غزة ـ «القدس العربي»: في زقاق ضيق شمال مدينة غزة، وقف الثلاثيني أحمد جبر يحمل بيده حقيبة صغيرة، وفي عينيه انعكاس مرارة التجربة. منذ أسبوعين لم يذق طعم النوم إلا ساعات متقطعة، فالمدفعية الإسرائيلية لا تكف عن قصف محيط منزله، وطائرات «الكواد كابتر» تحوم فوق الخيام وتطلق النار عشوائيًا. أحمد، الذي فقد عمله منذ الأشهر الأولى للحرب، لم يعد يملك سوى قوت يومه وبعض الملابس التي جمعها على عجل. يردد بمرارة: «الوضع لم يعد يحتمل، حتى الشوارع لم تعد تأوينا».
وين نروح؟
خلال ليلة واحدة فقط، اضطر أحمد إلى قرار لم يكن يتخيله: النزوح إلى المجهول يقول لـ«القدس العربي» وهو يلتقط أنفاسه: «الناس تبيع أثاثها في الشوارع كحطب، عشان تقدر توفر تكاليف النزوح. كل شيء هنا صار مكلفًا حتى الموت». فقد كل عائلته في مجزرة سابقة لجيش الاحتلال خلال الأشهر الأولى للحرب. دفن 20 من أقاربه بأيديه المرتجفة، بينما بقي 20 آخرين تحت الأنقاض. لم يعد أمامه إلا الخروج، لكنه لا يعرف إلى أين.
يحاول الناجي الوحيد من عائلته أن يبدو متماسكًا، لكنه ينهار حين يسمع سؤال: وين نروح؟ هذا السؤال، كما يقول، بات أشد وقعًا من أصوات القذائف، إذ يضعه أمام حقيقة مرة لا يعرف لها إجابة. جنوب القطاع مزدحم بالنازحين، والوسط كذلك، وحتى الأراضي المؤجرة ارتفعت أسعارها بشكل مبالغ فيه.
يحكي أحمد أنه فكر باستئجار رافعة خاصة لينتشل جثامين أقاربه المدفونين تحت الركام، لكن المناشير التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية أجبرته على ترك الفكرة. يعلّق بصوت مبحوح: «أدفن أهلي ولا أنجو بروحي؟ سؤال يعصر القلب ولا جواب له».
معاناة أحمد ليست سوى صورة صغيرة من واقع قاسٍ يعيشه الغزيون طوال 23 شهرًا. واقع يضعهم دائمًا بين خيارين كلاهما مُر: النزوح أو الموت. وزارة الصحة في غزة أعلنت أن مستشفيات القطاع استقبلت في يوم واحد (يوم الخميس 4 ايلول/سبتمبر 2025) 84 شهيدًا و338 إصابة، معظمهم من النساء والأطفال.
وأشارت الوزارة إلى أن حصيلة العدوان منذ السابع من أكتوبر 2023 ارتفعت إلى 64231 شهيدًا و161583 إصابة، فيما بلغ عدد الشهداء منذ الثامن عشر من اذار/مارس 2025 حتى اليوم 11699 شهيدًا و49542 إصابة.
وسط هذه الأوضاع، يتكدس النازحون على الطرق المؤدية إلى غرب وجنوب قطاع غزة، بينما ترتفع أسعار النقل بشكل غير مسبوق. وفي الوقت ذاته، تحولت المحافظة الوسطى (دير البلح) إلى قبلة للنازحين، رغم أن كثيرًا منهم يعود خائبًا لعدم وجود مكان يقيم فيه.
تقول مصادر محلية إن آلاف العائلات التي نزحت عقب بدء العمليات العسكرية في مدينة غزة يوم 10 آب/أغسطس، عادت مجددًا إلى المدينة بعد أن فشلت في العثور على مأوى، لتجد نفسها مرة أخرى بين أنقاض المنازل والتهديدات المستمرة. هكذا يتحول النزوح إلى حلقة مفرغة، عنوانها الخوف والمجهول.
نزوح باهظ إلى اللا مأوى
الأربعيني محمود عبد الهادي يسرد رحلته مع النزوح كأنه يروي فصولًا من مأساة لا تنتهي. «نزحنا أربع مرات داخل غزة نفسها، وكل مرة نقول يمكن هنا يكون أمان. لكن ما في مكان آمن». اليوم يستعد مع عائلته للانتقال إلى دير البلح، بحثًا عن قطعة أرض صغيرة ينصب عليها خيمته. لكنه غير متأكد إن كان سيجد مكانًا أصلًا.
محمود يقول لـ «القدس العربي» إن الأسعار أصبحت فوق طاقة الناس، إذ يتم تأجير قطعة أرض صغيرة بمبلغ خمسة آلاف شيكل شهريًا. يصف الوضع بقوله: «النزوح أصعب من الموت، لأنك تعيش الخوف والجوع والتشرد، ولا تعرف مصيرك». زوجته ترفض الفكرة لكنها تخضع لضرورات حماية الأطفال. «إذا ما لقينا مكان، نرجع على غزة، نرجع للموت اللي تركناه»، يقول محمود بلهجة ممتزجة باليأس والعجز.
الخمسيني علي حماد يشارك هو الآخر حكاية النزوح. يقول: «نرفض الخروج من شمال غزة، لكننا لا نتحمل أن نعرض أولادنا للخطر. طوال الليل في روبوتات متفجرة وقصف مدفعي وطائرات كواد كابتر ترمي قنابل».
