لم يكن إلياس خوري ليحتاج في حياته إلى أي إطراء أو مديح، ولا الآن في ذكراه؛ وهو الجامعي والصحافي المرموق، وصاحب المدونة الروائية المتميزة، والتجربة السياسية التي تَبينُ عنها مواقفه الوطنية والقومية من الحرب الأهلية اللبنانية، ومن حركة التحرير الفلسطينية، ومن النكبة والتهجير، وقضايا الديمقراطية والحرية عامة. على أني اخترت في ذكرى رحيله، أن أقف على رؤيته الروائية في سائر أعماله مثل «الوجوه البيضاء» و»أبواب المدينة» و»مملكة الغرباء» و»باب الشمس» و»رحلة غاندي الصغير» وغيرها. وهي أعمال تغطي على اختلاف مواقيت كتابتها وأزمنتها وأمكنتها، زمنيةً مطولة، وتنضوي إلى نمط من الأدب الروائي»الملحمي» بالمعنى الواسع للكلمة، وليست مجرد عمل محكي أو مسرود. وهي تشتمل على شخصيات عديدة (المقاوم واللاجئ والعاشق والمرأة والسياسي والصحافي…) من خاصة الناس وكافتهم؛ في حياتهم ومعيشهم، في ضعفهم وهشاشتهم وقوتهم. والكاتب يعرف كيف يضعهم في الصدارة، أو على هامشها، على أساس من دورهم الأساسي المفصلي في مجريات الحدث. وهو يحرص على إبراز فردية كل شخصية من هذه الشخصيات وتفردها إبرازا قويا.
ويتولى توجيهها حسب علاقاتها بمجمل الشخصيات؛ مفيدا من ثقافته الموسوعية ومن تراثه الشعبي الغني. ومدار جلها على المقاومة، ورهان الحرية حيث تتنزل الأحداث في جنس المخاطرة، ما يميز السلوك الملحمي، كلما تعلق الأمر بالمخاطرة الأشد، أي المجازفة بما هو أساسي لدى الإنسان: حياته. وفي سياقها تجري المشاعر والعواطف والأفكار روافدَ لمسالك من ذاكرة مشظاة وهوية معطوبة وتاريخ مطموس العين لا هو دَرسَ أو امحى؛ وتنهض كلها بوظيفة سردية أساسها إبراز التعارضات الفاعلة والمؤثرة في سير الأحداث التي تؤلف الرواية، على نحو ما تؤلف مجموع الملحمة. ذلك أن الرواية الملحمية أو أدب المقاومة لطبيعته الديناميكية يحتاج إلى تعارضات، أي قوى متضادة وليس إلى قوالب تشل الحركة أو تعطلها. وثمة أوجه تشابه بين «الملصقة» وكتاباته الروائية. وقد تكون كلمة «مُلصقة» هي المقابل العربي الأنسب لـ»الكولاج»؛ والمقصود في الأصل نوع من الرسم التجريدي المؤلف من قصاصات مُلصقة بطريقة خاصة عند صاحبها ، حيث نصه جزء من «تلاقي» الكتابة التصويرية والسرد؛ وحيث التوازي بين «الرسام» والروائي، بين مراقب اللوحة وقارئ اللوحة، قائم في كثير من أعمال إلياس خوري. و»الكولاج» أسلوب فني مداره على الجمع بين عناصر ذات طبيعة مختلفة: مواد مثل القماش الزيتي المطبوع أو الرسم، ومقتطفات من الصحف والنصوص والصور الفوتوغرافية، والورق المطلي، والترقيع أو خياطة قطع مختلفة من القماش أحجاما وأشكالا وألوانا…
