ثنائية السرد والشعر في مشروع إلياس خوري: الحفر في ذاكرة من حجر

منذ أن أطلق إلياس خوري (1948-2024) روايته الأولى «الجبل الصغير» عام 1977، لم يكن مجرد كاتب يسجل وقائع بيروت الممزقة، بل كان بمثابة حَفّارٍ في قلب الكارثة، يسعى لاستخراج لغة من بين الأنقاض. إنها لغة لا تكتفي بتمثيل الواقع، بل تُعيد إنتاجه وتفكيكه في آن واحد. ففي خضم الحرب الأهلية، حيث تتهاوى الأجساد وتتفتت الذاكرة، تتحول الشوارع، البيوت، وحتى الهمسات، إلى نصوص مضادة تُشيّدها رصاصة تُعلن نهاية زمن وبداية تاريخ آخر يُكتب على جدران الخراب. لا يمكن قراءة أعمال خوري بمعزل عن فهمها كـممارسة سياسية بالمعنى العميق للكلمة. فالرواية عنده ليست مجرد حكاية، بل هي ساحة صراع وجودي بين السرديات الرسمية التي تُقصي الأفراد وتُصادر حكاياتهم، وذاكرة الهامش التي ترفض الانطفاء. كل شخصية، كل جرح، كل كلمة في نصوصه، هي بمثابة صرخة خافتة ضد العدم، محاولة يائسة ولكنها حيوية لإعادة ترتيب الفوضى في نص يحتفي بحيوات أولئك الذين طمسهم التاريخ الرسمي.
ففي «الجبل الصغير»، لا يعود السرد ذاكرة فردية، بل هو ذاكرة جماعية للمدينة ذاتها، يتشكل فيها المشهد من تقاطع الأصوات والأشياء، لتنبض اللغة بالصوت الداخلي للخراب، وتُجبر القارئ على مواجهة الوعي والعاطفة في رحلة بين الحضور والغياب.

الكتابة فعل وجودي: الرواية ضد الذاكرة المنتقاة

ليست روايات إلياس خوري مجرد سجلات تاريخية، أو استدعاءات للماضي من باب الحنين الرومانسي. إنها بالأحرى جبهات فكرية مفتوحة في وجه النسيان، ومنصات حقيقية لمساءلة التاريخ، حين يُصاغ من منظور الغالب. إن السرد عنده هو فعل مقاومة جذري، يتجاوز مجرد الوصف ليصبح نقيضا للنسيان. هو يرفض أن تُترك الذاكرة نهبا للعتمة أو للتأويلات الرسمية التي تُمحِي تفاصيل الضحايا لصالح سردية الأقوياء المنتصرين. في هذا السياق، تتحول الرواية إلى ممارسة وجودية، حيث يصبح فعل الكتابة معادلا للعيش ذاته، وكأن كل كلمة هي محاولة يائسة ولكنها حاسمة لإنقاذ إنسان من براثن الغياب. تتجسد هذه الرؤية بشكل واضح في تحفة خوري، رواية «باب الشمس» 1998 هذا العمل ليس مجرد قراءة تاريخية للنكبة الفلسطينية، بل هو مرثية وجودية لجرح أبدي يتناسل عبر الأجيال.
الرواية لا تُقدم النكبة كحدث مضى وانقضى، بل كحالة مستمرة، كجرحٍ مفتوح يتنفس عبر عيون اللاجئين وأصواتهم. تتحول اللغة هنا إلى ملجأ أخير، وإلى بيت بديل عن البيوت التي دُمرت. لا يمكن للرواية أن تُعيد الأرض، لكنها تستطيع أن تُعيد تشكيل الذاكرة، وأن تُحوّل البوح إلى وسيلة لاستعادة وطنٍ لا يزال حيا في الوجدان. في «باب الشمس»، يؤكد خوري على غياب الحقيقة الواحدة، أو الرواية النهائية. هو يدرك أن التاريخ الرسمي هو دائما تاريخ المنتصر، وأن سرديات الضحايا غالبا ما تُهمل أو تُطمس. لذا، يُقدّم بدلا من ذلك سلسلة من الشهادات المتعارضة والمتكاملة، التي تُشكل معا نسيجا إنسانيا عميقا. الرواية إذن ليست عن «حقيقة» واحدة، بل عن تعدد الحقائق، وعن الأصوات المقموعة التي ترفض أن تظل صامتة. إنها تُعطي صوتا للذين لا صوت لهم، وتُعيد إليهم إنسانيتهم التي حاول التاريخ الرسمي أن يسلبها منهم.

اللغة قوة مضادة: الكلام فعل خلاصي

يمكن النظر إلى مشروع إلياس خوري على أنه ليس مجرد عملية سردية، بل عملية حفر أركيولوجي في ذاكرة من حجر، حيث يسعى إلى استخراج شظايا من الحكايات التي يمكنها أن تضيء العتمة. هو لا يكتب ليعيد الماضي كما كان، بل ليعيد تأسيسه على قاعدة صلبة من الوعي والشهادة، وهو بذلك يعلن أن اللغة ليست أداة محايدة للتعبير، بل هي قوة مضادة للنسيان. في عالم تختزل فيه الأيديولوجيات والسلطات الإنسان إلى مجرد رقم أو جثة مجهولة، يأتي السرد ليعلن بوضوح أن كل حياة هي قصة فريدة، وكل قصة تستحق أن تروى وتحفظ. هذا هو جوهر الفعل الوجودي للكتابة عند خوري: إنقاذ الإنسان من العدم.

«باب الشمس»: الكلام كفعل مقاومة وجودية

في تحفته «باب الشمس»، يتجاوز الكلام دوره الوظيفي ليصبح فعلا خلاصيا بحد ذاته. كل حكاية تروى، وكل اسم يذكر، وكل تفصيل يستعاد، هو بمثابة فعل مقاومة يعيد تشييد ما هدم. الرواية تتحول بذلك إلى وعاء يجمع فيه خوري شتات النفوس والذكريات، ليعيد لها تماسكها الإنساني. إنها ليست كتابة عن الموت، بل عن الحياة التي ترفض أن تموت، وعن الذاكرة التي ترفض أن تدفن. ما يفعله خوري هو إحياء للغة بعد أن أفرغتها السرديات الرسمية من محتواها الأخلاقي. هو يعيد إليها قدرتها على أن تكون شاهدا، على أن تحمل عبء التاريخ، وعلى أن تكون ملاذا للضحايا. في زمن التشيؤ والتسطيح، تمنح لغة خوري الإنسان بعدا روحيا من خلال الاعتراف بوجوده وبمعاناته. إنها ليست مجرد كلمات على ورق، بل هي أعمال إنقاذ مستمرة، تُعيد إلى العالم شيئا من إنسانيته التي كادت أن تضيع.
البنية المتشظية: الشعر في قلب السرد
لا تقتصر مقاومة إلياس خوري على محتوى نصوصه فحسب، بل تتجلى في بنيتها الجوهرية التي ترفض أي شكل من أشكال الانسجام والخطية. إنه يكتب بلغة تنبض بالشعر، لكنها تتعمد التشظي والانكسار، وكأنها تحاكي الجسد الممزق للتاريخ العربي الحديث. تتعدد الأصوات، وتختلط الأزمنة، وتتقاطع الحكايات في متواليات لا تكتمل أبدا، وهو ما يجعل السرد ذاته يعلن عصيانه على الانغلاق. هذه البنية المفتوحة ليست مجرد خيار جمالي، بل هي احتجاج عميق ضد الإقصاء، لأنها تمنح كل صوت، حتى لو كان عابرا أو متلعثما، حقه في أن يُروى. وهكذا تتحول الرواية إلى فسيفساء من الذكريات، يصبح فيها التعدد ضمانة حقيقية ضد اختزال الحقيقة في نسخة رسمية واحدة. إنها دعوة جذرية للتساؤل عن مفهوم «الكمال» في السرد، الذي غالبا ما يفرض سردية المنتصر ويُقصي صوت الضحية.
الهامش في قلب المركز: الرواية كفضاء أخلاقي
إن مشروع إلياس خوري يكمن في إصراره على إعادة الاعتبار إلى الإنسان العادي والمهمش، ذلك الذي غالبا ما يتوارى خلف العناوين التاريخية الكبرى. في رواياته، نلتقي باللاجئ الذي فقد كل شيء إلا ذاكرته، والأسير الذي يتشبث بأصغر تفصيل من حياته السابقة، والمرأة التي تبحث عن أثرٍ لحبيبٍ ضاع في غياهب الحرب. هؤلاء ليسوا شخصيات عابرة أو خلفيات للحدث، بل هم جوهر النص ذاته. إنهم يمثلون الهشاشة الإنسانية التي يراهن عليها الكاتب لتفكيك سطوة السرديات الكبرى.
من خلال هذه الشخصيات، تصبح الرواية فضاء أخلاقيا بامتياز، إلى جانب كونها فضاء جماليا في آن واحد. لأنها تصر على أن كل حياة تستحق أن تروى، وكل ذاكرة جديرة بالبقاء. إن خوري لا يقدم لنا أبطالا خارقين، بل أناسا عاديين يحاولون النجاة في عالم قاسٍ، وهو ما يمنح أعماله قوة هائلة. هو يعلم أن الذاكرة الجماعية تُبنى من قصص الأفراد، وأن صمود الإنسان لا يكمن في قوته، بل في قدرته على تذكر من أحب، وعلى الاحتفاظ بقطعة من تاريخه الشخصي. بهذا المعنى، يصبح كل سطر في روايات خوري فعلا من أفعال التكريم، وتذكيرا بأن الأدب، في جوهره، هو عملية إنقاذ أخلاقية للإنسان من العدم.
السرد والإنصات: الكتابة مسؤولية وجودية
تُظهر تجربة إلياس خوري أن النسيان ليس عملية طبيعية أو عفوية، بل هو فعل سياسي بامتياز. فالمؤسسات الكبرى، من دول وسلطات وأيديولوجيات، تسعى دائما إلى إعادة صياغة الذاكرة بما يخدم مصالحها ويُرسّخ هيمنتها. هي لا تكتفي بتجاهل التاريخ، بل تقوم بإعادة كتابته، واختزال حيوات كاملة إلى مجرد أرقام تُنسى. لكن الرواية، بما تملكه من قدرة على الإنصات للأصوات المقموعة، تُشكّل قلقا حقيقيا لهذه السرديات الرسمية. إنها تُعيد الاعتبار للهامش، وتفتح ثغرة في جدار النسيان، لتُعلن ببساطة وبشكل قاطع: «كان هناك أناس، عاشوا وأحبوا وقتلوا، لكنهم لن يُمحَوا ما دام هناك من يكتب عنهم.»
الكتابة: أداة نجاة وفعل مقاومة
لذلك، لا يتعامل خوري مع الكتابة كترفٍ جمالي ، بل كـمسؤولية وجودية. اللغة عنده وسيلة نجاة. وهذا ما يجعل نصوصه مشبعة بكثافة شعرية لا تنفصل عن بعدها الأخلاقي. فهو يكتب كمن ينقذ غريقا من الغياب، أو كمن يحفر في ذاكرة حجرٍ كي لا يُمحَى الاسم المكتوب عليه. وهذا ما يجعل قراءة أعماله شبيهة بـمواجهة، لأنها تُجبر القارئ على الانخراط في معركة الذاكرة، لا بصفته متفرجا باردا، بل كشاهد جديد يحمل عبء السرد. إنه لا يقدم لك قصة لتقرأها، بل يضعك في قلب المعركة، ويجعلك مسؤولا عن الحكاية.
إعادة كتابة التاريخ من الأسفل
يمكن القول إن خوري قد بنى مشروعا روائيا يتجاوز حدود الأدب إلى تخوم الفعل السياسي والأخلاقي. فالسرد عنده ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو محاولة حقيقية لإعادة صياغته. الرواية عنده تصبح أداة لإعادة كتابة التاريخ من الأسفل، من منظور المهزومين، لتذكيرنا بأن التاريخ ليس ملكا للغالبين وحدهم. وحين نقرأ أعماله، نشعر أن كل سطر مكتوب هو جدار يُشيَّد في وجه النسيان، وكل شخصية تُستعاد هي نافذة تُفتح على إنسانية أوسع. بهذا المعنى، تصبح الرواية عند خوري درعا في وجه النسيان، وجسرا بين الأحياء والأموات، بين الحاضر والماضي، بين ما وقع وما يجب أن يظل قابلا للحياة في الذاكرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية