الناقد المصري محمد عبد الباسط عيد في «عمائم وطرابيش وكلمات»: دوائر العلامة وأبنية الحجاج والسردية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في كتابه «عمائم وطرابيش وكلمات» يستند محمد عبد الباسط عيد إلى الحرية في أشكالها العديدة المتنوّعة، ليقدم لنا مقاربة لموضوع فيه الكثير من الطرافة والجدة في تناوله لمجموعة من الألفاظ أو العلامات التي تحوّلت إلى أيقونات دلالية، محاولا بعث طبقاتها الدلالية المتباينة في حضورها على فترات زمنية متباعدة. تتجلى أولى أشكال الحرية في الانعتاق من اللغة الأكاديمية والاقتراب من اللغة المحكية البسيطة، فليس هناك حضور لمصطلحات أو تعقيدات أو خلافات تحتمها مقاربة مثل هذه الموضوعات، بل هناك رؤية متأملة لموضوعات جادة، ولكنها رؤية تقربها إلينا بهدوء، ودون جلبة، وتنبهنا إلى أشياء تستقرّ بوعينا، وتغييرات حادة في تلقينا لهذه المفردات، دون إدراك كامل لهذا التحوّل الدلالي.

وتتمثل مساحة الحرية الثانية في التحلل من المنهج المحدد، ففي هذا الكتاب يتحوّل المنهج إلى إجراءات متواشجة، يجمع بينها وحدة التوجه، أو وحدة الانطلاق في التعالق بكل ما هو ثقافي تداولي. فالقارئ سيتوقف أمام هذا الكتاب طويلا، خاصة القارئ المهموم بالتصنيف والتسكين، وسوف يجد نفسه موزّعا بين الحجاج والسيميوطيقا والنقد الثقافي، دون أن ينفصل كل ذلك عن تناول السياقات الحضارية التي تمارس الفعل والانفعال مع الإنسان أو مع العلامة التي يتواصل بها. وكلها- وهذا شيء يكشف عن وحدة التوجه لا التوفيق والتلفيق- ممارسات متجاوبة في المنزع، وفي الحركة الدائمة بين النصي والاجتماعي، وبين النصي والثقافي، في مقاربة فاعلية العلامة وحضورها، داخل سياق يؤطر حضورها، ويكيفه بتشكيل نزوعاته الدلالية.
يتمثل الانفتاح في جانب أخير، من خلال الحرية في مجال الاشتغال، فالأمر- ما دام مرتبطا بألفاظ أو بدوائر دلالية لفظية- يظلّ منفتحا على مجمل الفنون، وعلى مجمل الأنواع والتخصصات قديمها وحديثها. فهناك انتقال في مقاربة أية لفظة ومداراتها ودوائرها الدلالية- خاصة في إطار الحجاج للفكرة أو لدائرة العلامة- بين بيت شعر أو قصة أو رواية، أو خبر من التراث. وهذا الانفتاح كفل للباحث آليات عديدة لسرديته في مقاربة الألفاظ، ومنحه نوعا من السهولة في الانتقال من فن إلى فن ومن سياق إلى سياق.