علي يؤكد لـ«القدس العربي» أنهم لم يستسلموا لفكرة النزوح إلا بعد أن أصبحوا في مرمى الخطر الشديد: «المجاعة هنا أصبحت متفاقمة جدًا، والقصف عنيف». يوضح أن تكلفة السيارة التي تنقل أغراضهم وصلت إلى 1500 شيكل، أي ما يعادل 400 دولار، وهو مبلغ يعجز عن دفعه دون مساعدة الأقارب، ورغم ذلك ينتابه الشك عما إذا كانت الرحلة ذهابًا فقط: «قد نرجع مرة أخرى إلى مدينة غزة لو لم نجد مكانًا».
جرح مفتوح
قصة الثلاثيني أحمد جبر تحولت إلى رمز لسؤال يتردد على ألسنة الجميع في مدينة غزة: وين نروح؟… فقد دفن نصف عائلته فيما بقي النصف الآخر تحت الأنقاض، وهو بين اختيارين صعبين: أن يظل يبحث عن جثامين أحبته أو أن ينقذ ما تبقى من نفسه.
يقول: «كل ما أسمع كلمة وين نروح، أشعر بالرعب وأن قلبي سيتوقف. هي أصعب كلمة في هذه الحرب. لا ندري ماذا نفعل؟! حسبي الله ونعم الوكيل».
الخمسيني إسماعيل سلامة جلس في خيمته بمدينة غزة يفك أوتادها، استعدادًا لرحلة النزوح من حي الشيخ رضوان. يشير إلى بقايا رصاص جمعها طفله من جوار الخيمة: «هذه عينة مما يحدث معنا. جيش الاحتلال يقصف البيت المجاور لنا، وتسقط علينا فوارغ الطلقات والقذائف». يشير إلى تجمعات النازحين قرب بركة الشيخ رضوان: «هنا سقطت طفلة شهيد وأصيب شخصان آخران. الاستهدافات لا تهدأ».
يقول إسماعيل لـ«القدس العربي»: «خسرت أثاث بيتي كله، ولم يبق عندي سوى هذه الخيمة. إذا تركتها لن أجد مكانًا أبيت فيه مع أولادي». يتجهز للانتقال إلى الوسطى، لكنه يعترف: «والله ما بعرف وين رايح بالوسطى. في مكان ولا ما في؟». يترك السؤال معلقًا في الهواء، بلا جواب.
الستينية أم فايز حمد، نازحة أخرى، ترفع صوتها بالبكاء: «نزحنا من كل المناطق. طب وين نروح؟». تضيف وهي تشير إلى دار صغيرة تأويها: «أنا ساكنة عند سلفي بعد ما دمروا بيتي. الجنوب مغلق في وجهنا». تطلق تنهيدة طويلة وتقول لـ«القدس العربي»: «هم بدهم ننزح؟ طيب يوفّروا لنا مكان. إحنا مش عارفين وين ننزح. أنا ست عجوزة، وين أروح؟».
وكانت إسرائيل قد بدأت هجومها الواسع على مدينة غزة في اليوم العاشر من آب/اغسطس 2025، بزعم القضاء على المقاومة في منطقة شهدت معارك هي الأعنف لجيش الاحتلال خلال المرحلة الأولى من الحرب. ودُمر جزء كبير من المدينة خلال أسابيع قليلة في خريف 2023، بعدما كانت موطنًا لمليون إنسان قبل الحرب. وعاد مئات الآلاف من النازحين إلى أنقاض عاصمة القطاع بعد التهدئة التي وقعت في شهر كانون الثاني/يناير 2025 ونقضها الاحتلال بعد أقل من شهرين.
والآن ومع تزايد أوامر الإخلاء، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن 70 ألفًا غادروا المدينة، لكن مسؤولين فلسطينيين يؤكدون أن أقل من نصف هذا العدد فقط هو من نزح بالفعل، فيما ما زال عدة آلاف عالقين في طرق النزوح أو محاصرين بين خطوط النار.
المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي يستهدف تجمعات من المواطنين في مختلف أنحاء مدينة غزة بالأحزمة النارية. موضحًا أن أكثر من خمسين إصابة وصلت المستشفيات، يوم الخميس 4 ايلول/سبتمبر 2025، بينها حالات بتر لأطفال ونساء وشيوخ.
ويضيف، في تصريح لـ«القدس العربي»، أن جيش الاحتلال يستخدم الطائرات المسيّرة «الكواد كابتر» في إطلاق النيران على المدنيين بشكل عشوائي، بينما تُزرع الروبوتات المتفجرة وسط الأحياء وتفجرها بين الحين والآخر.
ويشير إلى أن طواقم الدفاع المدني عاجزة عن الوصول إلى كثير من الضحايا تحت الأنقاض أو في الطرقات بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال، مؤكدًا أن هناك ضحايا لم يُنتشلوا منذ الأيام الأولى للحرب.
وفيما يتعلق بالنزوح، يشدد متحدث الدفاع المدني على أن التحذيرات الإسرائيلية لا تعني وجود بدائل آمنة، قائلا: «لا يوجد أماكن تتسع لكل المواطنين. حتى المنطقة التي يسمونها إنسانية في المواصي ليست آمنة. قطاع غزة كله أصبح مكانًا يفتقد للأمن، ولا مأوى فيه يضمن السلامة للمدنيين».