وقد شاع منذ العقد الأول من القرن العشرين في مجالات الفنون البصرية وفنون الأداء والموسيقى والأدب شعرا ورواية؛ و»تبنته» مدارس وتيارات، مثل الطليعة والمستقبلية والدادائية والبنيوية والسريالية. وهو ما أفضى بالفيلسوف الفرنسي جان مارك لاشو إلى أن يقترح عن حق، مصطلحا من نحته «الكولاجية»، أو «المُلصقية» باجتهاد مني. وقد لا يخفى أن إلياس خوري يأخذ بهذا الأسوب في استئناسه بالشهادات اليوميات والمذكرات والوثائق التاريخية والسيرة الشعبية؛ وهو يَخيطُها بمهارة في النسيج الروائي من دون أن تثقل عليه؛ وبخاصة في النوع السردي الذي برع فيه، أحب أن أسميه «الرواية المُحيزة» التي تكاد تكون لوحة حيث الكلماتُ الألوانُ تملأ النص وتغني استعاراته وشتى صوره ورموزه القائمة على نوع من «التثاني» يكونان محور دورانه أي على عنصرين مختلفين متعارضين في الآن نفسه، حيث نقف على شكل مجدول أو جدولي، وزمن مقسم مشظى أشبه بـ»الكولاج». وقد تكون «روح الفوضى «المنظمة» هي الأساس في كل أدب، وليس «الالتزام» بالمعنى السياسي المبتذل، هي التي تميز نص إلياس خوري؛ وتدرجه في نوع من «اللعب» البهيج الذي يجعلنا أقرب إلى أنفسنا.
قد تكون هذه الكلمات الثلاث في ما يذهب إليه بول فاليري، وهي العقل والفن والخيال الإبداعي «الفانتازيا»، هي التي تعزز ظاهرة الغموض المقصود أو المَتاه مثل «غاندي الصغير»، وتيسر الأمل في ما هو أكثر شيوعًا في اليومي الرتيب، أي ريبة الكائن فيما يتعلق بتنبؤات عقله وتقديراته. ولعلها تصلح أن تكون مدخلا لما أنا فيه من ظاهرة «السرد المضاد» أو»الرواية المضادة؛ وهي شكل من أشكال الأدب الروائي الذي يهدم قواعد الروايات التقليدية مثل الاستغناء عن البطل الرئيس أو محوه أو جعله عنصرا في «اللعبة السردية»، أواستبدال الأشياء به مثلا، واللجوء إلى التمويه الزمني أو اختلاط الأزمنة، ورفض أي ضرب من التحليل النفسي؛ الأمر الذي يفضي إلى «تشوش الوضوح». وهذا وغيره مما يسوغ الكلام على نوع أو جنس «مشتق» أو «متفرع» بدل نوع أو جنس «معزول» أو هو مجرد من قيمته. روايات تتمثل عالم المقاومة الفلسطينية واللبنانية .ولكنها لا تقدم المقاوم من حيث هو الأنموذج الفائق في عالم المثل أي ذاك الذي يخرق القوانين الطبيعية أو الشخصية الملحمية التي تضفي على البطولة معناها، وإنما هي تتمثل أكثر صورة الكاتب المتماهي بخطابه الوفي لمواقفه. وهي لا تتردد في تقديم مساخر الممسوخين في عالم اضطربت قيمه ومثله. ولذلك نقف فيها على المضحك والغريب، وكل ما هو متنافر في تجسيد بعض الشخصيات. وعليه فلا غرابة أن ينزع الخطاب فيها إلى الكلام الشفهي (المحكية اللبنانية) والسخرية والطرفة الشائعة؛ كلما عثرت الشخصية في ذاتها على ما تسخر منه عند الآخرين.
