لو أنه اليوم في الوظيفة ذاتها التي كان يشغلها خلال رئاسة جو بايدن، أي مستشار الأمن القومي، لامتنع جيك سوليفان عن النطق بما معدّله 0،0% من التصريحات التي أطلقها مؤخراً؛ كمواطن أمريكي يزعم أنه منعتق من نير ضغوطات شتى مختلفة، قد تُمارس عليه يمنة ويسرة و… على جنوبهم!
هذا سلوك منتظَر، كما يتوجب التذكير، وكلاسيكي تماماً سبق لعشرات الساسة الأمريكيين أن انتهجوه، وإنْ بدرجات مختلفة من حيث مساحات المراجعة والالتفاف والتعديل والمراوغة، أو «التكويع» كما يُقال اليوم في سوريا الجديدة بعد انهيار نظام «الحركة التصحيحية» وحكم الأسدَين الأب والوريث. ثمة، إلى هذا، أفانين في ممارسته يصحّ أن تُنسب إلى خصوصية أمريكية، فريدة في اعتبارات متعددة متنوعة.
يقول سوليفان، في نموذج أوّل على ذلك التفنّن، إذا جاز استخدام الاشتقاق هنا: «الأمر الذي كنّا نصارعه على امتداد العام 2024، وهو ليس الحال اليوم، كان أنّ إسرائيل معرّضة لهجوم من جبهات متضاعفة. كانت تحت هجوم من حزب الله، ومن الحوثيين، ومن سوريا، ومن العراق، ومن حماس بالطبع، وكذلك من إيران نفسها». ونصف هذا الكلام كذب صريح، لأنّ النظام السوري البائد لم يدعم غزّة بطلقة واحدة، وامتنع عن مساندة «حزب الله» حليفه في القتال داخل سوريا، وتدخّل الفصائل الشيعية العراقية المحدود كان أقرب إلى استعراض ألعاب نارية.
نموذج آخر: «خيار حجب الأسلحة عن إسرائيل أقوى اليوم مما كان عليه قبل سنة»، والسبب الأوّل هو «أنهم لا يواجهون التهديدات الإقليمية ذاتها»؛ والثاني «هنالك صفقة وقف إطلاق للنار وتبادل الرهائن قائمة على الأرض، وإمكانية عقد مفاوضات»؛ والثالث، هو «وجود مجاعة كاملة الأبعاد في غزّة»، في إشارة إلى إعلان الأمم المتحدة بهذا الصدد؛ والسبب الرابع أنه «لم يعد هنالك أغراض عسكرية جدية واجبة التنفيذ. إنها مجرّد قصف الركام لتحويله إلى ركام».
الكذب هنا يتحوّل إلى تزييف، قبل أن يُمسخ إلى تضليل ركيك، ليس لأنّ العالم بأسره (حتى في قلب إدارة دونالد ترامب، والرئيس شخصياً) بات على يقين من أنّ حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة تتواصل تبعاً لأجندات بنيامين نتنياهو القضائية والسياسية والائتلافية، من جهة أولى؛ وأنّ الاستمرار في إشعال الحروب ضدّ لبنان، ثمّ التوغل في أراضي الجولان والجنوب السوري وقصف العاصمة دمشق، ليست سوى تفريع يخدم تلك الأجندات، من جهة ثانية.
وهذه الكتلة من الأضاليل لا تأتي من أيّ شخص آخر سوى الرجل الذي نصح سيّده الرئيس بتعطيل تشريع اقترحه أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، لإيقاف ما قيمته 20 مليار دولار أمريكي من شحنات الأسلحة إلى دولة الاحتلال؛ وكانت الصفقة تتضمن صواريخ موجهة، وقذائف دبابات، وعربات تكتيكية، وقاذفات F-15… سوليفان، على رأس حفنة من أنصار دولة الاحتلال في قلب إدارة بايدن، ساجل بأنّ تلك الأسلحة ضرورية لحاجات الدفاع الإسرائيلية، في الفترة ذاتها التي كان جيش الاحتلال يمارس خلالها حروب التدمير المنهجي والتجويع والحصار ومنع إدخال المساعدات والتهجير القسري.
وكانت أشدّ الذرائع ركاكة ما ساقه بعض رجال الإدارة من أنّ حجب الأسلحة «سوف يشجع خصوم إسرائيل على مزيد من العناد»، وظلت هذه الذريعة بمثابة فضيحة سائرة حتى حين هددت الإدارة، في تشرين الأول (أكتوبر) 2024 بحجب بعض الأسلحة إذا لم يسمح الاحتلال بإدخال المساعدات خلال 30 يوماً؛ الأمر الذي لم يتحقق على طرفَيْ المعادلة: لا الحجب وقع، ولا المساعدات دخلت.
وللمرء أن ينتظر أفانين أخرى في سياق هذا الطراز الأمريكي من «التكويع»، وليس سوليفان سوى نمط واحد على عشرات؛ كانوا صقور حرب في المنصب، وصاروا حمائم سلام خارج الطوق.