الرباط – «القدس العربي: يرى نقاد مغاربة أن التكريمات التي تقيمها مهرجانات فنية في مختلف مدن المغرب تحولت إلى لحظة اجترار لنفس الوجوه والأسماء، كما تحولت إلى وسيلة للمحاباة والمجاملة، التي لا علاقة لها بعطاء الفنان المكرَّم. لكنها في الأصل، عند بداياتها، وقبل أن تتراكم المشاهد المتكررة، فتحت كوة ضوء للاعتراف والاحتفاء بمن سطع نجمه، ووهب حياته وأعطى كل شيء.
في عرف أهل الخبرة والمحترفين من منظمي المهرجانات، يأتي التكريم لتتويج مسار حافل بالعطاءات للفنان المحتفى به، ومسيرة طويلة يُستعرض خلالها شريط مصوَّر أو تسرد في كلمة مكتوبة أو شهادة يلقيها قريب أو بعيد. المهم أن يكون في الرصيد ما يستحق الذكر، وليس مجرد لمعان عابر في عمل ما شاهده الجمهور خلال رمضان مثلا.
كثير من الفنانين ماتوا بغصتهم، وفي قلوبهم ألم التهميش والنسيان، ولم ينالوا ما يستحقونه من عرفان، وكلمات رنانة تقال في حقهم، ودروع تُهدى وشهادات ورقية تُسلم لهم. هؤلاء كان حظهم عاثرا، لأنهم عاشوا في زمن لم يكن فيه التكريم مجرد فقرة في برنامج، بل كان لحظة حقيقية وعرسا كاملا يحمل فيه الفنان فوق «العمارية» (هودج العريس)، وتقام له الدنيا ولا تقعد. في زمنهم كان كل شيء ثقيلا رصينا يمشي بالتصوير البطيء، إن جاز التعبير، وعندما صارت التكريمات سهلة وكثيرة حتى أغرقت المشهد، تحولوا إلى مجرد ذكرى ونسيهم جمهور اليوم، فما عاد الاحتفاء بهم يجذب نسبة كبيرة من المشاهدات الرقمية، أو الحضور الفعلي. وجوه وأسماء تكرر تكريمها حتى فقدت الرغبة في الابتسام والفرح، لأن المشهد صار مجترا لا يدعو إلى دهشة اللحظة وجمالها وبلاغة رسالتها. فيما وجوه أخرى منزوية في ركن ما من مقهى عابر، تسترجع الماضي وتحكي عنه إن بقي جهد للكلام، وتتذكر الأيام بألم دون أمل.
كل هذه الملاحظات التي يسجلها الفنانون أنفسهم ومعهم نقاد وإعلاميون، لا تنفي عن التكريم أهميته، بل هي في العمق محاولة لمنع تحويله إلى مجرد مطية لجلب الجمهور، وبالتالي إعادته إلى سكة التألق والجدية. وهو ما أكده الممثل والمخرج المسرحي حسن مكيات في تصريح لـ «القدس العربي»، قائلا: «التكريمات في جوهرها لا يمكن إلا أن تكون أمرا صحيا، لأنها تجسد ثقافة الاعتراف لشخصيات ذاتية أو معنوية نظير رصيدها في مجال معين وما أسدته من عمل يخدم الصالح العام، الوطن والمواطن. لكن الأمر لا يكون دائما صحيا إذا ما انحرفت الغاية وزاغ القصد».
وهنا تطرح مسألة الاستحقاق، يوضح مكيات: «لأنه إذا انحرفت الغاية وزاغ القصد خرج التكريم من جبته النبيلة وأصبح أمرا ظاهره الاعتراف وباطنه مآرب أخرى، فتختل الموازين وتنتفي المعايير». لذلك لا عجب أن نجد أحيانا بعض منظمي المهرجانات والتظاهرات الفنية والثقافية يفكرون في اسم المكرم، ليس نظير رصيده الفني والمعرفي، بقدر ما يفكرون في بريق هذا الاسم وأثره في الجمهور، مهما كانت القاعدة التي بنى عليها شهرته، أملا في جذب نسبة أكبر من الجمهور، وكذلك من أجل تلميع صورتهم أمام الداعمين». وتابع المتحدث قائلا «لا غرابة أن نجد من بين المكرمين أحيانا شبابا يافعين تعد سنواتهم وأعمالهم في الميدان معدودة على رؤوس الأصابع، فقط لأن حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي لها متابعون كثر. وأحيانا أخرى يكون التكريم حسب العلاقات والمصالح».
ويشدد مكيات على أنه «إذا زاغت الغاية وانحرف القصد في التكريمات يمكن أن تنتظر أي شيء»، مضيفا ملاحظة أخيرة: «غالبية التكريمات هي فقط غلاف بلا كتاب: إذ تُسلّم للمكرم ورقة/شهادة لا يتعدى ثمنها مع الإطار عشرين درهما (يناهز دولارين)، وأحيانا يكونون أكثر كرما بتسليمه لوحة لآية الكرسي، أو طبقا لا يتعدى ثمنه مئة درهم (10 دولارات) في أقصى الحالات».
ويرى الملحن والمغني طارق بطمة، أن غالبية الجمهور في المغرب يعتمد على الصورة «وفقد الروح سياسيا، فنيا، ثقافيا وحتى إنسانيا». وأضاف: «من يجب تكريمه هو من يفهم ما يحصل، غير أنه يقف خلف جدار الصمت ويتمسك بصبره». وبالنسبة لطارق، متحدثا لـ»القدس العربي»، فإن «المهرجانات من تنظيم أناس لا علاقة لهم بالفن، كثير منهم تابعون للمجالس المحلية المنتخبة. أما المهرجانات الحرة فهي، إما فرنكوفونية علمانية أو حزبية لأجل مصلحة السياسي وأيديولوجيته السياسية والانتخابية، أو مهرجانات العالم الغيبي، وهذا يتطلب أن تكون فنان الجن والإنس، فنان ما وراء الطبيعة». ويعتقد أن «تكريم فنان يكون في حياته عند شبابه بإعطائه إمكانيات الإبداع، أما تكريم فنان في السبعينيات من عمره فهذا بالنسبة لي صورة سريالية».
المخرج المسرحي عزيز الخلوفي، من جهته، قال: «إن تكريم الفنان هو اعتراف بقيمة ما يقدمه لوطنه، وتحفيز من مجتمعه على المزيد من الخلق والإبداع، وتأكيد على جودة ما ينتجه والمسار الفني الذي اختاره وناضل أو ضحى من أجله، وبالتالي فهو ظاهرة صحية». لكن «الأكيد أن الأمر فيه نقاش»، يوضح الخلوفي، لأن «اختيار المكرَّم من طرف إدارة مهرجان أو مؤسسة لا بد أن يتسم بالموضوعية، وطرح أسئلة من قبيل: لم سنكرم هذا الفنان ونتناسى ذاك؟ وكيف سنكرمه؟ وبأي مناسبة؟ وماذا سنقدم له اعترافا بمساره وإنجازاته الفنية؟»
وتأسف الخلوفي لأن هذه الأسئلة لا تطرح بجدية، «فأصبح التكريم جزءا من فقرة تنشيطية في برامج المهرجانات، تقدم فيها جوائز كرتونية أو دروع لا تغني ولا تسمن من جوع. ومن يحترم نفسه كفنان يعتذر عن الحضور لأن الإطار العام لا يليق به، وبالتالي يهرول مكانه من لا يقدر فنه. وهذا ينطبق على المهرجانات التي ليس لها خصوصية تميزها عن باقي التظاهرات، وإدارتها تتشكل من أشخاص لا صلة لهم بالفن، همهم هو حضور من سطع نجمه في الآونة الأخيرة لجذب الجمهور والتقاط صور فوتوغرافية معه أثناء تسليمه درعا من فضة وشيكا بحجم عريض. بعده يأتي الدور على فنان حقيقي فتقدّم له شهادة كرتونية».
الأكيد، في رأي الخلوفي، أن التكريم تميّع وفقد جوهره، لأنه يأتي تتويجا لمسار طويل من العمل الإبداعي. أما من لا يزال في بداية مشواره الفني أو الرياضي فيمكن تشجيعه بجائزة على إنجاز ما أو حدث ما. الناقد والكاتب المسرحي نجيب طلال وصف موضوع التكريم بـ»الحساس» و»المغري للنقاش والتحاور المستفيض لما له من علاقة بالبعد الإنساني والأخلاقي وتداخل المالي بالنوايا». وشدّد على أن «التكريم حق من الحقوق لمن يستحقه عن جدارة واستحقاق»، كما أنه «فعل نبيل ظاهريا في المهرجانات المغربية وسامٍ حسب النوايا، من حيث ترسيخ القيم الإنسانية والاجتماعية». وزاد متسائلا: «لا أدري متى تسرب مفهوم التكريم في المهرجانات، بهذا الزخم الذي أمسينا نراه ونسمع عنه».
وعن مسألة الاستحقاق، أكد طلال في تصريح لـ «القدس العربي» أن «التكريم كان يتم على فطرته وسجيته كاحتفاء وعرس استثنائي». وأضاف بأسف: «الآن، تغيرت البوصلة واختلطت المعايير والمفاهيم المعترف بها وفق رؤية ومنهجية تجعل التكريم مستحقا لمن يستحقه فعلا. وبكل صدق، فالتكريم فقد شرف التكريم، لأنه ارتبط بمنظور سياسي ومصلحي، وتحضر فيه حسابات خاصة بعضها حزبي وبعضها شللي/لوبي، ما جعل اللاعدالة واللاشفافية تسودان في الاختيار، وأضحى سؤال التفضيل سائدا في الكواليس، ويتردد في بعض المجالس على صيغة سؤال: لماذا هذا دون ذاك؟ والأخطر هناك من كرّم في بلادنا أكثر من ستين مرة، هل هو المبدع الوحيد في المملكة المغربية؟». وفي رأي الكاتب المسرحي فإن هذه إشكالية خطيرة «انعكست خطورتها على البنية الثقافية والإبداعية والتربوية كذلك، بحيث تم تمييع وإسفاف مفهوم ومنظور التكريم، كمحصلة لمجهود مضن من العطاء في مسار المكرّم». وفي هذا السياق، يبرز طلال أن هناك «شبابا لم يمض على حضورهم سوى أربع سنوات من الممارسة، وأعرفهم جيدا يكرّمون، وبعضهم يفرض نفسه كمساومة بين المشاركة في العمل أو الانسحاب إن لم يكرّم. وهناك من يدفع بزميلته إلى لائحة المكرمات، ولم تشارك إلا (كومبارس) في فيلم سينمائي ومصممة ملابس في مسرحيتين».
وردا على سؤال المصداقية، قال نجيب طلال إن «التكريم لم يفقد مصداقيته فحسب، بل ساهم في اغتيال الكفاءات ونسف الرؤى الجادة، وذلك لتوسيع دائرة التفاهة والرداءة وتزييف الواقع وقلب الحقائق!». وتساءل: «من المسؤول عن هذا الزيف الذي أصاب ما يسمى (التكريم) في مقتل، بغض النظر عن علله وتلاعب بعض الهيئات والجمعيات في كواليسه؟». وفي رأيه «كلنا مسؤولون عن هذا التردي والابتذال».