يشكل الذكاء الاصطناعي التوليدي، حاليا أكبر تحد بالنسبة للبحث العلمي ونشر الأبحاث العلمية. فمنذ أن قامت شركة OpenAI بتصميم ما يسمى بالمُحَوِّل المُدَرَّب مُسبقا GPT، الذي يدخل في إطار تقنية أكبر تسمى بالنماذج اللغوية الكبيرة LLM، تناسلت التطبيقات الذكية التي تعتمد على هذه التقنية. لا يقتصر الأمر على ChatGPT كأشهر تطبيق، أو مُحَوِّل مُدرَّب مسبقا، بل هناك منافسون آخرون في هذا المجال كَـ Gemini ، DeepSeek أو Claude، إلخ حيث أصبح الصراع على أشده بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين خصوصا، على من يسيطر على سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي.
فمن المعلوم أنه بإمكان هذه الفئة من التطبيقات أن تفهم المحتوى المكتوب والمسموع والمرئي، بل بإمكانها إنتاج محتوى آخر جديد، يشبه إلى حد التطابق ما هو منشور. كما يمكنها تلخيص أي محتوى يُعرض عليها، أو إعادة صياغته بما يتوافق مع رغبات المستخدم. هذه التطبيقات تستعمل أيضا كمساعد لإتمام الجمل الناقصة، وهي التقنية التي أصبحت تلازمنا ونستخدمها عند كتابة الرسائل القصيرة بواسطة هواتفنا الذكية، بوعي منا أو بعدمه – لا فرق!
في مجال البحث العلمي وتحديدا نشر الأبحاث العلمية، يُطرح السؤال التالي بإلحاح: ما هي حدود المسموح به والمقبول عند كتابة الأبحاث العلمية بمساعدة الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ إلى أي مدى يمكن اعتبار الدور الذي يقوم به هذا الذكاء هو من قبيل «المساعدة»؟ هل الوسائل المتاحة حاليا قادرة على التفريق بين محتوى كتبه باحث، أو مجموعة باحثين، من محتوى أُنتِج بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ قد تبدو الإجابة عن هذه الأسئلة أمرا يسيرا، لكن الأمر ليس كذلك، فكما يقال الشيطان يَكمُن في التفاصيل!
جل الشركات العالمية المتخصصة في نشر المحتوى العلمي والتقني والطبي تُخصص على مواقعها حيزا يوضح، دون لبس، المبادئ التوجيهية وشروط النشر في مجَلَّاتها، التي تتفق كلها على وجوب الكشف عن أي استخدام للذكاء الاصطناعي في أي مقال يُرسل للمجلة بُغية النشر. وهذا يشمل ليس فقط النصوص، بل كذلك الأشكال والصور والرموز إلخ. يجب كذلك على الباحث أن يُصرح باسم البرنامج الذي استُعمل لهذا الغرض، وكيف استعمَلَه خلال كتابة المقال. تتفق كذلك جل هذه الشركات، ودور النشر العلمية، على أن استعمال الذكاء الاصطناعي يبقى مقبولا عند تحرير ومراجعة النصوص من الناحية اللغوية، ومن ناحية التراكيب لِجعل النص أكثر مقروئية وأكثر وضوحا.
لكن في المقابل يُمنع على الباحث أن يستعين بالمنصات المتوفرة مجانا على الإنترنت، لمعالجة نص المقال الذي ينوي إرساله للمجلة. ففي هذه الحالة، يصبح المقال في المجال العمومي وضمن البيانات التي تستعملها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي عادة، خلال عملية التعلم، أو التدريب، وهي المرحلة الأساسية قبل إنتاج (توليد) أي محتوى. هذه الأنظمة قد تستعمل هذا النص الذي لم يتم نشره بعد لتوليد نص آخر جديد، لفائدة مستخدم آخر دون أدنى رعاية لحقوق المؤلف!
هذا الشرط ينطبق كذلك – بصفة خاصة – على الخبراء أو المراجعين Reviewers، الذين تُعَيِّنهم المجلة لتقييم أي بحث مرسل إليها، فإذا قام المُرَاجِع بعرض النص قيد المراجعة على هذه المنصات لتقييمه نيابة عنه، نكون إزاء حالة خرق واضح للخصوصية! الغريب أننا أصبحنا نعاين حالات عديدة لتقارير تُرسلها المجلات العلمية للباحثين بعد مراجعة نصوصهم والتي يكون المُراجِع قد أنتجها بواسطة الذكاء الاصطناعي! فمن السهل على أي باحث التأكد، هل التقرير المُرسَل إليه مُوَلَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي أم لا! كذلك تُجمع جل المنصات ودور النشر العلمي على أنه لا يمكن أن يظهر اسم برنامج الذكاء الاصطناعي كأحد كُتاب المقال العلمي، لأنه بكل بساطة لا يمكن لهذا البرنامج – أو غيره – أن يتحمل المسؤولية العلمية والأخلاقية لمحتوى النص! الشيء الذي حدث بالفعل في السنوات السابقة، عندما نشر عدد من الباحثين وفي مجالات مختلفة أعمالهم في مجلَّات علمية مرموقة، حيث يظهر اسم ChatGPT، كأحد كُتاب المقال العلمي. في ذلك الحين كان المجتمع العلمي ما زال مُتخَبِّطا في شأن الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولم يحسم بعد في أمر وروده من عدمه ضمن لائحة الكُتاب.
من جانب آخر، يجب التذكير، بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يستمد محتواه من مصادر متنوعة فيكفي أن تكون متوفرة عبر الإنترنت، ليتم استعمالها في عملية التدريب. تدخل في هذا الإطار الأبحاث المتوفرة عبر مواقع المجلات العلمية المعروفة، أو مجلات علمية رديئة تنشر «الغث والسمين»، إلى قواعد البيانات العامة، أو المحتوى الذي ينشره أي مستخدم للشبكة العنكبوتية. لا يمكننا إذن أن نتأكد من صحة المعلومات المستعملة من طرف هذه البرامج، ولا من صحة النص المولَّد من طرفها. فظاهرة «الهلوسات» أو اختراع مراجع علمية لا وجود لها تُذَيِّل النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي أصبحت شائعة!
كذلك فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يستعمل نصوصا متوفرة عبر الإنترنت تحظى بحقوق المؤلف وحقوق الطبع والنشر، دون احترام هذه الحقوق وفي غفلة من المستخدم، ما قد تنتج عنه عواقب وخيمة وربما متابعات قانونية.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي هو هنا ليبقى، فقد برهن على نجاعته في عديد من الميادين، وفي مجال الكتابة العلمية وغيرها، بما يسخِّرُه من أدوات تساعد الكاتب على تنقيح النص وضبط مفرداته ومصطلحاته، ما يجعله أكثر مقروئية وشبه خالٍ من الأخطاء النحوية. لكن على كل مستعمل لهذه الأداة – كغيرها من الأدوات التقنية – أن يكون حذرا عند الاستعمال ويتأكد من صحة المعلومات والمراجع المقترحة من طرف البرامج ومنصات الذكاء الاصطناعي. ولا شك أن الثورة التي يحدثها الآن الذكاء الاصطناعي في مجال الكتابة والتحرير بشتى أنواعه ما زالت في بدايتها، وسنشاهد تطورات أخرى في المستقبل القريب لا أحد يستطيع الآن التنبؤ بمداها.
كاتب مغربي