عام 1954 نشرت فرنسواز ساغان (1935 ـ 2004) روايتها الشهيرة «عِمْ صباحًا أيّها الحزن»، وهي دون العشرين. ونشر محمد الماغوط (1934 ـ 2006) كتابيه الشعريّين «حزن في ضوء القمر» عام 1959، و«الفرح ليس مهنتي» عام 1970. ونشر يوسف الصائغ (1933ـ2005) شاعر الحزن في المدوّنة الشعريّة العربيّة الحديثة «سيّدة التفّاحات الأربع» 1976 وغير هذا الكتاب؛ وكلّها في غاية الجودة. وإذ أستحضر اليوم هؤلاء وغيرهم، فلا مسوّغ لذلك سوى هذا الحزن الذي يلمّ بكثير منّا، في مزيج من سويداء أو مانخوليا أو كآبة مبهمة أو حنين؛ ونحن نعيش في قبضة يد ما بحجم الكون تكاد تغطّي بلحاف جنائزيّ وجه القارّات الخمس، حيث نلوذ بأجسادنا هذا العالم المغلق، بحدّه الخارجي الجلد، وحدوده الداخليّة؛ وهي كلّها مشرعة أبدا على تأثيرات البيئة أو الوسط الذي نعيشه ونعيش فيه.
ولا أحد بمقدوره في عالم اليوم أن يحبس نفسه أو يقفل عليها، والفظاعات التي ترتكب فيه شرقا وغربا، تتزاحم علينا حتى في هواتفنا الخاصّة التي صارت أشبه بـ«هواتف الصحراء» وإن كنّا نسمع الصوت ونبصر صاحبه، بل تزحمنا الصور في كلّ مسالك عيشنا دونما بشير أو نذير؛ وتتسرّب من شقوق أبوابنا وثقوبها. بل صرنا نرتاب في ما يقال من أنّ العلم والتكنولوجيا وهما جلد ثانٍ للإنسان، يمتلكان القدرة على تحريرنا من ربقة الزمان والمكان؛ فنسأل ونتساءل: هل ينشأ إذن «ضمير إنساني» أفضل بكثير من ضميرنا اليوم؟ وحتى لا يجرفنا الحزن إلى مهاويه، فثمّة بعض رجاء في «صحوة» الضمير الغربي عند شباب أوروبا وأمريكا وبعض الفنّانين والفنّانات، وهم يرون وحشيّة جيش الاحتلال والإبادة في غزّة والضفّة الغربيّة.
أمّا قديما فقد عدّ الحزن من الانفعالات والعواطف السلبيّة التي يحسن بالإنسان مغالبتها، كما في الرواقيّة والأبيقوريّة؛ ورواية ساغان إنّما مدارها على رؤية أبيقوريّة. وفي الأديان قد يكون هناك شبه ما، حيث الحزن محنة وبلاء ومكابدة، من أجل الخلاص والظفر بالنعيم الأبدي، كما هو الشأن في المسيحيّة؛ أو بـ«النيرفانا» في البوذيّة. وربّما في الإسلام أيضا حيث تطّرد مفردة الحزن في القرآن في سور وصور شتّى مثل يعقوب الذي «ابيضّت عيناه من الحزن» أو في مخاطبة النبي «وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» أو في صيغة «لا تحزن» التي تكرّرت مرّات في النصّ مثل «إذ يقول لصاحبه لا تحزنْ إنّ الله معنا»… وهذا موضوع يحتاج إلى وقفة أعمق.
