بالنظر لما يلازم مفهوم الحقيقة من هشاشة، فإنه يظل باستمرار عرضة لكل أصناف التحريف والتشويه، بدعوى قابليته المتجددة للتأويل والتفسير، حيث يمكن اختزال حركية الكلام، في ديمومة ما تخوضه أنوار الحقائق من صراعات جراء ما يطالها من تعتيم. إذ في قلب العتمة تحديدا تجد الترميزات الخفافيشية التي تكتظ بها ذاكرة الكلام ضالتها القصوى، في ممارسة طقوسها المريبة، التي لا قبل لها بضوء العقل وأنواره. ولنا في الحقيقية المتعلقة بمفهوم «الحوار» خير مثال على ذلك، بدليل استئثاره باهتمام الدرس الفلسفي الحديث، بوصفه منعطفا حاسما في مسارات تساؤل الذات عن حدود تجاوزها لمركزيتها، بحثا عن علاقتها التفاعلية مع الآخر. ومن المؤكد أن إشكالية الحوار تصبح أكثر إثارة، حينما تتمحور حول سؤال» الثقافي» الذي يتميز عادة بجاذبية استثنائية، تجعله محل استقطاب كبير من قبل المهتمين وغير المهتمين، على السواء. مع الأخذ بعين الاعتبار ما يشوبه من الالتباس، يتحول معه إلى قناع يحجب الهوية الحقيقية لحامله، بالنظر لما يوحي به من رصانة ومن فاعلية، مثقلة بإيجابيات دلالاته.
فخلف قناع المثقف يحتجب الأمي والجاهل، وأصناف المدَّعين كافة، بما يكفل لهم المكانة اللائقة في كنف هذا المحيط أو ذاك. إنه «الوسم» الذي يكسب حامله حصانة رمزية تساهم في تلميع صورته، بوصفه التعيين الشامل لذات متعددة المزايا، وجامعة مانعة للفضائل المعرفية، والأخلاقية. لذلك، سيكون من الطبيعي أن يحظى المثقف بمكانة استثنائية، بذريعة نظرته الثاقبة والراجحة لمجموع يتصدى له من إشكالات، حيث نادرا ما يشوب هذه الرؤية المثالية أي تشكيك، من شأنه تجريده من هالته الرمزية، التي تكرم عليه وسم المثقف بها. لذلك، سيكون من الطبيعي أن يحرص صاحبها على استثمار إشراقتها السحرية في انتهاز الفرص المتاحة والمستبعدة، إلى آخر نفس من تربصاته الخبيرة بمكامن الغنائم.
وبالنظر إلى أهمية الدور الذي تختص به هذه الهالة الغامضة في تعزيز خصوصية وفرادة صاحبها، فسيكون من الطبيعي أن تتحول إلى موضوع تهافت فج، من قبل كل من هب ودب من المدعين، الذين وجدوا فيها سندا كبيرا لممارسة كل أصناف الانتهازية، ضمن إطار مشبوه عنوانه «التوافق»، وهو شعار، يتحول في أزمنة الانحطاط الثقافي إلى هدف في حد ذاته، بصرف النظر عما يتخلله من رياء ومن تحايل.
إنه الإطار النموذجي الذي يلتئم فيه شمل تلك النخب الموبوءة من الزمرة الانتهازية، التي تجد في أشباهها وسائط أساسية، للفوز بغنائمها الشخصية التي لا تخص أحدا عداها. فالتوافق بهذا المعنى، لا يتمحور حول أهداف واضحة، تهم كل الفاعلين المدعوين للحوار، ما دامت طبيعة المقام، تسمح بالمصادرة على الغياب المطلق لأي سؤال مشترك يخص إشكالا محددا واضحا ومعلوما.
إن كل ذات من ذوات هذا الحشد الانتهازي، تتفرد أساسا بتطلعاتها الخاصة، التي غالبا ما تكون حريصة على أن تظل طي الكتمان. وبالتالي فإن ظاهرة التحشيد لا يمكن إلا أن تكون ملغومة ومبطنة بأقصى نزوعات المكر والخديعة. إن هذه الذوات المستقلة بتطلعاتها، غير معنية مطلقا بأي رابطة أو ميثاق، يمكن أن يصلها بغيرها، بقدر ما هي معنية بتوسل القوة والسلطة، من وجودها داخل الحشد.
إنها تجد، ومن منطلقاتها الانتهازية، أن «الجهات المعنية»، ستقيم لها وزنا على أساس انتمائها إلى تكتل ما. والغريب في الأمر، أن بعض النماذج التي تجسد سيرتها الصورة الأكثر تعبيرا عن الانتهازية المتطورة، لا تتردد في التصريح العلني بسلبية البقاء خارج الحشد، ما قد يهددها بالإقامة في ظلمة الهوامش الخالية من المغانم. إنها بهذا المعنى لا تمتلك أي تصور مقنع لما هو مطلوب من «الحشد»، عدا مطلب الاستقواء، لا أكثر ولا أقل. من هنا يمكن القول إن صلاحية الحشد، تنحصر فقط داخل القاعة، وخلال ذلك الحيز الزمني الذي تستغرقه فعالياته، بما تتطاير عنها من فقاعات إعلامية مأجورة. وهو أمر جد طبيعي في ظل تلاشي مسوغات التكتلات التي كانت سارية المفعول في أزمنة الأوهام الأيديولوجية، حيث كانت الشعارات الفضفاضة تمسك بتلابيب تلك القطاعات الجماهيرية الطيبة والمفترى عليها، والتي كانت ترى في الشعارات التحشيدية سبيلها الواعد نحو الآفاق المنتظرة.
ومع ذلك، وضمن تواطؤ عفوي، وتلقائي، لا يجد المحتشدون القدامى منهم والجدد، غضاضة في الاستنجاد بمنطق الشعارات ذاتها، بعد تكييفها وإعادة صياغتها، بما يساعد على بث ما يكفي من الحيوية المؤقتة في الأجواء. ومن المؤكد أن الحشد يرى في الشعارات ذاتها خير وسيلة لإحياء موتى الذاكرة، ومعالجة ما يطالها من علل وعاهات.
إنه التحشيد الذي يعتمد إنجاحه وإنجازه، على التغييب التام لكل الأسباب الكفيلة بتفجير قنابل الاختلاف الحاضرة بالقوة والفعل في خلفية المشهد، بالنظر إلى غياب الحد الأدنى من القضايا المشتركة بين مكوناته. فالقبيلة الهجينة الماثلة أمامك الآن بتنافرها المكشوف، لم تبادر إلى تأكيد واجب الحضور، بدافع تدارس ومناقشة القضايا الخلافية التي لا شأن لها أساسا بها، بقدر ما هي معنية أساسا بتأكيد انتمائها الإعلامي إلى حشد ما. وفي الواقع، إن ظاهرة الاستقواء بالآخرين هي الأصل في بناء التكتلات، حيث يكون من الضروري الاستعانة بأرضية نظرية، تضفي ما أمكن من الصلاحية على دلالة الرابطة القائمة بين مكونات التنظيمات، الطائفة، القبيلة. وتعتبر هذه الخطاطات النظرية ضرورية من أجل وضع مسوغ/ سند قانوني، وإداري، ومجتمعي للغاية التي يسعى التكتل إلى تحقيقها. وهو ما يفسر أبعاد تلك القطيعة القائمة بين واقع الإطار المعلن، والناظم للتجمعات والتكتلات ككل، وواقع الحال، المحتجب خلف هذا المعلن، بدليل الانفجارات الموسمية التي تحدث في مسارات أغلب التكتلات، كاشفة بشكل أو بآخر، عن جوهرها الحقيقي الذي لا علاقة له مطلقا بظاهره.
إنه التوافق المجمع عليه كضرورة تكتيكية ليس إلا، بغاية تحقيق منجز واحد لا شريك له، قوامه إنجاح لقاء تحشيدي يوحي على المستوى الإعلامي بانضواء الحاضرين فيه إلى جبهة موحدة، هي في حد ذاتها الترسيم الفعلي لأهميتهم في المشهد الذي يوجدون فيه سياسيا كان أو ثقافيا أو إداريا، بالنظر إلى انعدام أي شرط موضوعي وعقلاني من شروط تفاعل مكونات الجبهة. وبتعبير أكثر براغماتية، إنهم يتوافقون أساسا على تفادي فتح أي حوار من شأنه تفجير واقع الخلاف، الذي سيعصف لا محالة بفضاء اللقاء. وتلك هي إحدى الأعاجيب التي ينبغي أن تنصب عليها المقاربات المختصة بمجال التواصل.
فلا وجود لخطاب يستدعي حضور ذات متحدثة أو منصتة، ما يلغي إمكانية حضور أي رسالة قد تكون موضوع خلاف أو اتفاق. فليس سوى لغو يهيمن بعشوائيته على فضاء القاعة، حيث الأولوية المحتفى بها، هي الوهم بالانتماء إلى حشد شبيه بمُولِّدٍ مفتعِل لطاقة هجينة، تستعين بها انتهازية الوقت على قضاء مآربها. ولا أثر هناك لأي فكرة جديرة بالحجاج، والنقاش، والإثراء.
ثم بما أن الأمر يتعلق بمحض إخراج مسرحي على درجة كبيرة من الفجاجة، فقد كان على هذا الحشد العجيب أن يستبدل صخب اللغو، بحالة من الصمت المأتمي، الذي سيفي لا مَحالة بالقصد. أي بضمان تآزرهم وتعاضدهم تحت مظلة الانتهازية المشتركة.
شاعر من المغرب