فلعل تصورا كهذا الذي أقترحه أن يجعل طريقتنا في قراءة تجربته، أغنى وأحكم نظاما، وأن يساعدنا على إدراك أهم الصلات والتعارضات بين الأنواع أو الأجناس الروائية، وفهم الكثير من أسباب تفاوت إنشائية الخطاب عند الكاتب وهو يجمع بين فصيح وعامي، وبين لغة شعرية استعارية، ولغة روائية كنائية، أو هي ذات بعد رمزي. ولعل هذه الاستثناءات مما يؤكد أن الرواية ليست أنواعا أو أنماطا ثابتة، وإنما هي أشكال متغيرة متحولة؛ ولكل منها ملفوظه السردي الذي ينهض برواية قصة أو مغامرة تنتظمها حبكة، يقوم بها شخوص يتحركون في فضاء وزمان مخصوصيْن، وهم يؤدون القصة في ضوء الممكنات السردية وما يتعلق منها بالتغييرات الزمنية وإدارة فن الدخول إلى العالم المحكي الذي تحكمه عند إلياس خوري وجهة نظر لا يحيد عنها وهي الانتصار للمقاومة والحرية. ومن هذا المنظور فإن نصوصه لا تقوم على «استبعاد» الذات المنشئة من متنها. ومع ذلك نحن نقرأها متحررين من سلطة الكاتب الذي يعرف كيف يدير هيئات «الدال السردي» وتقلباته، وهو يراوغ مدلوله وما استقر من ثوابته ومسلماته. وكأنه «الإله المحتجب» فهو فاعل الكلام وليس القائم به، أو هو يخلق الكلام ويبثه في مخلوقاته أي في شخصياته.
وأقدر أن هذا مما يفيدنا في فهم هذا الخطاب الروائي بشتى مظاهره وتجلياته، وهو يراوح بين هيئة الأسلوب المباشر وغير المباشر؛ بين قول أمين، أو هو «طبق الأصل» يُتمثل به، أو يتلفظ به شخص ثالث، وقوله هو دمج خطاب هذا الثالث في نظم الخطاب الرئيس أي خطاب السارد؛ حيث الشخصية الروائية عادة ليست أكثر من مجموع كلمات ومن براعة أو مهارة أدبية أو هي وسيط. ولكنها عند كاتب متضلع بفنه متمكن من أدواته مثل إلياس خوري، لها من القوة ما يجعلها تلوح لنا وكأنها من لحم ودم. والشخصيات الروائية هي أبدا من ورق بعبارة رولان بارت، ولكنها تحيل على شيء آخر، وتتيح لنا نحن القراء أن نتعرف إلى أصناف من الناس الذين وُجدوا ويوجدون، أو أن نفهمهم ونفهم سلوكهم ومشاعرهم وعاداتهم، وما يتعلق بملامحهم الجسدية أو طاقاتهم الإنسانية. روايات تراهن على المقاومة والحرية مقصدا لها، وهذا أمر يكاد يرتقي إلى مستوى البداهة باعتبار المقاومة تحمل هذا الرهان شعارا ملازما لها، لكن يتعين أن ننبه إلى الفضاء المرجعي الذي تتنزل ضمنه هذه المسألة عند إلياس خوري وهو الفضاء اللبناني والفلسطيني بامتياز. وهو فضاء متعدد المستويات وغير ثابت بالضرورة، نظرا إلى كوننا نستطيع ضمنه أن نستند إلى بعض تمفصلات تاريخ لبنان وفلسطين وتحولاته. ومعنى ذلك أن الأدب مدعو إلى أن ينخرط في صراع ضد المعارف التي لا تنطوي على الحقيقة في حد ذاتها، وإنما على أحكام أخرى تزعم أنها الحقائق بعينها. وقد يسمح لنا التأويل ها هنا بأن نقر كون النص الذي أنا به يتطلع إلى تحرير الفكر من أوهامه. وهذه الآلية ليست متعلقة بدلالة كلية للحرية، وإنما أساسا بإزاحة ما يُعتبر نقيضا للحرية، ألا وهو «الوهم». فهو إذن تحرير أبستيمي (معرفي). وهذا ما أفلح فيه إلياس خوري وهو يحرر نصه من الشكل الروائي التقليدي ويشرعه علينا وعلى الحياة.
كاتب تونسي