يبدو أن الجزائريين يعرفون فرنسا أكثر منالفرنسيين أنفسهم. فمنذ سقوط حكومة فرنسوا بايرو، ثم اندلاع احتجاجات، عمت البلاد، مطلع الشهر الجاري، أفرد الإعلام في الجزائر مساحات في الحديث عن فرنسا دون سواها. وتكفي متابعة البرامج التي تعرض في القنوات الخاصة، أو نشرات الأخبار، فنخرج منها بفهم معمق عما يجري في الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط. سوف نفهم من مشاهدتها الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا، كما لا يفوتنا التعرف على قانون الضرائب، ثم ندرك ماذا يختفي خلف مفهوم العجز العام، كما نصغي إلى مذيعين محليين يتجادلون في شأن الصناعة الفرنسية وأعطابها، ثم يعرضون بالأرقام مؤشرات البطالة، من غير أن يفوتهم الكلام عما يطلق عليه الاقتصاد المختلط أو الحماية الاجتماعية أو التجارة الخارجية. وهذه كلها مصطلحات كانت غائبة عن يوميات الجزائريين منذ أمد قريب، لكنها صارت من مشاغلهم هذا الشهر. باتت مصطلحات مبتذلة تلوكها القنوات وكذلك الجرائد المحلية، وهي جرائد لم تعد تغريها صورة برج إيفل ولا حدائق باريس، بل كلما ورد حديث عن عاصمة فرنسا، يرفقون الكلام عنها بصورة عن اعتصام، أو تراشق بالحجارة والقارورات الحارقة مع الشرطة. صارت فرنسا تختصر في صورة الغاز المسيل للدموع، أو في صورة شرطي يعتدي على محتجين. صارت هذه البلاد تعني الفوضى في مخيلة بعض الجزائريين. ويتحدث عنها الإعلام في الجزائر بنبرة يتجاور فيها الجد مع الهزل، في تفسير الحالة، التي وصلت إليها سياسات إيمانويل ماكرون.
أخبار باريس أهم من أخبار غزة
أما التلفزيون الرسمي في الجزائر، فقرر أن يسدي درسا في حرية التعبير إلى التلفزيون الحكومي في فرنسا، ونصحه بأن ينشغل باحتجاجات المواطنين والإصغاء إليهم، بدل التمويه والتعتيم. أظنها المرة الأولى التي يسند فيها التلفزيون الجزائري إلى نفسه صفة المعلم، إزاء مؤسسة إعلامية من بلد آخر. ومنذ أيام تحول الجزائري إلى خبير في الشأن الفرنسي، يعلم ما يجري في الميدان أكثر من ساكنة مارسيليا أو ستراسبورغ. ثم إن النقاش انتقل من الإعلام إلى المواطنين العاديين، الذين يعيشون في بطالة، ويقضون وقتهم في مقهى، أو في الجلوس على رصيف، ثم يتساءلون عن البطالة في فرنسا، ويقترحون حلولا لها، بل منهم من ينشغل بموضوع المديونية وبتصريحات مسؤولين من قصر الإليزيه، ويعلق عليها. ومن يستمع إليهم يظن أن فرنسا بلد على حافة الانهيار، أو أنه يوشك على انفجار، أو أنه يدنو من حرب أهلية.
في المقابل، في حال اندلاع إضراب صغير في الجزائر، بين سائقي سيارات الأجرة أو سائقي الحافلات، أو إضراب في معصرة زيتون، أو في ورشة بناء، فسوف يجري تأويل الأمر على أنه مؤامرة، وأن الفاعلين من العملاء أو من أياد خارجية، بل سوف يجري التنديد بفعلتهم، ووسائل الإعلام المحلية لن تصغي إليهم، بل سوف تحكم عليهم بالخروج عن القانون، وتنسى أنها بالأمس كانت تدافع عن حق الفرنسيين في الإضراب، وفي الخروج إلى الشارع والاحتجاج. هكذا هو المشهد في الجزائر، لا نزال عالقين في أخذ ورد مع المستعمِر القديم، فقد بلغت الأمور في الأيام الأخيرة درجة متقدمة من العلاقة المستعصية بين الطرفين، وصارت أخبار الاحتجاجات في باريس تشغل بال جزائريين أكثر من أخبار الأطفال الجوعى في غزة.
كأنها حرب أهلية
إن الإسراف في تصوير فرنسا على أنها بلاد منهارة، أو الحديث عنها في أحلك أوقاتها هذه الأيام، والتلويح بأنها على شفا حرب أهلية، إنما يعبر عن الوجه الآخر من الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، وهي أزمة لم تنقشع منذ ما يزيد عن العام. لا سفير للجزائر في باريس، ولا سفير لفرنسا في الجزائر. والعلاقات بلغت حدها الأدنى، في سابقة لم نشهد مثلها. بينما الحرب الكلامية بين الجانبين لم تنقطع. الجزائر تلوح بقانون تجريم الاستعمار، بينما فرنسا تلوح بمراجعة معاهداتها مع الجزائر. إنها معركة تشبه شجار قطط في الأزقة الخلفية. ثم جاءت الأحداث الأخيرة عقب انهيار حكومة فرنسوا بايرو وأتاحت للإعلام مادة دسمة.
ومن المتعارف عليه أن الإعلام الجديد في الجزائر تعوزه المهنية، فقد صار من لا يعرفهم القراء أو المشاهدون، يتبؤون منصب مدير وسيلة إعلام، وركب صحافيون الموجة، بينما لسان حالهم يقول: «هذا هو مصير من يعادي الجزائر». مع العلم أن الاحتجاجات وروح الغضب التي اندلعت في فرنسا، لا علاقة لها بالشأن الجزائري، لكن هناك من يريد تزييف الوقائع، والتعبير عنها بوصفها نتاج الخصام مع الجزائر. وكأن فرنسا تدفع ثمن علاقتها المضطربة مع جارتها على الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط.
قبل ما يزيد عن ستين عاما استقلت الجزائر، وخرج الفرنسيون من البلاد، انتهى زمن الاستعمار وصارت البلاد ذات سيادة، ثم سادت علاقة ودية بين الطرفين، كما جرى تبادل زيارات بين الرؤساء، لكن في السنين الأخيرة يبدو أن هناك من يود النفخ في الرماد، هناك من يود أن يعيد الماضي إلى الحاضر. لقد دعت أصوات عاقلة من أجل مصالحة بين البلدين، أن نخرج من خندق التلاعب بآلام الماضي، أن ننظر إلى المستقبل مع ما يقتضيه من براغماتية ومن مصلحة. لكن هناك من يقيم في الماضي ولا يفتح عينيه على المستقبل. لا يزال كل طرف يحمّل الآخر مآسي حرب التحرير (1954-1962). وهكذا فإن كل الأصوات التي تراهن على تهدئة تذهب في مهب الريح إزاء شهوة الإعلام في تأجيج الخلاف، وكذا شهوة بعض الساسة في الترويج لأنفسهم على حساب مصالح شعبين.
هذه الحالة جعلت من فرنسا شأناً داخليا في الجزائر، كما جعلت من الجزائر شأنا داخليا في فرنسا. بات الجزائري ينام ويستيقظ على أخبار الاحتجاجات في بلاد لم يزرها، لكنه من كثرة الحديث عنها صار يعرف أسماء مدنها وقراها، هذا الجزائري المسكون بأخبار فرنسا، والمدافع عن حق شعبها في الاحتجاج، بينما هو ممنوع من الحق في الاعتراض، أو من رفع صوته في بلده، مخافة أن يجري اتهامه بالعمالة أو الخيانة.
٭ كاتب جزائري