسكات من يتحدّاه. بتعزيز مشاهد تقارب عتريس وفؤادة، وهما صغيران، ولعبهما معا، فضلاً عن تبادل الألعاب، يسعى الفيلم إلى تأكيد براءة الطفولة، وجمال النفوس البيضاء، لكنّ عتريس الجد يعمل بقوّة على تعويد عتريس الحفيد، مثّل الدُورين الفنان الراحل محمود مرسي، على مشاهد القتل والدَم عبر ذبح الأول لحمامة الأخير بالسِكّين. ومن ثمّ يعلّمه الفروسية، وإشراكه في مشاهد الحرق والإغارة على بيوتات القرية، حيث يستمع إلى صراخ الفارّين من بطش عتريس وعصابته، وهنا درسٌ بليغٌ عن تفريخ الديكتاتوريات لأتباعها، الذين سيتفوّقون على أساتذتهم بالجرم الوحشي.


يقفز الفيلم إلى مرحلة نضوج عتريس وفؤادة، وتؤدي دورها الفنانة الراحلة شادية، وهما يلتقيان قرب النهر، عتريس يعاهد فؤادة، على أنّه لن يقتل، ولن يتآلف مع عصابة جدّه، يلتقي معها وهو حامل السلاح. كانت سياسة عتريس الجد، أنّ شيئاً من الخوف لا يضرّ، لكن عندما حدث قتل عتريس الجد، أصبح عتريس الحفيد أكثر قسوةً وبطشاً من جدّه. تسلّم عتريس الحفيد زمام عصبة الشَر وفرض الأتاوات، ما يعدّ نقطة التحوّل الأولى في الفيلم، بعد اغتيال الجد من قبل أحد رجال الدَهاشنة، ففي تلك اللحظة، تحوّل عتريس الحفيد إلى وحش، حيث انتقم من قاتل جدّه شر انتقام، ويُعدُّ هذا الاغتيال كسراً جديداً لأسوار الخوف من العصابة المجرمة، ليلتها، وفي قصره وحيداً ثمل عتريس وهو يصارع تحوّله من رجلٍ مسالم، كما عاهد فؤادة، إلى رجل يفوق جدّه شرّاً.

زواج عتريس من فؤادة باطل

نقطة التحوّل الثانية هي اغتيال أحد رجال عصابة عتريس الحفيد، وهنا يمكن القول إنه لو كان الجدّ حيّاً لما فعل ما فعله عتريس الحفيد، إذ حكم على القرية بأكملها بالحرق والعطش عبر إغلاق أنبوب الماء الرئيس في القرية. وهنا بموجب ديناميكيّة التَوازن بين الخير والشَر، لأنّه من المستحيل على الظلم أن يدوم، تقدم فؤادة (شادية) على فتح « الهاويس» المعدني، المتحكم بإغلاق وفتح إنبوب الماء الرئيس. فعلٌ إيجابيٌّ من امرأة يكسر حاجز الخوف في القرية، فعمد الظالم، قبل انفلات زمام الأمور من يديه، ولكي يشكم جماح فؤادة، إلى طلب الزَواج منها، فترفضه، لكنّ الأب حافظ والشُهود، خوفاً من عتريس، ومن انتقامه منهم جميعاً، اتّفقوا على القول بقبول فؤادة التوكيل، وحينما تتمّ مراسيم الزَواج، تُقاد الأخيرة إلى بيت عتريس، من دون حلّة زفاف. وهناك ترفض الخلوة الشَرعية مع عتريس، لأنها لم توكّل أحداً حتى أباها. وهنا يشتعل غضب عتريس وحاشيته بالانتقام من أسرة فؤادة ومن الشهود، ويحرق منازلهم وزرعهم ويبيتون في العراء. نقطة التحوّل الرابعة في الفيلم شيوع خبر أنّ زواج عتريس من فؤادة باطل، فيزداد جنون عتريس، وينشر حاشيته لمعرفة من يبثّ هذا البطلان. واتّضح هنا، وهو ما يمثّل عنصر توازنٍ بين الخير والشَر، أنّ شيخ إبراهيم ويمثّل دوره الفنان الراحل يحيى شاهين، هو الذي يؤازر كبح جماح الظُلم والطُغيان عند عتريس، وابنه محمود كان يثقّف بين الشَباب بالتَحريض على الفعل الإيجابي والمقاومة.


نقطة التحوّل الخامسة، وفيها يتمّ الانقضاض على رمز الشَر، فبعد أن يتم اغتيال محمود في ليلة زواجه، تتّحد القرية وترفع المشاعل زاحفةً تّجاه وكر عتريس. الحاشية، التي تجمعها المصالح مع زعيم الظلم، تتخلّى عنه، لا بل يقدم عيسى الذي يمثل دوره صلاح نظمي، على أن يقفل الباب الرَئيس، لقصر عتريس، ولما تطايرت المشاعل تّجاه القصر، حيث يقبع عتريس وحيداً، بهروب الحاشية، يحترق الطاغية، وهو ينادي على فؤادة، التي تسرّبت من القصر، قبل هجوم المشاعل. ويبدو ـ رغم ما حدث- كانت حزينة على مصيره الفظيع، نهاية كل ظالم.

