رئيس هيئة العدالة الانتقالية في سوريا: مهمتنا كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: أصدر الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، مساء الخميس، مرسوما بتشكيل لجنة «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» حيث تشكلت اللجنة من رئيس و12 عضوا أحدهم نائب للرئيس أيضا، وفق نص المرسوم الذي أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».
ووفق المرسوم فإنه «بناءً على أحكام الإعلان الدستوري وعلى مرسوم إحداث الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رقم 20 لعام 2025، تُشكّل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من السيدات والسادة» محددا اسم الرئيس والأعضاء.
وأضاف: «يباشر أعضاء الهيئة مهامهم بإشراف رئيسها فور تبلّغهم هذا المرسوم، ويتم توزيع المهام بينهم وفق النظام الداخلي الناظم لعمل الهيئة» لافتاً إلى أن نفاذ المرسوم من تاريخ صدوره.

أهمية العدالة الانتقالية

في سياق التحول السياسي الجذري الذي شهدته سوريا عقب سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تأتي أهمية العدالة الانتقالية كونها أول خطوة على طريق التعافي المبكر في الأوطان، بعد تعرضها اجتماعيا ووطنيا لمحنة دموية بين بعض مكونات الشعب أو من السلطة ضد بعض المكونات، وهي مهمة لتبيان حقيقة انتهاكات، وإثباتها بأدلة قاطعة، والاعتراف بمعاناة الضحايا وآلامهم، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات قانونيًا، ورد الحقوق وجبر الضرر، والتعويض عن المظالم ووضع قوانين تمنع حدوث المظالم والانتهاكات في المستقبل كخطوة أساسية نحو بناء مستقبل مستدام لسوريا، وإصلاح الأنظمة القانونية والسياسية والمؤسسات الّتي تحكم المجتمع وبخاصة الجيش والأمن والشرطة وتحويلها من مؤسسات، فضلا عن أنها الطريق لإنجاز المصالحة المجتمعية.
في حديث مع «القدس العربي» استعرض رئيس لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، خلفيات تشكيل الهيئة وأهدافها، موضحا الأسس القانونية التي انطلقت منها، والمبادئ التي تسعى إلى تحقيقها في إطار العدالة الانتقالية، مؤكدا على دورها المحوري في إنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وترسيخ مبادئ المصالحة الوطنية وعدم التكرار.

أداة لتحقيق العدالة

وقال: يأتي تشكيل أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية استنادا إلى المرسوم الجمهوري رقم (20) القاضي بإحداث الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والذي نصّ على مهام الهيئة في كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي تسبب بها، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا، وإنصافهم، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.
وأضاف: بموجب نص المرسوم، تم تكليفنا بإعداد النظام الداخلي وتشكيل فريق العمل وأعضاء الهيئة. وقد تم ذلك من خلال المرسوم رقم (149) وذلك بعد إجراء العديد من المشاورات مع الضحايا وذويهم، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين الحقوقيين، وشخصيات وطنية فاعلة.
وتابع: تشكّل أعضاء الهيئة من غالبية أطياف الشعب السوري، وبمشاركة فاعلة للمرأة السورية، التي ضحّت وناضلت في الثورة السورية، لتكون هذه الهيئة الأداة الفاعلة في تنفيذ ما نصّ عليه المرسوم رقم (20) والسعي الجاد نحو تحقيق مبدأ سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والتخلّص من عهود الظلم والاستبداد، وصولا إلى واقع أفضل يسوده العدل والمساواة للجميع.

عبد اللطيف أكد لـ «القدس العربي» السعي الجاد نحو تحقيق مبدأ سيادة القانون

وانتهى بالقول: مطلوب من الهيئة أن تكون أداة فاعلة لتحقيق العدالة، لا هيئة انتقامية ولا انتقائية، كما أنّها لن تكون هيئةً للعفو عن المجرمين والقتلة.
عضو لجنة الهيئة المحامي رديف مصطفى تحدث لـ «القدس العربي» عن أهمية تشكيل هذه اللجنة، مؤكدا أنها تمثل استجابة لمطلب وطني جامع، سواء من الناحية الشعبية أو الرسمية، وقد تم التنصيص عليها في الإعلان الدستوري، مما يمنحها مشروعية واضحة وأهمية خاصة.

تمثيل المرأة والتنوع

وأوضح مصطفى أن الرئيس الشرع قد أصدر مرسوما يقضي بتشكيل اللجنة، وذلك بهدف تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، معتبرا أن هذا القرار يشكل خطوة مهمة نحو معالجة آثار الانتهاكات السابقة، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة تقوم على المحاسبة والإنصاف.
وأشار إلى أن تشكيلة اللجنة بحد ذاتها تكتسب أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب تمثيل المرأة فيها، بل أيضا بسبب الحضور الأكاديمي والقانوني المميز، إضافة إلى أنها تعكس بصورة واضحة التنوع الاجتماعي السوري، وتمثل غالبية مكونات المجتمع، مما يمنحها مصداقية وقدرة على تمثيل مختلف الأطياف.
وأكد أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تعتبر من الهيئات الأساسية التي تهدف إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المجرمين، وجبر الضرر، وتحقيق المصالحة الوطنية، فضلا عن تخليد ذكرى الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم والانتهاكات التي تسيء إلى كرامة الإنسان وتهز ضمير البشرية.
وتابع قائلا إن المهمة العاجلة أمام اللجنة حاليا هي الالتئام والاجتماع في أقرب وقت ممكن، وذلك من أجل توزيع المهام بين الأعضاء، والانطلاق في وضع الترتيبات الأساسية التي تمكّنها من مباشرة عملها على أرض الواقع، وذلك وفقا لآليات مستقلة، وبالتنسيق مع المؤسسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، وكافة الفاعلين السوريين، وخصوصا ذوي الضحايا وممثليهم، الذين يجب أن يكون لهم دور محوري في هذه المرحلة.
وشدّد المفكر السوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون، برهان غليون، في حديث سابق مع «القدس العربي» على أن العدالة الانتقالية ليست مجرد أداة قانونية، بل هي مسار أخلاقي وسياسي جوهري لمساعدة المجتمعات الخارجة من أتون الحروب والصراعات على استعادة توازنها وتجاوز مشاعر الانتقام، من خلال محاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، وإعادة بناء الثقة المجتمعية، بما يضمن الخروج من منطق الحرب والدخول في مرحلة السلم والمصالحة الوطنية.
وفي 18 مايو/ أيار الماضي، أصدر الشرع مرسوما بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام المخلوع، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا.
وجاء القرار، حينها، بعد أن تصاعدت مطالبات محلية ودولية بالمحاسبة وتحقيق العدالة في الانتهاكات التي ارتكبتها نظام بشار الأسد أثناء محاولاته قمع احتجاجات شعبية مناهضة له اندلعت في مارس/ آذار 2011، وطالبت بتداول سلمي للسلطة.
وكانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري، المنعقد في فبراير/ شباط الماضي، شددت على أهمية العدالة الانتقالية، وضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة في عهد نظام الأسد.
وفي 6 آذار/مارس الماضي، أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني، أن بلاده تمضي قدما لـ « محاسبة المجرمين وتحقيق العدالة للشعب السوري».
وفي منشورات على منصة شركة «إكس» الأمريكية، قال الشيباني عقب لقائه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان آنذاك: «على مدار 14 عاما، بل وقبل ذلك بكثير، فشل العالم في تحقيق العدالة للشعب السوري الذي عانى من جرائم لا توصف».
واستدرك: «لكن اليوم، ومن خلال عملية عدالة يقودها السوريون، نمضي قدما جنبا إلى جنب مع المجتمع الدولي لمحاسبة المجرمين وضمان أن تسود العدالة».
وفي أبريل/ نيسان الماضي، بحث الشيباني مع وفد من الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للتحقيق في الجرائم الخطيرة في سوريا برئاسة روبرت بيتي، خلال زيارته لدمشق، توسيع التعاون في ملفات المساءلة، بما يحقق «العدالة الشاملة للشعب السوري تجاه الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية