مع إلياس خوري… حوار لم ولن ينتهي

حجم الخط
0

لا أعرف ما إذا كنت أنا قد تأخرّت عليه، أم أنّه ذهب باكرا جدّا. وقد تكون المسؤولية لا تقع عليه ولا عليّ، إنّما على موتٍ قرّر موعد زيارته بموجب جدول أعماله الخاصّ وسُلّم أولويّاته. لكن للحقيقة يجب أن نقول إنّ موت إلياس لم يكن فجائيّا. صحيح أنّ وعكته الصحيّة كانت فجائيّة جدا وصادمة، لكنّ عاما كاملا كان أمامي لأعتاد فكرة موته. ماذا أفعل والقلب لا يقبل منطق العقل، ويغضّ الطرف عن نتائج الفحوصات الطبّيّة، ويصرّ على رغباته هو، ولا يصدّق الحقائق العلميّة. قلبي أراده أن يعيش إلى الأبد، وصدّقت قلبي اللعين!
في سنواته الأخيرة، كان إلياس في جلساتنا يكرّر مقولة مفادها، أنّ معظم أصدقائه من الموتى. لم يكن يقصد بجملته تلك أنّ أصدقاءه الأعزّاء قد ماتوا و»بقي مثل السيف فردا»؛ بل قصد ما هو أبعد من ذلك: أنّه صديق لموتى لم يعايشهم أبدا، من المتنبّي إلى المعرّي، ومن الجاحظ إلى ابن خلدون. هو يحاورهم، يقرأ نصوصهم ويناقشهم، يتّفق معهم ويختلف، ينفعل منهم ويغضب عليهم، يحبّهم ويكرههم. ماذا يعني أنّ محمود درويش قد مات؟ أستطيع أن أفتح ديوان شعرٍ له، أقرأ النصّ وأنفعل به، أكتشف لأوّل مرّة معنى لقصيدة سبق وقرأتها ألف مرّة… يصل المعنى متأخّرا مثل ضوء نجمٍ بعيد – ترى الآن ضوءه مع أنّه قد انطفأ. لكن، ما معنى الانطفاء إذا كان الضوء ما زال يصلنا؟
تحضرني هذه التداعيات، وأتذكّر صديقا آخر رحل عنّا مؤخّرا- الشاعر والأديب زكريّا محمّد. زكريّا، وبحدسه الخاصّ، كان قد كتب قبل شهورٍ من وفاته تساؤلا يواجهنا جميعا: ماذا نفعل بأرقام هواتف أحبّاء رحلوا عنّا؟ كيف نقرأ رسائلهم النصيّة الآن؟ إنّ الموت ليس سببا وجيها لأن نعاملهم كموتى؛ لا بل العكس من ذلك: الموت يُضفي على نصوصهم البسيطة الساذجة مسحة من القدسيّة، وكأنّ موتهم برهان على صحّتها.
قد تكون تلك حيلة إلياس الخاصّة بالتغلّب على خوفه من الموت، بتحويله إلى ما يشبه الاستعارة، محوّلا اللغة إلى عالم أكبر من الموت والحياة، إلى فسحةٍ تتّسع لكليهما وتمكّننا من أن ننتقل بينهما بحريّة. ميليا، بطلة روايته «كأنّها نائمة»، تُطلّ على موتها من حلمها، وكأنّ الحلم شرفة تُطلّ على الحياة، إذ يُنهي الرواية بالجملة الصاعقة: «حاولت أن تفتح عينيها، لكنّ المنام لا يتوقّف. حاولت أن تفتح عينيها، لم تستطع، فعرفت أنّها ماتت».
أين يقف الإنسان حين يعرف أنّه مات؟
وأنا الآن أسير على خطى إلياس لأكمل حديثا معه، لأنّ الأدب أقوى من الموت، وهو جسرٌ يمتدّ فوق الهاوية. هنا أعترف بأنّي قد تأخّرت قليلا. معرفتي بإلياس بدأت قبل خمسةٍ وعشرين عاما، حين أصبح نصّه «فلسطينيّا»، أو حين أصبحت فلسطين، باعتبارها اسما آخر للعدالة، محورا أساسيّا في كتاباته. واكبت رواياته منذ ذلك الحين واحدة تلو الأخرى. لكنّ موته أعادني إلى الوراء، لأقرأ إلياس المُبكر- إلياس سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي. إلياس ابن بيروت وابن الحرب الأهليّة. كم من مرّة وجدت نفسي متورّطا في الطريق إلى الهاتف لأسأله بعض الأسئلة عن كتاباته من تلك الفترة، وعن الخيط الذي يربط كتاباته عن لبنان بكتاباته عن فلسطين، وعن العلاقة بين الحرب الأهليّة والحرب «العاديّة». هل هربت يا عزيزي إلياس من عبث المعنى وعقم الثورة وتحطّم اللغة في الحرب الأهليّة اللبنانيّة إلى وضوح الصورة وترميم اللغة واستحضار المعنى في الحرب «العاديّة» مع عدوّ واضح في فلسطين؟
