الرباط ـ «القدس العربي»: انطلق العرض الرسمي للفيلم السينمائي الجديد «سوناتا ليلية» للمخرج المغربي عبد السلام الكلاعي في القاعات السينمائية في المغرب، وسط ترحيب لافت من لدن الجمهور وعشاق السينما والنقاد، الذين وجدوا في هذا العمل تجربة فنية شديدة الخصوصية، تحمل بصمة سينمائية شاعرية تنبض بالمشاعر وتبتعد عن الأطروحات الواقعية المعتادة.
يحكي «سوناتا ليلية» قصة شاعر شاب يعيش في عزلة وظروف قاسية، يلتقي صدفة بفتاة حزينة يائسة، في إحدى ليالي المدينة الباردة والمظلمة. وخلال تجوالهما الليلي، يتبادلان الحكايات والتجارب، ليكتشف كل منهما جوانب خفية من ذاته ومن الآخر، في رحلة داخلية تمتح من الوجدان والعاطفة، أكثر مما تنتمي إلى الواقع الظاهري.
و»سوناتا» مصطلح موسيقي إيطالي الأصل، يعني قطعة موسيقية تتكون من عدة حركات، وغالبا ما تُعزف بآلة واحدة، أو آلة رئيسية مع أخرى مرافقة. وفي الموسيقى الكلاسيكية، «السوناتا» تعبّر عن تطور مشاعر، أو فكرة عبر مقاطع متعددة. وأوضح المخرج الكلاعي في تصريحات صحافية، أن هذا الفيلم يمثل خروجا فنيا عن أسلوبه السابق، الذي طغت عليه الواقعية الاجتماعية، ليقترب هذه المرة من التعبير الشعري الصوفي عن الحب في صورته الخالصة، بعيدا عن ربطه المباشر بالصعوبات الاقتصادية، أو التوترات المجتمعية. وأضاف: «أردت أن أقدّم قصة حب، كما في الشعر العربي القديم، وكما في الكتابات الصوفية، بأسلوب سينمائي أقرب إلى الحلم والخيال منه إلى التوثيق».
وحرص الكلاعي على إبراز التناقض البصري والدرامي داخل الفيلم من خلال تصويره على مرحلتين، جرت الأولى صيف 2023، والثانية شتاء 2024، لخلق تباين بين قصة «فتاة حزينة تحت قمر باهت» التي طغت عليها الألوان والضوء، ومشاهد التجوال الليلي الباردة، التي تكتنفها العتمة والمطر والضباب. وبالتالي، لم يكن الاشتغال البصري عبثيا، بل ساهم في تعميق الحالة النفسية لكل من الشاعر والفتاة، وجعل المتفرج يغوص بدوره في عالم شعري بصري يتجاوز الزمان والمكان.
وشدد عبد السلام الكلاعي على أن هذا الفيلم يشكّل تجربة فنية مختلفة مقارنة بأعماله السابقة. وأوضح أن «سوناتا ليلية» يجتهد في الغوص في العمق الشعوري للحب، في صورته الخالصة، مبتعدا عن ربط الحب مباشرة بالظروف الاقتصادية أو الاجتماعية كما اعتاد، وباتجاه نحو ما يشبه الشعر الصوفي في تعبيره، نحو الأحاسيس البينة التي تتحدّى الواقع بصمتها.
فيلم «سوناتا ليلية»، هو ثالث عمل سينمائي للمخرج نفسه، بعد مسيرة تلفزيونية عريضة. وأفاد الكلاعي بأن فيلمه لم يعرف أي تأخر في الإخراج أو الإنتاج، حيث استفاد من العرض المسبق في مهرجان مراكش الدولي، وهو المنبر الذي اعتبره فرصة ضرورية لعرض الإبداعات الجديدة المحلية، ثم شارك بعدها في مهرجانات دولية، قبل أن ينطلق عرضه في القاعات السينمائية المغربية لعموم الجمهور.
الناقد السينمائي عبد الكريم واكريم، يرى أن الكلاعي يقدم من خلال «سوناتا ليلية» تجربة غير مسبوقة في مساره السينمائي، حيث اختار ثيمة العشق كثيمة مركزية، ضمن بناء سردي يحاكي تقنيات الواقعية السحرية، من خلال قصة حب ثلاثية الأبعاد: الكاتب يعشق فتاة، والفتاة تحب شابا آخر، بينما المشاهد يظل معلقا بين الواقع والخيال، غير متأكد من حقيقة وجود هذه الشخصيات أو من أنها مجرد نتاج خيال الكاتب الذي يروي قصته بنفسه.
وأشار واكريم إلى أن الفيلم مقتبس، بتصرف، من رواية «ليالي بيضاء» لدوستويفسكي، لكن الكلاعي نجح في منح النص الأصلي نفسا مغربيا وثقافة بصرية تنتمي إلى البيئة المحلية، دون أن يفقد العمق الإنساني العام. كما يرى أن من أبرز نقاط القوة في الفيلم، ذلك الالتباس الجمالي المقصود، الذي يتيح تعدد التأويلات، ويمنح كل المشاهد فرصة لصياغة «فيلمه الخاص» بناء على تجربته مع السرد، خاصة أن الكلاعي يضع مفاتيح داخل العمل، لكنها مفاتيح لا تُفتح بسهولة.
من الناحية التقنية، قدّم الكلاعي عملا متقنا على مستوى الصورة والإيقاع، والاختيار الدقيق للممثلين. فقد برع سعد موفق في أداء دور الكاتب الشاب الغارق في خياله، والمتصالح مع عزلته، بينما تألقت ندى هداوي في دور الفتاة الحزينة، التي تبدو كأنها خرجت من أحد أفلام الخمسينيات المصرية، بحضورها الرومانسي الرقيق وأدائها الهادئ. أما الشخصية الثالثة، التي يحبها الفتاة، فجاء أداؤها واقعيا، ليخلق توازنا بين الخيال والحقيقة.
الفيلم، وفق الناقد الفني، ينقسم إلى فصول معنونة بعناوين تحمل بعدا أدبيا وشعريا، يقدم تجربة مشاهدة تستحق التكرار، نظرا لما يزخر به من طبقات سردية وإشارات خفية. ففي أحد المشاهد المفتاحية، تنتقل الكاميرا من الفتاة وهي تكتب رسالة للكاتب، إلى الكاتب نفسه وهو يكتب، بينما يستمر صوت الرسالة نفسه في الخلفية، ما يطرح سؤالا عميقا حول: من يكتب من؟ ومن هو الحقيقي؟ الفتاة، أم الكاتب، أم كلاهما مجرد شخصيات داخل رواية لم تكتمل بعد؟
ومن خلال هذه الحبكة المركبة، يراهن المخرج على جمهور ذكي ومتفاعل، لا يكتفي بمشاهدة الفيلم، بل يعيد تأويله وتأمل مفاتيحه. وهو ما عبّر عنه عبد السلام الكلاعي في تصريحه، حين تمنى أن «يتابع الجمهور هذا النوع من الأفلام التي تحترم ذوقه وذكاءه، وألا يقتصر على الأعمال الكوميدية التجارية التي تملأ الشاشات، لكنها تفتقر للعمق والإبداع».

المخرج عبد السلام الكلاعي