فيلمٌ ملحمي

يمكن القول إنّ صنّاع الفيلم أنتجوا فيلماً ملحميّاً من روايةٍ قصيرة، تايتل الفيلم كان عبارةً عن رسومٍ جداريّة، للفنان يوسف فرنسيس، لوجوهٍ بشريّةٍ تضحك قليلاً وتحزن كثيراً، تقنط وتصرخ إزاء سيوف وجوهٍ شريرة، لن تتركها تنعم في يوميات حياتها البسيطة وأعمالها في الزراعة. من المظاهر الملحميّة في الفيلم، الأداء الكورالي لأغانٍ من تأليف الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، هو أداء يمتدّ من تايتل الفيلم، إلى كلّ مياسم التحولات في أحداث الفيلم، مع أغنيةٍ واحدةٍ تؤديها شادية، يرتسم فيها الذُهول والحزن من تحوّلات صديقها الصغير المسالم البريء عتريس إلى وحشٍ فاق كلّ التصورّات. وفق ذلك أثار الفيلم الجدل قبل عرضه، ويقال إنّ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، طلب أن يعرض الفيلم عليه لمشاهدته كاملاً، لكي يحسم ما أثير من جدل بأن شخصية عتريس في الفيلم ترمز إليه، وحين تأكد بعدم وجود أركان التشابه بينهما، أجاز عرض الفيلم، وهو من إنتاج المؤسسة المصرية للسينما، التي أكّدت هذا الأمر أيضاً.
ماذا عن الرُواية؟
لم تكن بداية الرواية متشابهةً مُطلقاً مع بداية الفيلم، إذ تبدأ الأولى بتداعيات شخصيّة حافظ والد فؤادة، وهو يستقلّ القطار إلى القاهرة، ليتعلّم في المدرسة، بعد أن اشتعلت عنده الغيرة من تعلّم» فايز» وهو ابن أحد الأغنياء في القرية، بعد أن أكمل الأخير تعليمه في العاصمة. ولكن في خضمّ تداعيات الراوي المشارك حافظ، نعرف أنّه أحبّ فاطمة وتزوّجها، فولدت له فؤادة، كما يتوارد ذكر اسم عتريس، وورد وصفه بأنّه شرّير، في الصَفحات الأول من الرُواية.
مشاهد الفيلم ومن ثمّ قارئ الرواية، يجد فروقاتٍ كبيرةً بينهما، من مثل حياة حافظ وزوجته فاطمة في القاهرة، لم يجد القارئ شيئاً من ذلك في الفيلم، وكذلك التَركيز على قصّة الحبّ بين حافظ وفاطمة، وهناك خطّ الشخصية فائز وابنه طلعت لا أثر له في الفيلم، وتنشأ علاقةٌ فتيَّةٌ بين فؤادة وطلعت، وهما في مرحلة الصِبا، وحين شبّا انقطعا عن الظُهور معا بين الناس.. وكتبت آنفاً أنّ في الفيلم تبرز علاقة فؤادة وعتريس، وتستمرّ العلاقة إلى أن يبلغا. لكنّ فؤادة برز فيها، منذ الصِغر، الإصرار والعناد، وفق ذلك كان موقفها الرافض لما عمله عتريس، وإن كان حبيبها، كما شاهدنا في الفيلم، بل كانت فؤادة العلامة الإيجابية الرافضة للظُلم والخوف من القتلة.
في الرُواية، كما في الفيلم، حبٌّ كبيرٌ لفؤادة، وهي تمثّل هنا رمزاً للوطن، يقابله بغضٌ كبيرٌ لعتريس، الذي يمثّل الحاكم. أعتقد أنّ هذا التناقض الحاد استغلّه كاتبا السيناريو والحوار صبري عزت وعبد الرحمن الأبنودي، فتمّ إلغاء خطّ شخصيّة فايز وابنه طلعت وزوجته تفيدة، وجعلوا حكاية الحبّ بين فؤادة وعتريس بدلاً عن فؤادة وطلعت. كما لم يركّزا على قصة حبّ حافظ وفاطمة والدي فؤادة.
يرد في الرواية مقطعٌ كاملٌ عن إنعام المرأة الوحيدة، التي عرفت كيف تفتن الشَباب، ويتقدّم رشدي المالك لعشرة أفدنة، للزَواج منها، ولكنّ ما حدث في الفيلم، أنّ زوج إنعام هو أحد رجال عتريس، وكان الأخير يغوي زوجة الأول، ومنذ ذاك الوقت فقد اتّزانه العقلي كليّاً، عبر إدمانه الكيف، حتى إنّه يهيمُ في طرقات القرية، تطارده شلةٌ من الأطفال كأيّ مجنون.
حيويّة الرُواية تكمن في تعدّد رواتها، كلُّ واحدٍ منهم يوضّح للقارئ طبيعة شخصيّته، مثلاً عتريس، الذي ينظر إلى مرآةٍ مكسورة، فيحدث انقسامٌ ناجمٌ عن تعدّد طبائع شخصيّاته، من الضاحك الساذج، إلى الشِرّير، إلى محبّ فؤادة، إلى الحديث عن أفراد عصابته، وقصّة إجرام كلّ واحدٍ منهم، ما جعلهم ينضمّون إلى عصابته. أيضاً خطّ شخصية طلعت الملغيّة في الفيلم، له روايته عن حبّه لفؤادة.. كما يحدث أن يصرّ طلعت على الزَواج منها وتوافق، لكي يتقدّم أبوه إلى خطبتها من أهلها، وهذا الخطّ أيضاً ملغى في الفيلم. ما يمكن أن يتوصّل اليه المشاهد والقارئ للرواية، أنّ هناك تأكيداً في الرُواية على التَداعي للحرّ للشخصيات، لكي يسبر القارئ أغوارها. في الفيلم هناك الأفعال والحوارات والصراع بين الشخصيات الخيرة والشريرة هي التي تسود في الفيلم.
خطوطٌ لشخصيّاتٍ كثيرة، تزخر فيها الرُواية، تمّ إلغاؤها في الفيلم، أو كان ظهورها هامشيّاً لا يعادل المساحة المُخصّصة في الرُواية للتعريف بها، والحديث عن تفاصيل شخصيّة وعائليّة. وللمفارقة، أنّ الرواية قصيرة، لا تتجاوز 116صفحة، والفيلم مدّته ساعتين إلاّ ربعاً، من تلك الشخصيات، شخصية بسيوني مالك الخمسة عشر فداناً، وزوجته رتيبة. مثلما هناك شخصيّةٌ أخرى ملغيّة، ناظر المدرسة الإلزامية في القرية، إذ لم نرَ أيَّ صيتٍ لتلك المدرسة، بل شاهدنا الكتّاب، وكان شيخ هنداوي هو المدرّس في الكتّاب. كما نقرأ في الرواية أنّ جدّ عتريس يلتزم البيت، وحفيده عتريس، هو الذي يقوم بالمغامرات الليلية المحفوفة بالمخاطر، وهذا يفارق مسار الفيلم.
يبدو أن الفيلم ركّز على الثِيمة الجوهرية، ألا وهي طغيان عتريس، وطموحه في أن ينال كلَّ ما يريد، وهذا واضح، حين تتطابق مشاهد طلب عتريس الزَواج من فؤادة، بين الفيلم والرُواية. ومن الفروقات بينهما، أنّ فاطمة والدة فؤادة، لمّا عرفت أنَّ زواج ابنتها باطل، أصرّت على أن تذهب إليها، وتجلس في قعر قصر عتريس، إلى أن يتمّ البتّ ببطلان زواج فؤادة والعودة بها إلى البيت، وهذا لم يحصل في الفيلم.
اختلافٌ كبيرٌ في النهاية
أدرجنا النَهاية السَوداء لعتريس في الفيلم، ولكنّ هناك فرقاً كبيراً مع نهاية الرُواية، ففي الأخيرة، يصرّ الشيخ إبراهيم على بطلان عقد الزَواج، وهنا أيضاً في الرواية يبيّت عتريس على قتل محمود ابن الشَيخ إبراهيم. وإذا كان في الفيلم يٌقتل في ليلة زفافه، فإنّه في الرُواية يذهب إلى إنعام سيّئة السُمعة ليقنعها بالزَواج منه، وهي ترفض، وحين يخرج من دارها يصرعه برصاصةٍ رجلان تابعان إلى عتريس. يتمّ تشييعه أيضاً، ويتجمّع الناس، وفي رؤوسهم شحنة غضبٍ هائلة، على عتريس وحاشيته. في داخل قصر عتريس يضرب فؤادة في رأسها، بهراوةٍ غليظة، فتنهار أرضاً، الرِجال يحاصرونه، وفاطمة تحمل ابنتها وتخرج، واشتدّ تطويق الرِجال لعتريس، فيعلن استسلامه. كانت نهاية الفيلم أكثر دراماتيكية، ربما تشفي غليل المشاهدين، إذ يموت محاصراً محترقاً.
يُعدُّ مؤلّف الرواية الكاتب المصري ثروت أباظة 1927-2002 من أعلام الأدب في مصر، في القرن الماضي، وألّف 47 كتاباً، وتُعدُّ روايته هذه ضمن أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين. وقد صدرت عام 1960. وإنتاج فيلمٍ ملحميٍّ من روايةٍ قصيرة، يُعدُّ من فضائل السِينما على الرُواية، عبر خلافٍ كبيرٍ في التفاصيل بينهما، ولكنَّ التَوافق على جوهر الرُواية؛ إدانة ظلم الناس واستبدادهم، والانتصار الحتمي عليهما، ما أنتج فيلماً ملحميّاً، يُعدُّ من أيقونات السِينما المصريّة.
كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية