باريس ـ «القدس العربي»: حين عاد وزراء خارجية دول التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة إلى باريس لإعادة تقييم التسعة أشهر الأولى من عمر التحالف، فعلوا ذلك مكرهين أمام تواصل تقدم التنظيم وزحف مقاتليه على مناطق جديدة في العراق وسوريا، واتساع حملة التّشكيك المتصاعدة في مدى نجاعة غارات طائرات التحالف ضدّ معاقل التنظيم المتطرف في العراق.
ووضع التحالف الدولي على رأس أجندة اجتماعاته في باريس مراجعة استراتيجيته في مواجهة التنظيم في ضوء استمرار تقدمه في العراق وسوريا بعد سيطرته على الرمادي في العراق وتدمر في سوريا، إضافة إلى طرح محاور عدة للنقاش منها آليات عمل قوات التحالف بين الدولتين وقطع تمويل التنظيم وآليات التجنيد وأخيرا إمكانية تكثيف الضربات الجوية.
وعبر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن ذلك صراحة وهو يرد على سؤال لـ «القدس العربي» بالقول «منذ تسعة أشهر كان هناك تحسن لمسناه في ما يخص تراجع التنظيم الإرهابي تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة في محافظة صلاح الدين وديالى في العراق وأيضا في سوريا، لكننا في الوقت نفسه لاحظنا تقدما جديدا لتنظيم الدولة على الأرض لذلك كان من الضروري إعادة وضع النقاط على الحروف والبحث عن مكامن الخلل». وشكل المجتمعون في وزارة الخارجية الفرنسية أربع مجموعات منفصلة عهد إليها بالبحث عن الاستراتيجيات البديلة من أجل وقف اشتداد قوة شوكة تنظيم الدولة من بينها مجموعة أولى سميت «مجموعة المقاتلين الأجانب» برئاسة كل من تركيا وهولاندا وكان دورها يتركز على وضع خطط تقضي بوقف تدفق مزيد من المقاتلين الأجانب على سوريا والعراق بهدف الإنضمام إلى تنظيم الدولة، ومجموعة ثانية مهمتها البحث عن الخطط الكفيلة باجتثاث منابع الدعم المالي الذي يصل ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وترأستها المملكة العربية السعودية.
وطرح المشاركون عدّة ملفات على مائدة النقاش في مقدمتها الآليات الجديدة التي سيعتمدها التحالف لوقف تقدم تنظيم الدولة وإمكانية تكثيف الضربات الجوية، بالإضافة إلى إيجاد سبل لتجفيف منابع تمويل التنظيم والحدّ من آليات التجنيد المتبعة من قبله.
وقال مصدر دبلوماسي فرنسي شارك في التنسيق بين عمل المجموعات الأربع لـ «القدس العربي» إن الاتجاه العام كان يدفع في البداية نحو تغيير استراتيجية الحلف بعد أن اظهرت الاستراتيجية الحالية فشلا كبيرا.
وأضاف الدبلوماسي الفرنسي الذي طلب عدم ذكر اسمه «كان هناك اقتراح بنشر قوات برية على الأرض لمنع زحف مقاتلي تنظيم الدولة على مناطق جديدة، لكن المقترح للأسف لم يحظ بقبول الدول الغربية، خاصة من قبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي كان يشارك في الاجتماعات بالهاتف من الولايات المتحدة بعد الكسر الذي أصيب به في ساقه في فرنسا، الضربات الجوية لوحدها لن تحقق أي انتصار خلال الحرب على تنظيم الدولة، ولو أن الضربات الجوية على مواقع تنظيم الدولة ساهمت في تباطؤ انتشار مقاتلي تنظيم الدولة إلا أنها لم ولن تستطع إيقاف تقدمهم خلال الأيام المقبلة».
وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على نحو ثلث مساحة العراق ونصف مساحة سوريا تقريبا، أي ما يناهز 300 ألف كيلومتر مربع، لجعلها مقرا للخلافة الجديدة، كما اقترب من الحدود التركية من خلال بسط سيطرته على قرية « سوران» السورية القريبة من الحدود التركية ما يكشف مدى التقدم الذي نجح مقاتلو تنظيم الدولة في تسجيله رغم الضربات الجوية التي تشنها مقاتلات التحالف الدولي عليهم.
وسيطر تنظيم الدولة كذلك على معبر استراتيجي جنوب مدينة تدمر زيادة على مدينة الرمادي عاصمة الأنبار، ما جعل من لقاء باريس حاجة ملحة لوضع استراتيجية جديدة تكون كفيلة بوقع ما يسمى «زحف تنظيم الدولة»غير أن الإجراءات المعلنة في ختام الاجتماعات الطويلة في باريس والتي شارك فيها رئيس الوزراء العراقي حيدر عبادي وعدد من كبار الدبلوماسيين، اتسمت بنوع من الضبابية في ما يتعلق بالحلول البديلة حيال الوضع.
واستبق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي انطلاق الاجتماعات في مقر الخارجية الفرنسية بنحو ساعة تقريبا ليعلن من مبنى سفارة بلاده في العاصمة الفرنسية قبل أن يغادره نحو «كي دورسيه» عن خيبة أمله مما أسماه نقص الدعم الذي يقدمه التحالف الدولي لقتال تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية.
وقال العبادي إن «شركاء التحالف لا يزودون القوات العراقية بمعلومات جوية كافية لوقف تقدم التنظيم المتشدد كما يوجد نقص أيضا في دعم العمليات البرية، مؤكدا في الوقت ذاته أن تنظيم الدولة الإسلامية متنقل ويتحرك في مجموعات صغيرة جدا وأن الدعم الجوي ليس كافيا لوقف تقدمه.
وجاءت اتهامات العبادي مبنية على أساس عدم تقديم الأسلحة والذخائر من قبل قوات التحالف الدولي لبلاده. معزيا السبب وراء انتكاسة القوات الأمنية العراقية لعدم توفر الأسلحة والعتاد الكافيين.
وطالب رئيس الحكومة العراقية دول التحالف الدولي الوفاء بوعودها في العمل على وقف تدفق المقاتلين عبر سوريا إلى العراق، مؤكدا أن دور التحالف الدولي غير ملموس على الأرض، في إشارة لعدم تحقيق الضربات الجوية التي شنتها مقاتلات التحالف في العراق لأهدافها، ما ساعد على تنامي دور تنظيم الدولة سريعا بعد استحواذه على مناطق واسعة في البلاد على حد قوله.
وعرض رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أمام وزراء خارجية الحلف الدولي ضد تنظيم الدولة خطة حكومته الأمنية لاستعادة السيطرة على الأنبار ونينوى، وتشمل إدماج القوى السنية. حيث التزم أمام المجتمعين في باريس بالعمل من أجل استمالة عشائر الانبار السنية للقتال ضد التنظيم، ونشر وحدات من الشرطة تحت قيادة جديدة وارسال مساعدات عاجلة لإعادة إعمار المناطق التي ينجح الجيش العراقي في استعادتها، والتأكد من أن كل الميليشيات الشيعية تعمل تحت سلطة بغداد في كل تحركاتها على الأرض.
كما أبلغ العبادي وزراء التحالف الدولي أن خطة حكومته تضع في رأس أولوياتها فرض سلطة الدولة على كل الميليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانبها، وأن كل الميليشيات، بما فيها قوات الحشد الشعبي المؤلف من متطوعين شيعة، ستأتمر بأوامر الحكومة العراقية.
وتشمل خطة الحكومة العراقية لاستعادة الرمادي التعجيل بتدريب وتجهيز عشائر سنية محلية بالتنسيق مع سلطات الأنبار وتوسيع التجنيد في الجيش العراقي وضمان أن تعمل كل القوى المرتبطة تحت قيادة بغداد.
ورغم الدعم الذي أبداه ممثلو التحالف للخطة الأمنية المقدمة من قبل رئيس الحكومة العراقية إلا أن مسألة نشر قوات برية على الأرض قوبلت بتحفظ العواصم الغربية، ورفض المجتمعون في باريس اقتراحا يقضي بإدراجها ضمن جدول الأعمال أو أشغال المجموعات الأربع.
كما شككت بعض العواصم الأوروبية رغم دعمها خطة العبادي في فعاليتها، بحجة أن رئيس الحكومة العراقية كشيعي معتدل لن ينجح في إقناع شيوخ وزعماء العشائر السنية بقتال تنظيم الدولة الإسلامية إلا إذا أظهر قدرته على السيطرة على الجماعات الشيعية المسلحة القوية التي يعتمد عليها الآن على الأرض وهي مهمة غير سهلة في رأيها.
وتستند العواصم الأوروبية في هذا الطرح على القول أن المقاتلين الشيعة هم من الخبرة الميدانية للمستشارين العسكريين من إيران أكبر قوة شيعية في المنطقة، ولا يأبهون لسلطة الحكومة العراقية في بغداد. وبرر دبلوماسي فرنسي تحدث لـ «القدس العربي» ذلك بالقول إن العشائر السنية أيضا لا تعول كثيرا على العبادي وتشكك في قدرته على لجم الميليشيات الشيعية أو الانسلاخ على التوجيهات التي توجها طهران إليها.