سياقات الشيوع والانحسار

ربما كانت المشابهة الخاصة بالعلامة في تمددها من المركز الأيقوني إلى دوائر متتابعة بأثر الحجر الذي يلقى في الماء هي المشابهة المؤثرة في اتساع الدلالة الخاصة بكل علامة انطلاقا من السياق اللغوي، وانشدادا إلى السياقات الحضارية، فالأخيرة هي السياقات الأكثر تأثيرا في تأسيس نقلة إضافية جديدة، تكاد تقترب من الدلالة الاصطلاحية، فمعها لا يتبقى من دلالة العلامة الأيقونية الأولى- إن أمكن تصوّر شيء كهذا- سوى خيط رفيع يشير إلى تأسيس سابق، وإلى طبقة أولى، فقدت وجودها بالنمو، ارتباطا بالخارج، وإن ظلت محافظة على خيط اتصالها بالمركز الدلالي البدائي.
يبدو ذلك واضحا حين نتأمل وقوف الكتاب عند لفظة (باب)، محاولا معاينة طبقاتها الدلالية التي تتسع تدريجيا، وارتباطاتها السياقية، بداية من فكرة الحماية من الوحش والبرد، وتحولات هذا الكيان المادي من الحجر إلى الخشب، فيغدو الباب وثيق الصلة بإسدال مساحة من الأمان للإنسان بعد السقوط من الرحم/ الجنة، ضد الوحش والبرد. وتتشكّل طبقة أو دائرة جديدة من خلال فتح مكة، وقول الرسول الكريم (من أغلق بابه عليه فهو آمن)، وفيها تنمو للباب دائرة جديدة وثيقة الصلة بالعزلة وتأمل الذات والوجود، وهناك- بالإضافة إلى ما سبق- الانقطاع ومراجعة الذات والانشغال عن العام للنهوض بالذات، على نحو ما يمكن أن نرى في غار حراء.
في بعض الأحيان يصبح المنحى الأقرب للاصطلاحي الذي يكتسبه اللفظ غير عار من محاولة بعض المجتمعات التطهر والوصول إلى نصاعة زائفة، مثل لفظ (الشهوة)، ففي أذهان الناس استقرت لفترة طويلة، وكأنها معادل للدنس والخطيئة. فالدلالة المستقرة المهيمنة هنا ليست طبقة دلالية من طبيعة الكلمة، ولكنها جاءت من سياقات الظهور والتخفي والكبت والإعلان. وربما تكون هذه جزئية من الجزئيات التي كانت تحتاج إلى عمل، فالأمر في كل هذه الألفاظ كان بحاجة لتأمل سياقات الشيوع والانتشار وسياقات الخفوت والتلاشي. ففي سياق التخفي والظاهر والباطن عند المجتمع الباحث عن النصاعة تكتسب بعض الكلمات- وتفقد في سياقات استعمالها- دلالات متباينة.
تناول الموضوعات ومقاربتها لا يخضع لوتيرة واحدة من حيث استقصاء الطبقات والوقوف عند طبقة دلالية لها أهميتها من خلال تأمل سياقها اللحظي، فهناك مقاربات ضافية نظرا لطبيعة الموضوع، وفيه يتناول الباحث حركة التوسع والانحسار الدلالية التداولية على مدى طبقات وفترات زمنية مختلفة، فنجد فيها الحيادية في تعدد الدلالات الذي يشير إلى صفرية معجمية. ثم نجد بعد ذلك شيوع دلالة وهيمنتها وغياب أخرى، وفي طبقة تالية نفقد الكلمة هذه الدلالة، أو على الأقل تتوارى هيمنتها نتيجة لتغيير في طبيعة المجتمع، وهو أمر في النهاية يشير إلى انحسارات واتساعات دلالة الكلمة.
إن التوسّع والتضييق فيما يخص العلامة، يخضع لأسباب حضارية، وتوجهات تحتمها لحظة ما، وهي غالبا تأتي كاشفة عن مساحة تلاش أو مساحة اكتساب دلالات أو توليد دوائر دلالية. في تناوله للأزياء بوصفها علامات كاشفة عن هوية، وعن موقف من التحديث قبولا أو رفضا، يكشف الكتاب من خلال هذا التناول عن التوزع في مقاربة النهضة والتحديث إلى فريقين. فالزي الذي اعتمده كل فريق يفصح عن قناعات فارقة، وآليات توطين: الأول يمثله الزي التقليدي (الجلباب والجبة والعمامة)، ويمثل علامة على المحافظين بشكل عام، والآخر الحديث (البدلة والكرافت والقبعة)، ويكشف عن الارتباط بلحظة التحديث، وما توجبه من تعلّق بالآخر المجاور ومنطلقاته. وفي لحظات تالية – في ظل هيمنة التحديث- حدث نوع من الانكماش لعلامة المحافظين، ووقوفه عند شريحة معينة، فقد أصبح هذا الزي لصيقا بخريجي الأزهر.
وفي مقاربة تالية لجزئيات محددة من الزي خاصة في (طربوش العقاد) و(طاقية الشعراوي) يظهر التبادل الواضح بين العلامات وسياقات الشيوع والانحسار. في مقاربته لطربوش العقاد- على سبيل المثال- وقوف عند بداية وجوده وارتباطه بالفئة الحاكمة، ثم انتقاله للدلالة على شريحة الطبقة الوسطى المثقفة، وتحوّله أخيرا إلى حيرة التساؤل عن سؤال النهضة المستمر منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اللحظة الآنية، وقد تطوّر التساؤل- لوقوعه في المسافة الوسطى بين العمامة والقبعة- إلى سؤال حول جدوى الوسطية، وإمكانية البحث عن طريق أخرى بدلا من التوزّع بين قطبين لا يلتقيان، تغطي الخسارة فيه- إذا استمرّ التوفيق أو التلفيق- الجانبين.
القارئ للكتاب يدرك أن هناك أمرا ربما يكون نابعا من نقطة الانطلاق في التناول. في بعض الأحيان يخايل القارئ أن نقطة الانطلاق في المقاربة لم تكن العلامة في كل الحالات، فتأمل المتغيرات قد يهيمن في بعض الأحيان، وقد يصبح في بعض الجزئيات سباحة في المقرر داخل حدود التناول في مجاله الأساسي. وربما يكون السبب في ميلاد ذلك الشعور أن الكتاب يحمل قلق المعرفة ونقلها للآخر، فكأن الكتاب تبئير على وعي أو مساحة إدراك. وحين تتوزع نقطة الانطلاق أو الشعور بها بين منطلقين يقل بالتدريج وميض المنطلق الأساسي، وتصبح الإشارة إليه في متن المقاربة متجلية على مساحات متباعدة لإعادة التذكير بالوجود أو الحضور، قبل أن يذوب في موضوعات استطرادية قد تختلف مع المنطلق الأساسي للمقاربة.

أبنية الحجاج والسردية

لمحمد عبدالباسط – بسبب مساحة اشتغاله الطويلة بالحجاج – أساليب وأدوات حجاجية تتسرّب لمقارباته النقدية، لإثبات مشروعية تصوراته، وانفتاح الدوائر الدلالية للألفاظ التي قاربها وتوقف عندها. وفي جزئيات الكتاب هناك وسائل حجاج مهمة ترتبط بالمقدس، بما له من دلالة نفاذ داخل الذهن، فهناك اعتماد على آيات القرأن الكريم، وأحاديث الرسول، وعلى حكايات وروايات وأخبار من التراث العربي، وهي حكايات- لقدمها- يتشكل لها نوع من الإشعاع الحجاجي.

نجد غالبا في سرديات النقد حضورا لافتا لضمير الغياب، لأنه وثيق الصلة بالموضوعية التي يبحث عنها النقد الأدبي في تجليه المثالي، ولا تنقطع استمرارية هذا الضمير السردي إلا في جزئيات يكون حضور المتكلّم أو المخاطب مرتبطا بوظيفة جزئية خاصة يقومان بها، فالخروج إلى المتكلم هنا غالبا يأتي للتنبيه إلى الاستطراد الطويل، وإعادة الفاعلية لحركة المعنى أو السرد المرتبطة بموضوع المقاربة، أو لإدخال التجربة الذاتية في صلب العملية النقدية، وتتشكل من خلالها دائما وظيفة الاستقواء، فيتمّ استخدام ضمير المتكلم الجمعي لإسدال نوع من الحماية الجمعية على الحكم أو على الفكرة التي يريد الكاتب أو الناقد الاحتجاج لها في كتابته أو تفسيره. أما مع المخاطب فالوظيفة تتمثل في صناعة مساحة من الوحدة والمشاركة مع القارئ أو المتلقي.
ومن ضمن أساليبه الحجاجية والسردية في التسويغ لمشروعية الفكرة الاستقواء بالآخر، ومحاولة إدماجه في حدود التلقي الفردي للكاتب، فهذه الآلية- أو هذا التوحد أو التشارك- يخرج الحكم من وجوده الفردي، إلى وجوده الثنائي، أو وجوده الجمعي، إذا اعتبرنا أن المتلقي المخاطب يضمّ كثيرين في إطار هذا التوصيف الفردي. فالحكم يخرج من محدودية الذات ومن توهّم انحيازها إلى موضوعية وبراح المجموع، ففي قوله (ولعلك انتبهتَ إلى أن بشارا…) تسويغ لمشروعية خروج من مشروعية الحكم الذاتي الفردي إلى الحكم الجمعي الذي ينفتح على رؤية موضوعية، لإسدال اليقين كما في النموذج السابق، أو لإسدال الشك كما في قوله عند تناوله للفظة (باب) (ولعلّك تتفق معي أيضا أنه من الصعب على كاتب- مهما عظم اجتهاده – أن يخمن أو يحدس متى وقع الإنسان أول مرّة على هذه المفردة العجيبة).
وقدرة عبد الباسط في هذا الكتاب المهم، لا تمنعنا من الإشارة إلى أشياء وإيجابيات لم تتحقق بشكل كامل، منها أن الهدف في كل الجزئيات لم يتم الاشتغال عليه بذات الإلحاح أو التقصي المتحقق في نماذج كثيرة من الكتاب. فالوقوف عند هيمنة دائرة أو طبقة دلالية للعلامة، وتلاشي أخرى نحو الانزواء نظرا لسياقات حضارية تجلى في الكتلة الأولى من الفصل الأول، وغاب عن الكتلة الثانية، بالرغم من توفرها في كل النماذج. ويبدو أيضا في السياق ذاته أن الوقوف عند النماذج القديمة- خاصة الشعرية- ظل وقوفا عند حدود إدراك وتلق سابقين، فجاء التناول بريئا من خصوصية الحفر الخاص بالموضوع الجديد، ويبدو ذلك مبررا بمحاولة إدخال القارئ العادي في مجال الاهتمام.
في الكتاب تبدو هناك بعض الجزئيات ناتئة خارج نسق الكتاب، فجزئية (محمد والذين معه) حتى لو تبدّت للقارئ أسانيد مشروعة من خلال الألقاب التي ظهرت في ثنايا المقاربة، يظل التحفظ على وجودها حاضرا، لأن المدخل لم يكن يتوجّه نحو هذه الألقاب التي عولجت في مكان آخر، ولكن المدخل الفاعل هنا يتمثل في فاعلية محمد البشري في انتقاء الألقاب لأصحابه، بالإضافة إلى وجود نغمة – وإن كانت خافتة – من الخطابة. ويمكن أن نقول شيئا قريبا من هذا عند النظر إلى جزئيات مثل (مقامات الكلام) و(البلاغة البيضاء)، و(رسالة مطموسة)، فالمقاربة فيها لا تتورط في الابتعاد عن مجال العلامة في تشكّلها المادي فحسب، ولكنها- فوق ذلك- تنداح في لغة غنائية أدبية، تحوّلت إلى شرك مغرّ، فمثل هذه النماذج جميلة ولافتة في سياقها، لكنها لا تندرج بشكل حقيقي داخل اهتمامات الكتاب إلا بشيء من التجوّز.

محمد عبد الباسط عيد: «عمائم وطرابيش وكلمات»
دار العين، القاهرة 2025
169 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية