يولد سليم بطل رواية «أطفال منتصف الليل»، مع آلاف من أمثاله، مع دقات منتصف الليلة، التي أعلن فيها استقلال الهند عام 1947، فيصبح جسده وعقله رمزا للأمة وتاريخها وتمزّقاتها، ويتلقّى الضربات النفسية والجسدية، مع توالي الحروب والمجازر وأهوال التقسيم.
تصّدع الأزمات المتتالية وحدة «أطفال منتصف الليل» مع أزمات الهند وباكستان وبنغلادش، يفقد سليم ذاكرته، ويجرّ إلى حملات عسكرية، بعد أن صار مقيما في باكستان، ثم يعقّم، مثل جميع نظرائه، في عهد أنديرا غاندي، وتسحق قدراته السحرية ويصبح عاجزا ومنهكا، ولا يتبقى له سوى الذاكرة والرواية.
وُلد الياس خوري في عام نكبة فلسطين، وأصبح عقله وجسده رمزا لهذا الحدث التاريخي الهائل التأثير في المشرق العربي، فامتزجت، كما حصل مع بطل سلمان رشدي، أحداث التقسيم والتهجير بتاريخه الشخصي، وشهد حروب المنطقة وانكساراتها الكبرى، وصولا إلى وفاته، في الوقت الذي كان فيه لبنان يتعرّض لحرب مدمّرة تشنّها إسرائيل.
يقاتل خوري، مثل سليم، ويُصاب بجرح وعطب في إحدى عينيه، ويقوم كلاهما بالنجاة عبر سرد القصة، وربط فعل التذكر بحاجة الأمة إلى فهم ذاتها. يتحوّل العمى الجزئي عند خوري إلى استعارة مضيئة لأسلوبه الروائي، حيث ترفض أعماله وجهة «نظر» واحدة عارفة بكل شيء، وتعيد نسج البعد التخاطري لأفراد الجماعة (الذي فقده أقران سليم نتيجة القمع)، مقدمة التعدد الصوتي، حيث تجمع الحقيقة الشظايا المتكسرة التي طيّرتها الانفجارات والكوارث.
فلسطين، بهذا المعنى، كانت العطب المركزي الذي أصاب الهوية العربية الحديثة، وكان فحص هذا العطب رؤية للفشل العام، ومدعاة للبحث عن طرق للمعاناة التي لم يتم حلها. تقدّم رواية «باب الشمس» (1998) مثالا عن هذه الفكرة حيث تربط الشخصي بالتاريخي، والحدث الصغير بالعالم، حيث «الذاكرة عبء قاتل وأمل يُحيي». وفي تناوله للحرب الأهلية اللبنانية، في «الجبل الصغير»، يفتح خوري أيضا العلاقة بين المحلّي والعالمي، حيث تتحطم الأفكار السياسية الكبرى على وقع التحام الوقائع البشرية الصغيرة، ويعيد الإشارة إلى العلاقة العضوية بين الكتابة والذاكرة.
تناقشنا مرة في مكتب «القدس العربي» في لندن، رفقة رئيسة التحرير سناء العالول، وكان شديد الصراحة سياسيا وشخصيا، جامعا كثافة المثقف الواسع المعارف بلطافة الصديق الطيب. حزنت وقتها لأنني ضيّعت الفرصة لأصارحه أنا أيضا، ولعل هذه الزاوية القصيرة ستكون شهادتي عن سبب اعتباره بطلا شخصيا لي.
نحت وليد نويهض في كتاب له عنوانا جميلا هو: «النخبة ضد الأهل»، وشرح فيه أسباب العطب الكبير الذي أصاب المثقفين العرب حيال الجماعة البشرية التي ينتمون إليها. إلياس خوري، كان من القلّة القليلة جدا التي لا ينطبق عليها هذا الوصف، وذلك بجمعه صفات نادرة، حيث تكون الثقافة في خدمة الأهل، وضد الاستبداد بكل أشكاله، وكان في كل ذلك ديمقراطيا لا يرفع مقام الأيديولوجيا على الحقيقة، ولا يبرّر القتل والقمع والتوحّش حتى ضد خصومه.