إلياس خوري في ذكراه الأولى: ماذا لو امتد به العمر عاما آخر؟
لم يفارقني إلياس خوري خلال العام المنصرم عام غيابه كثيرا، على الرغم من انشغالي بكتابة يوميات غزة، فكثيرا ما افتقدت مقاله الذي يبدي فيه رأيه بشجاعة لافتة، وبفقدانه فقدنا صوتا وقف إلى جانب الفلسطينيين منذ عام 1967، يوم انتمى إلى حركة المقاومة الفلسطينية “فتح” والتحق بقواعدها الفدائية في الأردن، ثم يوم عمل في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير، ويوم بدأ يكتب سلسلة مقالات أدبية نقدية عن الأدب الفلسطيني، متناولا نتاجات غسان كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي وراشد حسين وجبرا إبراهيم جبرا، النتاجات التي استوعبها وهضمها وصارت تتسرب إلى رواياته أكثرها من “الوجوه البيضاء” إلى “مملكة الغرباء” فـ”باب الشمس” و”كأنها نائمة” و”سينالكول” وأخيرا في ثلاثيته “أولاد الغيتو: اسمي آدم ونجمة البحر ورجل يشبهني”، كما صارت تتسرب إلى مقاله الأسبوعي على مدار عقود.
عندما قرأت ما كتبه عن راشد حسين في “رجل يشبهني” كتبت إنني لم أقرأ فيما قرأته عن الشاعر، ما قرأته في الرواية وحثثت كثيرين على قراءتها، إذا ما رغبوا في أن يعرفوا حياة الشاعر ومأساته، وفي أجزاء سابقة للجزء الثالث قرأت عبارة لافتة عن راشد حسين وإميل حبيبي، دفعتني، لأن أتوقف أمامها مطولا وأكتب عنها، وهي إن حياة كل من الشاعر راشد والروائي إميل كانت ضحية أدبهما. لقد كذبا حياتهما وصدقا أدبهما. وهو ما سيظهر في الجزء الثاني من هذه الكتابة التي كتبتها أثناء حياة الكاتب تحت عنوان “حياة الفلسطينيين الأغرب من الخيال”.
هل كان إلياس خوري لو امتد به العمر وتابع أخبار قطاع غزة، خلال العام الذي غاب فيه، هل كان سيصدق أن الإسرائيليين الذين كتب عن معاناتهم، وما ألم بهم في الهولوكست سيفعلون بأهل غزة ما فعلوه؟ هل سيكتب ما كتبه في الجزء الثاني من ثلاثيته” نجمة البحر” ويجعل الفلسطيني يسافر إلى ” أوشفيتس” ليتمثل معاناة اليهود؟ أم أنه سيكتب عن الضحية وقد تلبست شخصية جلادها فيذهب بنا إلى (برلين) و (نورنبرغ) في ألمانيا ويكتب عن رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه ليتمثلوا دور الفوهرر الألماني ومعاونيه؟
عندما كتب إلياس عن اليهود ضحية للنازيين وتعاطف معهم وجعل الفلسطيني يتمثل شخصية يهودية عاشت في معسكرات الإبادة هاجمه بعض النقاد متسائلين عن هذا الشغف بالتعاطف مع الضحية التي تجلد الفلسطيني. وأعتقد أنه لم يخطر ببال إلياس الكتابة عن رئيس وزراء إسرائيلي ووزير دفاع إسرائيلي يتقمصان شخصية الفوهرر ووزير دفاعه. خلال عام افتقدنا إلياس خوري كاتب مقالة وافتقدناه روائيا وافتقدناه صوتا يدافع عن الفلسطينيين. ترى هل كان، وهو يكتب عن بطله ” آدم دنون” في الجزء الثاني من هذا المقال، هل كان يكتب عن نفسه، وأنه صار، مثل حبيبي وراشد حسين، ضحية أدبه. صدق أدبه وكذب حياته. في أدبه يبدو إلياس فلسطينيا أكثر من كثير من الفلسطينيين، وهذا ما جعل الشاعر المرحوم أحمد دحبور يكتب، وهو يقدم قراءة لرواية ” باب الشمس “، إن إلياس فعلها وكتب رواية القضية الفلسطينية، كما لم تكتب من قبل، وأعتقد أن رأي أحمد دحبور راق لإلياس كثيرا، وربما هو ما شجعه لاحقا لأن يرى في روايات غسان كنفاني مشروع روايات لا روايات، ومن يقارن حجم أية رواية لغسان بـ”باب الشمس” أو “سينالكول” أو “كأنها نائمة ” أو ثلاثية ” أولاد الغيتو ” يلحظ الفرق في الحجم واضحا، حتى ليمكن عد ما كتبه غسان قصصا طويلة (نوفيلا) أمام روايات إلياس المذكورة التي تعد روايات حقا، هذا إذا عددنا الثلاثية رواية، الثلاثية التي احتار إلياس نفسه في تجنيسها على لسانه في التمهيد، وعلى لسان بطله آدم دنون، وهو ما خضت شخصيا فيه مطولا تحت عنوان ” إشكالية التجنيس في ثلاثية إلياس خوري “أولاد الغيتو “.
في المناسبة الأولى لرحيل إلياس أكتب هذه الكتابة وأضمنها كتابة قديمة لم تنشر ورقيا، كتابة أنجزتها يوميا على مدار شهر تحت عنوان ” سهرة مع إلياس خوري في ” رجل يشبهني ” متتبعا خطى أبو حيان التوحيدي في كتابه “الإمتاع والمؤانسة”.
جاء في المقالة:
في الحكي الفلسطيني غالبا ما يكرر الفلسطينيون العبارة “قصتنا صارت أغرب من الخيال”، يكررونها لا لأنهم مغرمون بحكايا الشاطر حسن والحكاية الشعبية “اللي أولها كذب وآخرها كذب”، ولا لأنهم مغرمون بألف ليلة وليلة وحكاياتها التي تأثر إلياس خوري بأسلوبها، وإنما لأن الواقع الفلسطيني يبدو أحيانا أغرب من الخيال، وقد كتب في هذا إميل حبيبي الذي سحر به وبأسلوبه وبلغته خوري، خاصة برواية “المتشائل” التي كتب فيها كاتبها عن تحرك شواهد القبور في غزة وعن رجل الفضاء والثريا التي رجعت تسف الثرى. لقد ذهب إلياس إلى أن إميل كذب حياته وصدق أدبه، وصار آدم دنون في حيرة من أمره وأمر ما يجري معه. إنه يكتب قصة حياته في دفاتره ويكتب فيها أيضا مناماته، ولم يعد يميز بين ما يحدث معه وما يراه في مناماته. كيف إذن يقص هذا على الناس هو الذي صار يرتاب في حياته؟ يتساءل آدم في الصفحات الأولى من الرواية:
” أنا لا أصدق نفسي، فكيف يصدقني الناس”. صارت حكاياته التي يعيشها ويراها في مناماته ويكتبها، صارت له أشبه بكابوس عليه أن يصحو منه. تحت عنوان “الكتاب الأزرق” يروي لنا آدم عن كتابة أحد دفاتره متسائلا، إن كان نام وهو جالس على الكرسي أمام طاولته “حيث تركت دفتري مفتوحا على نهاية هذا النص، مثلما أردت له أن ينتهي؟” . في المنام يرى رجلا مغطى بظلاله يقف في مواجهته “كأنه مرآة غبشها الزمن. وفي ذلك الغبش، رأيت رجلا يشبه صورة أبي، حسن دنون، كما علقت في ذاكرتي، بشاربيه الأسودين الكثيفين، لكنه يشبهني أنا أيضا، كأنه أنا وقد عدت شابا في العشرين من العمر. أنا لا أشبه أبي، لكن هذا الرجل الذي يشبهني يشبهه، كأنه هو، أو كأن وجهينا امتزجا”. هذا التشابه بين الرجل وأبيه وبينه وبين الرجل يدفعه إلى الاعتقاد بـ “صار الآخرون وجهي”. الكتابة عن الواقع والخيال وامتزاج الواقع بالخيال كنا لاحظناه في الجزءين الأولين، وقد كتبت عن هذا وأنا أكتب عنهما، وفي “رجل يشبهني” يطنب الكاتب على لسان آدم في تناول الحقيقة والخيال. تحت عنوان “أول الحكاية” يكتب عن زيارة دالية إلى نيويورك لعرض فيلم وثائقي أنتجته، ويعد العدة لاستقبالها ويتخيل كيف سيكون اللقاء، ولا يلتقيان. ما قصه آدم تحت هذا العنوان