إلياس المتأخّر كان مفتونا بالصمت، رغم زخم الكلمات ووفرتها، بقي مفتونا بالصمت، وكأنّه يحتقر الكلام، مع أنّه يعود إلى الكلمات عودة العاشق الهائم إلى معشوقته حتّى لو خذلته. أذكر مرّة أنّ إلياس قال لي، وهو يكتب روايته «اسمي آدم» إنّه عثر على مفرداته حين شبّه جمال عشيقة آدم – داليا- بالصمت، وكتب: «كانت جميلة كالصمت». قال لي حينها إنّه عندما كتب هذه العبارة شعر بنشوة خاصّة، وكأنّه عثر على كنزٍ لغويّ؛ فقام من مقعده، ولم يعد إليه ذلك اليوم خوفا من أن يكتب شيئا لا يرتقي إلى مستوى هذه العبارة. كان غرام إلياس بالصمت تعبيرا عن خوفه من خواء اللغة واجترارها، وحنينا إلى الفعل لأنّ المعاني تولد من الأفعال؛ وكأنّ لسان حاله يقول: «في البدء كان الفعل»، بخلاف ما جاء في الكتب المقدّسة (في البدء كانت الكلمة). لكن يا عزيزي إلياس، حين أعود الآن لأقرأ رواياتك الأولى التي خرجت من رحم الحرب الأهليّة، تلك الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس، فإنّني أرى كيف يمكن للفعل أن يتحوّل بنفسه إلى فعلٍ عقيمٍ عديم المعنى، يسبح في العبث، وكيف يمكن للثورة أن تأكل أبناءها. أين تهرب من عقم الكلام ومن عقم الأفعال؟ وما رأيك عزيزي زياد الرحباني بهذا السؤال إن شئت أن تنضمّ إلينا في هذا الحوار؟
رحيل إلياس بالنسبة لي خساراتٌ فادحة. أوّلها أنّني خسرت قارئا حذقا لمسوّدات نصوصي التي كنت أكتبها لمجلة «الدراسات الفلسطينيّة». كان هو محرّر المجلّة، وحين يستكتبني أمتثل لطلبه بسعادة، عارفا أنّه القارئ الأوّل لنصّي وذلك من دواعي حظّي. كنت محظوظا بأنّه يقبل منّي مسوّدة النصّ، فيحرّره ويعدّل فيه ويراجعه ويدقّقه. كم كنت سعيدا بهذه الهبة! لكنّ الخسارة الأكبر هي خسارة ضمير أفكّر فيه ومعه في عالمٍ هجره الربّ، وسقطت السرديّات الكبرى جميعها، وتعثّرت الحتميّة التاريخيّة، وتصدّع المبنى في عالم ما بعد البنيوية، وأصبح العقل موضع شكّ دائم. في عالمٍ كهذا يتساءل المرء دوما عن موقعه وموقفه السياسي والأخلاقي والجمالي، وكيف يمكنه الحكم على الأشياء والسياسات والممارسات. بناء على ايّ معايير؟
سؤال سيبقى مشرَّعا. في معظم الأحيان أستشير عقلي وضميري، لكنني في الوقت نفسه لا أثق بهما تماما؛ لأنّ الضمير هو نوعٌ من الحكم، وقد يخطئ الحكم، وقد نغشّ أنفسنا، وقد نتحايل على ضمائرنا، وقد يتواطأ ضميرنا معنا ليسهّل علينا الحياة. من المفضّل أن نخرج من أنفسنا كين نستطيع أن نراها – ولو إلى حين- من الخارج. والصديق المحبّ هو من يستطيع أن يكون مرآتك لنفسك كي تراها أكثر وضوحا. ضمير آخر تفكّر فيه ومعه. هكذا تكون الصداقة في أبهى صورها، حين تستطيع أن تكذّب نفسك وتصدّق صورتك في مرآة صديقك.

كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية