فنٌ تراثي تقليدي مُحكم… أيقونات تشبهنا وتؤكد سرديتنا مدعاة لافتخار بلادنا بهذا الفن المتأصل
بيروت ـ «القدس العربي»: «كما في السماء كذلك على الأرض» أيقونات من القدس تُعرض للجمهور، ولأول مرة في بيروت في دار النمر للفن والثقافة. 58 أيقونة من مقتنيات رامي النمر تأهبت على مدار ست سنوات لتكون بمتناول جمهور يجهل هذا الفن الآتي من أرض المسيح، إلى أن كان الإفتتاح في آب/أغسطس الماضي، والمعرض مستمر إلى 17 كانون الثاني/يناير 2026.
مفاجآت مذهلة يتضمنها المعرض منها خريطة من ستة أجزاء للأراضي المقدّسة، من إعداد جوهانس جانسون وجورجيوس هورنيوس، تعود للعام 1662/هولندا/ حبر على ورق. فيما حملت غالبية الأيقونات تعريف «تمبرا على خشب»، وقليل منها بالألوان المائية على ورق، أو بالزيت على قماش. وبعضها نفّذ بتقنية طباعة حجرية على حرير. ومجموعة الصلبان التي تعود لأواخر القرن الثامن عشر فهي من عرق اللؤلؤ، وخشب الزيتون وعظم.
يرافق زائر المعرض كاتالوغ مدقق، بحيث تتميز الزيارة بقيمة عالية على مختلف المستويات. «القدس العربي» سألت القيم على المعرض الدكتور محمود زيباوي: لماذا غابت عنّا إلى حينه كل هذه الدهشة التي تختزنها الأيقونات الآتية من الأرض المقدّسة في فلسطين؟ فهل نحن مقصّرون؟
• ليس تقصيراً مطلقاً. يحتاج التراث إلى تعريف. إنها مجموعة خاصة، والمعرض يتميز بالأيقونات وإلى جانبها شواهد فنية أخرى، تلتقي جميعها على كونها من فلسطين ومن الأراضي المسيحية المُقدّسة. والأراضي المقدّسة تشمل كل أرض وطأتها قدما المسيح، وهي فلسطين ومحيطها. ويتمثّل القسم الأول بمجموعة الأيقونات، وهو تراث مشترك لدى المسيحيين الشرقيين، وتراث خاص بالكنيسة الأرثوذكسية التي تتبع الطقس البيزنطي. تشبه الأيقونات الخط العربي أو نسج السجّاد، فهي فنٌ تراثي تقليدي مُحكم، ثُبّت منذ القرن الثامن. يمكن تشبيه هذا التقليد بالشجرة، حيث أحد أغصانها وهو مدرسة القدس والتي نعرفها من توقيع «القدسي». وبعد زمن طويل من عدم التوقيع باتت الأيقونات تحمل «رسمها بيده الفانية فلان». ومن أغصان مدرسة القدس عائلة حلبية تعاقبت لأربعة أجيال في القرن الـ19 وفي الحقبة العثمانية، وهم يوسف، ثمّ نعمة، ثمّ حنانيا وأخيراً جرجس. وكذلك الرسّام حنا القدسي من القدس، ونعمةالله الحمصي، ومخائيل الدمشقي، وجميعهم كان لهم تواقيعهم، ويمثلون الفن البيزنطي التقليدي. وحنا القدسي ظهر في الفترة عينها وله أسلوب الرسم البيزنطي التقليدي نفسه. ويتضمّن المعرض عدداً من الأيقونات تعود للقرن الـ19 من فلسطين. اللافت أنه وفيما بعد ظهرت طائفة من الرسّامين جميعهم يوقعون بإسم القدسي أو الأورشليمي، ويمثّلون مدرسة خاصة، أي لوناً خاصاً بهذا الفن المشترك. ولدى مقارنتهم بمن سبقهم يمكن الحصول على الميثاق عينه. على سبيل المثال أيقونة السيدة العذراء، وأيقونة جاورجيوس اللابس الظفر، أو أيقونة النبي إلياس، التأليف واحد والأسلوب يختلف، فهو خاص بهذه المدرسة، يظهر أكثر استدارة وأكثر طفولية، وفن أقل صرامة مما سبق. إنها مدرسة خاصة، ومجموعة تُمثّل هذه المدرسة. وإلى جانب هذه المجموعة ثمة مجموعة أخرى تتمثّل بخمس لوحات من الحجم الكبير، جميعها ذات تقليد يقع تحت تسمية «تذكارات من الأراضي المقدّسة». الناظر إلى أي من هذه اللوحات الخمس سيرى مجموعة أيقونات في أيقونة واحدة. في الواقع هي طبوغرافيا للديار المقدّسة. لافت في هذه اللوحات الخمس أنها لا تتشابه، وليست متطابقة أو متماثلة.
