في الثّورات أو – الهيجان والوثب السّطوع كما يقول المعجم اللغوي دفع الكثيرون أرواحهم وأجسادهم المُعاقة ثمنا باهظا، فحتّى لو انبتت الثورات جنّات لن تعوّض مواطنا واحدا ذهب ضحيّة ولن تعيد روحا زُهقت. إضافة للأحلام التي ماتت او في احسن الاحوال تأجّلت إلى الوقت الذي سيحلّ فيه غودو. الولادة المشوّهة: من الغريب أن تضحى الثّورات مُشوّهة منذ ولادتها. فهي لم تعرف لماذا ستأتي إلى الدّنيا لأنّها لم تحمل معها غاية واضحة وطريقا مستقيما ومنهجا محدّدا فبدايتها كانت وجدانيّة متسرّعة لم تحسب حسابا واضحا، ثمّ زاد تشوّهها حين وجدت نفسها – حين ولادتها – في أحضان من هبّ ودبّ، فالقريب والغريب يدّعي أبوّته الشّرعيّة ويعتقد انّه الأقدر على تربيتها واحتضانها، فتكاثرت الأحزاب والمعتقدات والخُطب السياسيّة التي تملك شهادة الولادة وتداخلت الخيوط الدولية والإقليمية التي تجذب اليها صراحة وضمنا هذا المولود الجديد الذي لم يعرف طفولته لأنه وجد نفسه مباشرة في وجه الطّاعنين في الحسابات السياسية وفي المتكالبين على العروش المالكين لسلطة المال وكثرة التّابعين والقادرين على التأثير الايديولوجي والإعلامي والخطابي. لقد تمّ افتكاكها من الذين أنجبوها من أروحهم ومن قلقهم ويأسهم وفقرهم والاحتقار الذي عاشوه وهم المُفقّرون والعاطلون عن الأمل وعن العمل والمُغتربون داخل أوطانهم والمُطاردون حتّى في احلامهم. فالجريمة الاولى هي قتل الأب الأصلي والأم الحقيقية اللذين أنجبا الثّورة التي أخذها الغرباء عنوة إلى دار رعاية يرعونها في انتظار ان تصبح يانعة فيحين وقت قطافها لقد ذهبت إلى دار ليست موطنها. ثورة بلا اسم: بعد افتكاكها من المنتجين الأصليين لها، يوجد الآن صراع كبير حول الاسم الذي يليق بها: هل يجب ان تكون علمانية اللقب ام اسلامية النّسب أم جهاديّة الهوى ام يساريّة الوجهة؟ هل يجب ان تحيا في دولة حديثة مرجعيتها القانون الوضعي أم داخل دولة اسلاميّة القلب ووضعيّة العلاقات أو الاسلام المعتدل المعاصر؟ هل تنبت في خلافة تستعيد الجزء الكبير من التاريخ في السّلف الصالح والخلفاء وما ساروا به من تنظيم للعقيدة وللمجتمع؟ كما كان مولدها مشوّها فإنّ الثورات تعيش مشكلة الاسم وهذا بدوره سيأخذ الكثير من الوقت المهدور أصلا والمزيد من الصراع السياسي والايديولوجي والحسابي. وهذا سيُبعدها أكثر عن صانعيها الفقراء والمهمّشين والحالمين بمستقبل جميل. المضحكات المبكيات: تمّ توفير الكثير من حبّات الفياغرا في الصيدليّات وهو ما يطرح أسئلة لم يفكّر فيها من صنع الثّورة: هل قامت الثّورات من اجل المطالبة بتوفير وسائل تحرّر الرغبات وتجعلها منتجة فيزيد عدد الأفراد، فإذا كان ذلك مطروحا فما الذي يشجّع ‘الرّاغبين في ازدياد’ هل اعجابهم بالعدالة وبالاقتصاد المزدهر وبالتقدّم العلمي؟ أم أنّ هناك رغبة في تعويض ثورة موؤدة مسروقة بإنجاب بيولوجي؟ وخارج الزّواج الشّرعي أليس الأمر يدفع إلى حالات اغتصاب وما يتبعه من مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية يعاني منها المجتمع أصلا؟ هل هي تقليعة جديدة ابدعها الحاكمون الجدد لإلهاء المجتمع بأوهام مغايرة للسّابقة إذ يصبح اهتمام المواطن مُصوَّبا لهدف وحيد هو رغباته؟ يتزامن هذا الوهم الجديد بانشداد جزء كبير من المجتمع إلى فرق كرة القَدَم يصل إلى حدود التعصّب. فكّأنّ ذلك تجسيد لانهيار مفهوم الوطن الذي أصبح لا يساوي شيئا أمام انتصار فريق وكأنّ علم هذا الفريق افضل من علم الدّولة، أو هو تعبير بشكل ما عن خيبات أمل من ثورات أضافت أكداسا من الوهم المُكدّسة أصلا. هل يوجد مبرّر للاحتفال بعيد ثورة مات من أنجبها فأضحت يتيمة ومشوّهة ومغتربة أم هو الرّقص على جثّتها؟ فإذا كان محمد الماغوط قد كتب ‘الفرح ليس مهنتنا’ فإنّه يمكن كتابة عنوان جديد أضاعته الثّورات وهو ‘اللاّثورة عملنا اليومي’.