وما عزز هذا الطرح برأي المختصين هو فشل العشائر السنية في عد اجتماع لها في العاصمة الفرنسية باريس، حيث ألغي لقاء كان مقررا لها في آخر لحظة، بعد اتهامات وجهها الشيخ جمال الضاري زعيم عشيرة الزوبع السنية البارزة إلى رئيس الحكومة بالقول إن العبادي لا يمكنه الوفاء بتعهداته لأنه ألعوبة في يد إيران وحكامها، مشترطا في الوقت ذاته تحقيق مصالحة حقيقية بين أطياف الشعب العراقي، تقوده إلى حل سياسي وعندها سيتخلص السنة من تنظيم الدولة الإسلامي وفق تعبيره.
وبرر الضاري رفض عشيرته وباقي العشائر السنية مقاتلة تنظيم الدولة بالقول إن السنة لن يتخلصوا من الدولة الإسلامية ليحل محلها قاسم سليماني في بغداد، في إشارة إلى قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني الذي أصبح ظهوره مألوفا على الجانب الشيعي في ميادين القتال في عدة مناطق عراقية.
ودخلت حكومة كردستان العراق على خط الأزمة حين انتقدت وبشدة ما أسمته استبعادها من اجتماعات باريس، متحدثة عن «تجاهل متعمد» يستهين بتضحيات قوات البيشمركة الكردية التي تقاتل أيضا تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.
ومنذ سقوط محافظة الرمادي تعزز القوات الحكومية مسنودة من جماعات شيعية مسلحة متحالفة معها مواقعها حول مدن المحافظة، بينما ينفر كثير من أبناء السنة في العراق من التنظيم المتشدد ويرفضون مواجهته، بدعوى عدم نجاح الحكومة في لجم الميليشيات الشيعية التي خاضت ضدها سنوات من الاقتتال الطائفي العنيف والدامي.
وتكبدت الحكومة العراقية الشهر الماضي هزيمة عسكرية كبيرة لم تتكبدها منذ قرابة العام، حين تمكن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية من وضع يدهم على محافظة الرمادي وانتزاع المدينة التي لا تبعد عن العاصمة بغداد سوى تسعين كيلومترا من تحت سيطرة الجيش العراقي.
وفيما يبدو أنه تكرار لاجتماعات مماثلة عقدت في السابق، جدد المجتمعون في باريس التمسك باستراتيجية الحلف التي تقوم على هدفين أساسيين هما الالتزام بحملة جوية «طويلة الأمد» تنفذها مقاتلات التحالف بهدف القضاء على معاقل تنظيم الدولة وإنهاء وجودهم، وثانيهما تقديم المزيد من العتاد والأسلحة للقوات العراقية في جبهة القتال ضد التنظيم وتدريب الجيش العراقي مع استبعاد مقترح إرسال قوات على الأرض نهائيا.
واتفقت الوفود المشاركة في الاجتماع على وجود حاجة ماسة ومُلحة لتكثيف وتوسيع نطاق العمليات ضد مسلحي التنظيم لكنها شددت أيضا على ما وصفتها بالأهمية البالغة لإجراء إصلاحات سياسية في العراق لحشد العراقيين في النضال ضد التنظيم.
وذكر التحالف الدولي في البيان الختامي أن استراتيجيته الحالية تقوم على عنصرين رئيسيين أولهما الالتزام بحملة طويلة الأجل للتمكن من هزيمة تنظيم الدولة في نهاية المطاف وثانيهما تقديم المزيد من العتاد والأسلحة للقوات العراقية في جبهة القتال مع التنظيم، معربا في الوقت ذاته عن دعمه الكامل للحكومة العراقية في ما يخص القيام باصلاحات سياسية فضلا عن ضرورة اتخاذ تدابير ملموسة لمعالجة المظالم المشروعة للمواطنين العراقيين.
و رغم أن التحالف عبر عن دعمه العسكري للقوات العراقية من خلال شن غارات جوية ومدها بالمزيد من المعدات والتدريب ومساعدتها على استعادة وسائل العمل اللازمة للانتصار على التنظيم، إلا أنه وعلى لسان وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أعاد الكرة من جديد إلى ملعب الحكومة العراقية حين أعلن أن جزءا من استراتيجية القضاء على تنظيم الدولة تتطلب من العراق تعزيز وحدته والمصالحة الوطنية مؤكدا أن الاستراتيجية العسكرية لا يمكن فصلها عن تنفيذ سياسة المصالحة الوطنية في العراق.
وبحسب وزير الخارجية الفرنسي فإن الاجتماع كان مناسبة للحكومة العراقية لتأكيد التزامها بالتنفيذ الكامل لبرنامج الاصلاح الذي سبق وأن أعلنت عنه والذي يشمل تطوير حرس وطني غير طائفي وضم كل الجماعات المسلحة تحت سلطة الدولة، بالإضافة إلى تعزيز سيادة القانون واحترام حقوق الجميع وتبني سياسة شاملة وتمثيل عادل لجميع مكونات المجتمع العراقي في نظام اتحادي.
محمد واموسي