وفي ثقافة الإسلام، كان اسحاق بن عمران الذي أسّس مدرسة الطب في القيروان (من العراق)، قد اشتُهِر برسالته في «الماليخوليا»؛ وفيها يحلّل كما تقول المؤرّخة دانييل جاكوار بطريقة بارعة طبيعة الانفعالات النفسيّة ومسبّباتها ومضاعفاتها؛ ويخلص إلى قواعد صحيّة وأخلاقيّة وغذائية وطبيّة حكيمة، على نحو ما نجد عند تلميذه ابن الجزّار القيرواني. والأقرب إلى الظنّ أنّ ابن الجزّار أفاد من ابن عمران الذي عالج حالات الاكتئاب البسيط منها والمعقّد على حدّ سواء، أي تلك التي تنضوي إلى الذهان الهوسي الاكتئابي، مثل الحزن والغَمّ الذي يأْخذ بالنفس أو الـ«ستراس» الذي صار من مجال البحث العلمي والاجتماعي المتنوّع؛ ينهض به أطبّاء وعلماء نفس، ولعلّهم أوّل من عني بمصطلح «ستراس» أو «رهق» وكرب كما استقرّ في لغتنا، على قلق العبارة؛ إذ هي لا تحيط على ما يبدو بما ينطوي عليه الأصل من معنى بيولوجيّ ونفسيّ، من أجل استعادة توازنه واستقراره وطمأنينته، أو ما يسمّى تزامن أعراض مرض من الأمراض أو «تناذرها» كما يفضّل البعض ترجمة «سندروم»؛ إذ يمكن أن يكون «الستراس» كالحزن سلبيّا أو شرّا عند فرد، أو إيجابيّا أو خيرا عند آخر؛ بناء على طريقته في إدارة الحالة أو معالجتها.
ذلك أنّ الأمر يتعلّق بالشخصيّة الاجتماعيّة للفرد ومكابدته ومعاناة مشقّته. وعلى ذلك فإنّ دوران الكلمة على الألسن، لا يعني أنّ هناك تواضعا جمعيّا تامّا على معناها. وحتى لو سلّمنا بهذا التوافق أو التواضع، فهو يظلّ نسبيّا؛ ذلك أنّ ما نصطلح عليه بـ«الحزن» أو الـ«ستراس»، لا نصطلح عليه كذلك؛ لأنّنا خبرنا ماهية الحالة أو الظاهرة، أو وقفنا على حقيقتها؛ وإنّما لأنّنا «نحدس» في ما بيننا خصائص لهذه الظاهرة، تميّزها عن أيّة ظواهر أخرى. وقد لا تخفى النزعة الإسمانيّة التي تسند الاعتقاد في المصطلح من حيث هي تفيد الميل إلى إحلال الاسم محلّ الحقيقة. وهذه المعاني المتنوّعة إنّما نظفر بها في الأدب بسائر أجناسه، والفنون والعلوم الإنسانيّة عامّة، حتى أنّ «الحزن» تحوّل في بعضها، إلى حالة أشبه بحالة الجنون، وغدا الجنون أشبه بثقب المزلاج، كما يقول البعض؛ والمزلاج مغلاق، لكن لا مفتاح له؛ إذ هو ينفتح باليد. أي أنّ الأمر موكول إلى الفرد نفسه.
والحزن يعود اليوم إلى الأدب والفلسفة بقوّة، لأسباب لعلّ من أظهرها هذا الاقتران بين الجوائح من حروب وأوبئة، والحقّ في استحقاق الرفاهة؛ وهما زوجان أي فردين إثنين. ولنا اليوم أن نتكلّم بهذا الزوج موحّدا، وأن نجعله، وإن لم يكن ذلك من لغة العرب حيث الزوج هو الفرد. والعرب تقول: رفّه عنه أي كان في ضيق فنفّس عنه. وهذه الرفاهة من رغد الخصب ولين العيش والتنعّم والدعة، والتوسّع في المطعم والمشرب والملبس؛ إنّما ندين بها، ولكلّ نصيب أو «كوتا»، إلى صعود البورجوازيّة كما نقرأ عند أهل الذكر من المفكّرين والفلاسفة. وقد يستغرب القارئ مثل هذا الطرح، إن هو غفل عن أنّ استحقاق الرفاهة كان يستهدف أساسا البذخ الأرستقراطي القديم وتكاليفه الباهظة، أو ما تبطره النعمة وسعة العيش، والتوسّع في الملذّات والشهوات؛ أو ما يسمّى اليوم «الاحتشاء» أو لنقل رغد العيش من حيث هو «الهوى الديمقراطيّ» بامتياز عند البورجوازيّة.
على أنّ اللافت حقّا هو أنّ جلّ المجتمعات التي تنعت نفسها دون وجه حقّ بـ«الدّيمقراطيّة» الحديثة أي الغربيّة عامّة، دفعت بمذاق رغد العيش إلى جعله رديف السعادة؛ وهي اليوم تعيش على هذا «الزوج الموحّد» حيث يستطيع الأفراد، وإن بتفاوت، أن يجمّعوا كلّ أسباب الرفاهة من صحّة وسكن ونقل ومستلزمات الحياة العصريّة، من «ديكور المعيش اليومي»؛ غير أنّهم لا يفعلون أكثر من تجميع أسباب رغد العيش. أمّا مسألة السّعادة، فتظلّ تُطرح خارج هذا الحيّز، ومن هنا يتولّد «الحزن»، بل يغدو «حرفة» بمعنى الصناعة أو الصنعة أو حتى «الضيعة» أو الزراعة كما في قول الحطيئة يستعطف عمر بن الخطّاب: «والحِرفةُ القُدْمَى وأنّ عشيرتي/ زرعوا الكروم وأنّني لا أزرعُ».
أو ما حفّ هذه الكلمة من معاني الكسب والطلب والكدّ وحتى الاحتيال، أو من نقص حظّه ولم يَنْمُ ماله؛ مقارنة بـ«مهنة» التي تعني الحذق بالخدمة والعمل وحتى الابتذال. والمهنة بفتح الميم، وإن جرت على ألسنتنا جميعا بالكسر، كما في الحديث «السهل يوطأُ ويُمتهن» أي يداس ويبتذل.
وربّما لا تفسير لذلك سوى أنّ السعادة تقترن بالرغبة أي ما هو مرغوب فيه. على أنّ الرغبة ليست في ما يعوزنا، وإنّما في ما هو في متناولنا أو ما هو «أمر واقع» حيث للسعادة حدود مثل ضمان السّلم والأمن والطّمأنينة، وتدبّر شؤون الجماعة ديمقراطيّا.
وهذه مسألة قد تكون أعلق بالفرد، وهناك أفراد كثيرون سعداء في كلّ المجتمعات، أو يتهيّأ لهم ذلك. على أنّ هؤلاء مهما يكنْ نصيبهم من السعادة، ليسوا بمنجاة من التحوّلات الوافدة على مجمل القيم التي لا يزال الفكر البشريّ يجريها مجرى الوجود، إمّا لرمزيّتها المجرّدة، أو لانتسابها إلى مجال الغائيّة.
وأعود في خاتمة هذه الإطلالة على «حرفة الحزن» إلى يوسف الصائغ؛ فأنا لا أزال أتذكّر هذه القصيدة وهو ينشدها، ونحن في بيت الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم عمر (1929 ـ1993) في مهرجان جرش: «حين أعود إلى بيتي كل مساء/ يخرج حزني من غرفته مرتدياً معطفه الشتويّ/ ويسير ورائي/ أمشي يمشي/ أجلس يجلس/ أبكي يبكي لبكائي/ حتى ينتصف الليل ونتعب/ إذّاك أرى حزني يسبقني/ يدخل للمطبخ/ يفتح باب الثلاجة/ يخرجُ قطعةَ لحم سوداءِ/ ويعدّ عشائي». وقد لاحظت له بلطف أنّه على ما يبدو توخّى كسر كلمة «سوداء» لضرورة التقفية، لكن على مقتضى ما يسمّيه النحاة «الخفض على الجوار»، وهو أن يجرّ الاسم لمجاورته لكلمة مجرورة، وليس على مقتضى القاعدة النحويّة؛ فيما الصواب فتح الهمزة، لأنّ «سوداء» نعت لكلمة «قطعة». والحقّ لم يتقبّل ملاحظتي، إلاّ بعد تدخّل من عبد الرزّاق عبد الواحد الذي ساندني؛ وقال الصائغ بعد صمت قصير إنّه سيصوغها إذن على هذا النحو: «يأخذ من قطعةِ لحم سوداءِ». ولا أدري إن كان فعل ذلك؟
*كاتب من تونس