○ لماذا ندرة المراجع عن فن الأيقونة؟
• حتى الستينيات من القرن الماضي استمرت النظرة إلى هذا الفن على أنه تَقَوي ديني، وقيمته الفنية غير معروفة، تمّ اكتشافه في زمننا، رغم المعرفة القديمة به. الكتاب الأول والوحيد عن هذا الفن عنوانه «الأيقونات والصور المقدّسة»، صدر في شباط/فبراير سنة 1967. وفي زمننا بتنا في طفرة محترفات لتعليم هذا الفن، وقد يكون لكل كنيسة محترفها الخاص.
○ والمحترفات الجديدة ما تزال تنهل من التقليد؟
• نعم الأيقونة هي فن التقليد، وفيه أصول واحدة، جامعة ومشتركة. البيزنطي منه مشترك كما في سوريا واليونان والبلقان. وقبل سنوات نُظّمَ معرض بعنوان الأيقونات الألبانية.
○ متى شعرت بمتعة تنظيم هذا المعرض؟ ومتى شعرت بالإجهاد؟
• كنت سعيداً بهذا العمل كونه ميداني. شعرت بالقهر لأننا تأخرنا ست سنوات عن افتتاحه بسبب الأزمة المالية، ومن ثمّ كورونا، والحرب على غزّة التي أشعرتنا بضرورة التمهّل. وحتى قبيل الإفتتاح كنت حذراً ولم أعلن عنه على صفحتي، خشية حدث مفاجئ يحول دونه.
بانا ماضي: الأيقونة
«نافذة إلى وطني المحتل»
وفي إجابتها على أسئلتنا وضعت الباحثة في الإثنوغرافيا بانا ماضي مضمون الأيقونات في إطار بيئتها.
○ كم يعبر المعرض عنا كمشرقيين؟
• سأعطيك موقفا حصل معي في عملي الميداني خلال كتابتي لإثنوغرافيا عن نساء طائفة الروم الأرثودوكس في بيروت والناصرة في حوار مع رواية «كأنها نائمة» للروائي إلياس خوري، وهو موقف حصل مع الحجة أغاثي، راهبة لبنانية في دير سيدة الدخول في الأشرفية، لأب من سوريا، وأم من كفركنا في الجليل الفلسطيني. كنّا نقف حيال أيقونة الدير الأورشليمية العجائبية من القدس. وهي أيقونة للعذراء مريم ومعها الطفل يسوع. ختمت الراهبة صلاتها لها وقالت لي: أنظري إليها جيداً.. حدِّقي في لونها إنها سمراء تُشبهنا.. ملامحها كملامح أمهاتنا. العذراء مثلنا فهي من الناصِرة. استنتاج تلك الراهبة الأرثودكسية موجود بكثرة في معرض «كما في السماء كذلك على الأرض». فوجوه الأيقونات تشبهنا ما يضفي ألفة مع الفن الذي نحن بصدده. ألفة تؤكد سرديتنا، بأن السيد المسيح يجب وبالضرورة أن يكون شبيهاً بالأرض التي ولد فيها، فمن أين لونه الأشقر وعيناه الزقاوين؟ الراهبة تحدّثت بتلقائيتها، ولم تسع إلى خطاب نقدي بل كانت مفعمة بالحب والانتماء.
○ إلى أي مدى تقرأين في هذا المعرض حياة الناس في القرنين الـ16 و17؟
• يمكن قراءة تاريخ وحياة الناس في تلك الحقبة من خلال الأيقونات بالذات الطوبوغرافية منها التي تُشكّل نوعاً من الخرائط للأراضي المقدسة. وفي تلك الأيقونات سردية متكاملة تشكل نقطة ارتكاز في أطروحتي للدكتوراه، حيث أحاول قراءة السردية المناهضة للاحتلال التي تتضمنها كل من هذه الأيقونات. وفي دراسة هذا النوع من الفن نعود بالضرورة لحركة الحجيج والسياحة الدينية والتذكارات التي كانت تُصنع في الأراضي المقدسة وتنطلق منها إلى العالم أجمع. الأيقونة المقدسية قصة متكاملة، بداخلها حال الناس والبلاد.