يبدو ضربا من الخيال. يمرن آدم ذاكرته معتقدا “أن الأدب في جوهره هو هذا التمرين المستمر على تحويل الذاكرة إلى نص يجمع الواقع والخيال، أي الحقيقة وأختها كما يقولون “لكنه اكتشف مع هذه التمارين التي لا تنتهي” أنه بدلا من تحويل الواقع إلى خيال، امتزج الخيال بالواقع، فضاعت الحدود بينهما “بحيث صار آدم في كلامه اليومي مع الناس لا يميز بين الشخصيات المتخيلة والشخصيات الحقيقية، وصار عاجزا عن قراءة نفسه “هل أنا إنسان حقيقي من لحم ودم، وهل ما عشته كان تجاربي الشخصية، أم أنني خارج هذه المعادلة كلها؟ أتفرج على نفسي وعلى حكاياتي كأنها من صنع الخيال؟”. “أنا حائر” يعترف آدم، ويضيف “أنا حائر، ولست مترددا، الحيرة لحظة تراجيدية، أما التردد فمرادف للخوف، تعرف أن عليك القيام بأمر ما لكنك تخاف لتجد نفسك وقد سقطت في الحفرة التي أخافتك من دون أن تقرر” وأما الحيرة فهي أن تمتلك حرية القرار فتختار مثل أبي فراس ما يوصلك إلى المأزق نفسه: الموت المعنوي / الأسر أو الموت الحقيقي/ الردى. يعود آدم في صفحة 462 ليواصل الكتابة عن الحقيقة والخيال:
” لا أغفو إلا حين أرسم في رأسي شخصيات متخيلة أتقمصها. أبني عوالم لا علاقة لها بي، وأنام على إيقاع منامات أخترعها، وقد احتلت مخيلتي مؤخرا شخصيتان: خليل أيوب وراشد حسين. تعرفت على خليل بصفته بطل رواية قرأتها، ثم التقيت به مرات قليلة، لكن طريقة موته مثلما عاشتها يسرى أو تخيلتها احتلتني”. وأعود هنا إلى ما كتبته في كتابي “أسئلة الرواية العربية: إلياس خوري في روايته “أولاد الغيتو: اسمي آدم “نموذجا” عن توفيق الحكيم ومسرحيته “بجماليون”. من عشق توفيق الحكيم: التمثال الذي اخترعه، أم التمثال وقد نفخت فيه الحياة فصار إنسانا؟
هل تذكرون ما قاله الحكيم:
” مجنون يهذي بالألحان
يسرق حلى زوجته ويهديها لعشيقته
يسرق حلى عشيقته ويهديها لزوجته.
من تكون عشيقته؟
من تكون زوجته؟ “.
وفي “رجل يشبهني” يشعر آدم بأنه فقد عقله وأن وجع الروح يضربه. إن وجع الروح هو أقسى درجات الألم، يقول آدم الذي يتلوى بروحه ويتساءل:
– ماذا يجري؟
” لا أستطيع أن أصدق منامي، لكنني لا أستطيع تكذيبه أيضا. هل أنا أنا؟ أم هذه أعراض انفصام الشخصية؟”. هل كان خليل أيوب شخصية حقيقية أم شخصية روائية؟ وحول إلياس خوري وشخصياته إن كانت حقيقية أم متخيلة، يكون لآدم أيضا حديث. إن الأجواء العجائبية الغرائبية هي مكون أساس من مكونات “رجل يشبهني” وقد كانت في “اسمي آدم” و”نجمة البحر” كذلك أيض .
كاتب فلسطيني