الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذو البشرة البرتقالية أو كما يعرف بالرجل البرتقالي يسعى للحصول على نوبل للسلام باعتقاد منه أنه رجل سلام ومحب للعدالة وحقوق الإنسان أقرأ ذلك وتخطر ببالي قصة للكاتب الروسي فيدور دوستوفيسكي بعنوان (حلم رجل مضحك) وكان الرجل مضحكا ومثار استهزاء وكأن كل شيء معه متساو، وفجأة قرر الرجل أن ينتحر واشترى مسدسا وبينما هو عائد إلى بيته صادف في الطريق فتاه طلبت منه مساعدتها فنهرها، وذهب إلى منزله استعداد للانتحار وبينما هو جالس على الكرسي غط في نوم عميق، ويبدأ الرجل في الحلم وتتداعى معه المشاهد.
ما يستدعي إحضار هذه القصة وإسقاطها على الرجل البرتقالي وحلمه، هو التشابه بينهما. الرجل في القصة مضحك والناس تضحك منه وتستهزئ به وهو غير مبال بأي شيء من حوله كل شيء متساو معه. وهكذا هو الرجل البرتقالي هو أيضا يبدو مضحكا ولا مباليا بأي شيء يحدث حوله، وكل شيء لديه سواء، القتل والتجويع والإبادة والتهجير والتدمير، لا فرق بينها وبين السكينة والسلام والعدل وحقوق الإنسان، كلها متساوية في نظره. ورغم أنه لا يمتاز بشيء فهو عادي جدا لا دبلوماسية لديه ولا مجاملة ولا احترام للآخر، ويتساوى ذلك مع الازدراء والتحقير والتعالي والعنصرية، فهو العنيف الفض، العدائي المقامر المتهرب من الضرائب، لا كاريزما ولا شيء يذكر، يتساوى معه الجمال والقبح والمعقول واللامعقول.
ما يميز الرجل المضحك في قصة دوستوفيسكي بأنه حلم ورأى ما رأى، لكنه أفاق وعرف الحقيقة، أما الرجل البرتقالي الذي سكنه حلم لا يزال يتقمصه ويعيش فيه ويدغدغ مشاعره. ويبدو أنه هو الآخر كان وما زال يحلم. رأى في حلمه طرق ومسارات وأشياء كثيرة وصراخ ونواح وصخب ودماء تتدفق من أماكن قصية، ورأى كذلك الأموال تتدفق عليه من كل حدب وصوب، ومناجم الذهب والمعادن الثمينة تقدم لها عرفانا بما يفعله، ورأى أسرابا من الطائرات ترافقه في حله وترحاله، ورأى كذلك جائزة نوبل للسلام لا تفصله عنها إلا خطوات. وبينما هو غارق في حلمه، شاهد بين ناظريه طريقا معبدا تتخلله أنهار جارية ومروج، فأيقن ساعتها أن طريق الجنة أصبح معبدا له، فهرع إلى المكتب البيضاوي، فأزال الستارة عن النافذة ناظرا للخارج فلم يشاهد إلا الغرشة لا تزال تملأ الأفق وسمع صوت خطوات في الشارع القريب، وقف- بكل فخر- والسعادة تغمره، وهو منتش بهذا الإحساس الذي لا يغادره، معلنا وبكل جبروت، «أنا الذي أنهيت ست حروب في ستة أشهر، وتذكروا أنا من فاوض وأدى إلى إطلاق سراح مئات الرهائن لإسرائيل وأمريكا، وأنا من دمر المنشآت النووية الإيرانية، ألعب للفوز أولا أو لا تلعب».
يوغل الرجل البرتقالي في حلمه الأثير فيوكل معاونيه لتكثيف البحث في كل الاتجاهات، ليبحثوا عن حرب مشتعلة فيهرع إلى إخمادها، أو أزمة متفجرة فيعمل على تهدئتها، كل ذلك وجائزة نوبل للسلام يعتقد أن قطافها باتت دانية والجنة أضحى طريقها سالكا له.
رجل السلام هذا أراد عالما صفر حروب، صفر أزمات فرفع شعار لا حروب ولا أزمات في عهده، ويعمل جاهدا على وقف الحروب المشتعلة في بقاع الأرض من غزة إلى أوكرانيا، ويقيم المصالحة بين الخصوم كالمصالحة بين كازاخستان وأذربيجان. الرجل يلهث لإثبات أنه رجل سلام ومستحق لنيل الجائزة بكل جدارة واستحقاق، وهو الذي يقود العالم إلى مرافئ السلام. وهو صانع سلام نفعي كما وصفة مؤخرا أمين عام الناتو مارك روتا.
لكن ما الذي يدفع الرجل البرتقالي ذا الصفقات التجارية والمضارب العقاري كما يعرف، بالتصريح عن رغبته في الفوز بجائزة نوبل للسلام؟ الشيء الأول هو شخصيته النرجسية المعتد بنفسه لدرجة الألوهية، والمبنية على الانتصار والفوز الدائم وعدم القبول بالهزيمة، أو التراجع وهذه بحد ذاتها نرجسية مقيتة ورأينا كلنا تجسيد ذلك في هزيمته بالانتخابات الرئاسية أمام المرشح الرئاسي والرئيس الأمريكي جو بايدن، وجاءته صدمة ولم يتقبلها واتهم الدولة العميقة بتزوير الانتخابات، وكيف أوعز لمؤيديه احتلال مبنى الكونغرس وإشاعة الفوضى في واشنطن، وكذلك طبيعته ومهنيته التجارية، بصفته تاجرا يعقد الصفقات، والثاني ولربما هو الأهم هو مناكفة الديمقراطيين والعقدة من باراك أوباما الرئيس الأمريكي الأسبق – بالأساس- الذي فاز بالجائزة في بداية حكمه. ماذا نفسر ذلك، هل هو غرور وغطرسة؟ أم هو فصام عن الواقع شيزوفرينيا؟ أم أن هؤلاء النوعيات من البشر لديهم منظورهم ومفاهيمهم الخاصة عن سائر البشر لا يرون ولا يسمعون إلا من خلالها، مبادئهم وأخلاقهم وإنسانيتهم وقوانينهم التي تختلف عنا جميعا، فالليل لديهم ليس كما نعرفه نحن، والشمس الساطعة ليست بالضرورة تعني الوضوح حتى الألوان لديهم تختلف، فهم لا يعيشون إلا في المناطق الضبابية ولا يحبون الوضوح والإنارة مثلنا تماما. لن نستغرب إذا ما حصل الرجل البرتقالي على نوبل للسلام، رغم شخصيته المثيرة للجدل وسجله. المترع بالمخالفات والمحاكمات. ولكن لما لا يحصل عليها؟ حاله حال الكثير قبله. وربما سوف أستغرب لو لم يحصل عليها. فالرجل لا ينقصه شيء فهو رجل سلام وفق ما يروج له ويتبناه هو وأعضاء إدارته ومؤيدوه. لكن أي سلام ذلك الذي يعنيه؟ بالتأكيد ليس سلام الشعوب الحرة المستضعفة، وبكل صراحة، لن نتفاجأ إذا ما حصل ذلك ومنح الجائزة، وفي الوقت نفسه، لن أتفاجأ شخصيا إذا حصل عليها حتى مناصفة مع نتنياهو لدورهم في (السلام)، ولن أتفاجأ كذلك إذا رشح لها سموتريتش وبن غفير وغيرهم من عتاة المجرمين القتلة، بل وسيجدون من يدعمهم ويصفق لهم، وقد يكون من بني جلدتنا العرب أيضا. هذه الجائزة وغيرها من الجوائز وضعوها هم وفق منظورهم وفكرهم فمن وافق هواهم تعطى له ومن خالفهم ليس له إلا الويل والثبور.
كنت مرة استمع لمقابلة مع أحد المفرج عنهم من سجن غوانتانامو وكان هذا صحافيا ذكر في المقابلة بأن المخابرات الأمريكية وأثناء جلسات التحقيق معه قدمت له الكثير من العروض للتعاون معهم، مقابل أن يعمل جاسوسا لصالحهم وكان ضمن هذه العروض هو تسهيل حصوله على جوائز عالمية في الصحافة وحقوق الإنسان والسلام وغيرها. وهذا الكلام يذكرنا بما يثار حاليا من ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام. العالم يستحمر، وللأسف يقبل الاستحمار ويمتن لذلك أيضا. الرجل البرتقالي الحالم بنوبل للسلام وسط الدمار والركام والخراب بقوة، الجثث والأشلاء المبعثرة في غزة ودعمه اللامحدود واللامنطقي للعصابة الصهيونية وعلى رأسها مجرم حرب مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، ومشاركته في تجويع أهل غزة وقتلهم بإرساله الأسلحة الفتاكة، وكذلك اصطيادهم عند نقاط توزيع الطعام. تتساوى عنده الرغبة في تحرير الأسرى الإسرائيليين، وقتل الأطفال والشيوخ والنساء، والتدمير والإبادة. ناهيك من حروبه الأخرى التي شنها على إيران واليمن وقتله الأبرياء. فهو في الحقيقة لا يترك فرصة سانحة في إشعال بؤر التوتر وخلق الأزمات، يشيطن شعوبا بأكملها وأمما، ويصفهم بالإرهاب ويمنعهم من دخول أمريكا، وكذلك يستميت في فرض المزيد من القيود والعوائق، التي تحد من تدفق التجارة وتبادل السلع، بفرض ضرائب جمركية عالية، ضاربا بعرض الحائط اتفاقيات «الجات» والتجارة الحرة وفتح الأسواق وإزالة القيود وهي العولمة التي بشروا بها.
أهذا سلام حقيقي يريد أن يرسيه ويسعى إلى تحقيقه؟ أهذه أفعال لمن أراد ويسعى بشدة لنيل جائزة نوبل للسلام؟ طبعا موازين العالم مختلة ومختلفة، عالم بات كل شيء فيه غير واقعي، ولا شيء مستغرب، كل شيء جائز ولن نستغرب إن ذهبت الجائزة إليه.
كاتب عُماني