○ هل يصح القول بأن معارض مماثلة تروي فناً إيمانياً تَقوياً فقط؟
• برأيي، الفن الحقيقي ليس شيئا واحداً فقط. بدءاً من الأيقونة وصولاً إلى الفن التجريدي. بالتالي، معرض الأيقونات يحمل حتما معنى إيمانيا لكنه لا ينحصر في هذا المعنى وحسب. بل لعله الفن الأكثر زخما بالمعاني والجماليات التي لا تنحصر في إطار لاهوتي. أتوقف هنا على استعارة شائعة في اللاهوت المسيحي الشرقي تقول إن «الأيقونة نافذة إلى السماء»، لكنني عندما أنظر إلى الأيقونة المقدسية أرى فيها نافذة على وطني المحتل. مثلا، استكمال بحثي يفرض زيارة القدس لمعاينة أيقوناتها في سياقها المكاني، والاحتلال يمنعني من دخول فلسطين. لهذا أضطر إلى تشعيب جغرافيا الميدان لتمتد إلى أماكن بعيدة عن الوطن الأصلي لي وللأيقونة. معرض دار النمر لأيقونات القدس كنز فني فلسطيني يحكي فن وحضارة البلاد.
○ وهل يُعبّر في مكان ما عن مراحل من حياة الشعوب كون الفن مرآتهم؟
• بالتأكيد، وبالذات عند النظر إلى أيقونات القديسين المحليين كما إيليا الحمصي الحاضر في أيقونات المشرق فقط. وهو قديس سوري من مدينة حمص، دخل عالم الطبابة وشفاء المرضى، وله مزار في حمص، ولكن للأسف وبسبب كل ما حصل ولا يزال يحصل في سوريا لسنا على يقين بأنه باقٍ، إنما الأيقونة باقية لتحكي لنا وللعالم قصته. وهناك قديسون محليون آخرون تعود جذورهم إلى بلادنا كالقديس جاورجيوس، ونعرفه بالخضر في الثقافة الإسلامية، وهو لأم من مدينة اللد الفلسطينية. إضافة إلى النبي إلياس وأصله من الجليل الفلسطيني. وترتكز أهم معجزاته على جبل الكرمل الذي يسمى أيضا بجبل مار إلياس. هؤلاء القديسون أصحاب الأرض والحكاية حاضرون في أيقونات الطوبوغرافيا في القرنين الثامن والتاسع عشر، التي تروي تاريخ وجغرافيا الأرض والناس.
الأب بولس وهبه:
جهد جبّار أنتج هذا المعرض
الأب الأرثوذكسي والأستاذ الجامعي بولس وهبه مسؤول كنيسة رئيسي الملائكة مخائيل وجبرائيل في المزرعة/بيروت، شاركنا رأيه في المعرض:
○ ماذا قرأت في معرض أيقونات من القدس في بيروت؟
• بدءاً تحية للجهد الجبّار الذي أدى لولادته خاصة في الظروف التي نمرّ بها. هو حدث ضخم من حيث نوعية الأيقونات، إنها مجموعة خاصة بالصديق رامي النمر (المسلم) إن صحّ التعبير. أن يقتني مجموعة تمثّل الديانة المسيحية، دليل على عمق ثقافته، وشمولية نظرته. رامي النمر يعتز بجذوره الفلسطينية ويهتم بالإضاءة على كل جمال متصل بتاريخ الفن في وطنه، وبخاصة المقدسي. للمعرض قيمته العالية، ومتميز بعنوانه «كما في السماء كذلك على الأرض»، وهي جملة ترد في صلاة «أبانا الذي في السموات..»، الأكثر تلاوة من المؤمنين المسيحيين والتي علّمها المسيح لتلاميذه. اختيار القائمين على المعرض، وهم مسلمون، عنواناً يُرَدَّد في صلاة المسيحيين لافت وبإيجابية أكبر أمام حدث فني تُقوي. ومن المهم أن يحظى المعرض بإضاءة إعلامية كبيرة، ليتعرّف إليه أكبر عدد من الناس. من جهة أخرى يصار عادةً إلى ربط الأيقونة بالتراث البيزنطي أو اليوناني والروسي وغير ذلك. هذه الأيقونات نُفّذت في القدس ومحيطها، وتحمل طابعاً فنياً فريداً من نوعه لا يشبه الأيقونات البيزنطية إلاّ في العناوين الكبرى والأصول اللاهوتية. نوعية الرسم والوجوه مدعاة لافتخار بلادنا بهذا الفن، وهو ليس ملكاً لليونانيين أو الروس، بل متأصل في تراثنا. هنا تجدر الإضاءة على إسهام الدكتور محمود الزيباوي (المتخصص بالأيقونة والوجوه)، وقد سبق أن أصدر كتاب «الأيقونة» بالفرنسية ثمّ بالإنكليزية، ويُصنّف أول وأهم الكتب عن تاريخ وفن ولاهوت الأيقونة. في هذا الكتاب استخدم أيقونات من سوريا ولبنان والمحيط. وفرادته بعدم اللجوء إلى أيقونات غربية أو يونانية.
○ ما هي حدود احتفاظ مدينة القدس القديمة بفاعليتها وتأثيرها في استمرارية فن الأيقونة؟
• للقدس رمزيتها وهي ليست بحاجة لأن نضيء عليها كمدينة للديانات التوحيدية الثلاث. لكنها بالنسبة للمسيحيين جوهر وجودهم التاريخي. فمن القدس انطلقت المسيحية، وأهل القدس يشعرون بأنهم معنيون بالمسيحية ومهدها واستمراريتها. أن تكون أيقونات المعرض صادرة عن مقدسيين، فهذا دليل على عمق وتجذّر أهل المدينة بفلسطين عامة وبالقدس خاصة. أسلوب الرسم في الأيقونات يتميز بالطفولة والبساطة أحياناً، ويتناغم مع أيقونات أخرى صدرت خاصة من المدرسة الحلبية. أيقونات تُبرز الاختلاف بالرغم من الالتزام بالقواعد.
○ منذ بدايات فن الأيقونة إلى زمننا ما هي المتغيرات التي طرأت على أهدافها كعمل يؤرّخ لمرحلة دينية؟
• يمكن الحديث عن المتغيرات من دون تحديد الحقب. ظهرت الأيقونة في تاريخ المسيحية بدءاً من القرن الرابع، ولأسباب عديدة. في بداياتها تميز رسم الأيقونة بالبساطة. يمكن تسميتها بتصاوير تمثل المسيح وأحداث الكتاب المقدس والقديسين، وتطورت مع الوقت. تعرّضت الأيقونة لاضطهاد كبير بين القرنين السابع والثامن. بعضهم نظر إليها كصنم، فيما هي للإكرام وليست للعبادة. يتوجه المسيحي أمام الأيقونة إلى المرسوم عليها. تطور الأيقونة تمثّل بأنماط مختلفة، سواء في القسطنطينية أو الفن القبطي المصري، أو المقدسي والحلبي واليوناني ألخ. الفريد الذي أذكره أن الكنيسة الأرثوذكسية تعتمد تعبير كَتَبَ أيقونة وليس رَسَمَ أيقونة. في اللغة اليونانية كتب ورسم لهما المعنى نفسه، وتالياً يعتبر من يكتب الأيقونة وكأنه يكتب البشارة أي الإنجيل (وكلمة إنجيل تعني البشارة السارة في اليونانية). في الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تُعتبر الأيقونة إنجيلاً باللون، والكتاب إنجيلاً بالحرف. ففي العصور الأولى كان الإلمام بالكتابة والقراءة محدودا، فكانت الأيقونة تشرح الحدث بواسطة رموز تتضمنها. لهذا ومع مرور الزمن بات للأيقونات قواعد فرضت ذاتها بذاتها. مثلاً في رسم القديسين تظهر الهالة الذهبية فوق رؤوسهم، وتوحي بأن القديس يطلّ من عالم النور. بينما رسم المسيح يُظهر صليباً في داخل الهالة لكونه صُلب. وفي رسم العذراء توضع نجوم ثلاث على كتفها الأيسر للقول «يا من هي قبل الولادة وبعد الولادة عذراء». رغم الاختلاف في بعض التفاصيل ثمة شعور بأن كاتبي الأيقونات يتبعون تقليداً غير مفروض، إنما بات جزءاً من هوية الأيقونة.
○ هل من مدارس تُعلّم فن الأيقونة في لبنان؟
• بالتأكيد والأبرز من بينها جامعة الكسليك، وفيها كذلك محترف لترميم الأيقونات، إلى كثير غيرها من معاهد أخرى لتعليم حرفة رسم الأيقونة، إضافة إلى الكثير من كاتبي الأيقونات في بلادنا.