بغداد ـ «القدس العربي»: تتعرض المصارف العراقية إلى ضغوط أمريكية للالتزام بالإصلاحات ومنع تهريب وغسيل الأموال، مقابل ضغوط مصارف وجهات مالية وسياسية عراقية، للالتفاف على القيود الأمريكية من أجل الاستمرار بتهريب الأموال الطائلة إلى الخارج، بدون الاهتمام للآثار المدمرة على الاقتصاد العراقي. بالتزامن مع أزمة سيولة مالية في المصارف تهدد انسيابية توزيع رواتب الموظفين والمتقاعدين.
وأكد المدير العام لمصرف الرافدين علي كريم الفتلاوي، أن هناك استهدافا ممنهجا للنظام المصرفي العراقي من قبل أطراف ذات أجندات سياسية أو مصالح شخصية انتهازية.
وقال الفتلاوي في بيان إن «عقد الشراكة الذي وقعه مصرف الرافدين مع شركة انتيكرتي، يمثل حائط الصد المهني والقانوني الذي سيغلق الطريق أمام كل المتربصين، ويؤسس لقواعد واضحة وشفافة للامتثال والحوكمة، بما يضمن أن صوت الإصلاح هو الذي يصل إلى العالم، لا أصوات التضليل أو التسييس».
وتابع: «نحن ماضون بخطوات واثقة في بناء نظام مصرفي عراقي حديث يتسم بالشفافية والمصداقية، ولن نسمح لأي أجندات خارجية أو مصالح ضيقة أن توقف مسيرة الإصلاح»، مبينا أن «هذه الشراكة الدولية هي شهادة نزاهة وثقة، ورسالة واضحة أن الرافدين يقود مساراً جديداً سيضع القطاع المصرفي العراقي في موقعه الحقيقي الذي يستحقه».
وكان رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني، قد أعلن قبل فترة، تكليف شركات مالية أمريكية بالإشراف على إصلاح المصارف العراقية الحكومية، من اجل تجنب العقوبات الأمريكية عليها بسبب لجوء معظم البنوك العراقية إلى تهريب العملة الصعبة إلى إيران.
وفي 31 أب/أغسطس الماضي، انتهت مهلة المصارف العراقية لتنفيذ ورقة الإصلاح المصرفي التي أعدتها شركة «أوليفر وايمان» الأمريكية، حيث ألزمت جميع البنوك الأهلية بزيادة رؤوس أموالها إلى 400 مليار دينار ودفع رسم سنوي بقيمة 2.4 مليون دولار لمدة 4 سنوات، أو الاتجاه إلى خيار الاندماج وتحديد الهياكل الملكية والإدارية بعدد من الضوابط في الهياكل الجديدة، ودفع 1.3 مليون دولار سنوياً أيضاً، وهي ضوابط قد لا يستطيع أصحاب المصارف تطبيقها خلال الفترة المحددة، حسب الخبراء الاقتصاديين الذين يأملون أن ورقة الإصلاح المصرفي ستخضع لـ «المرونة» بخصوص المهلة الزمنية، لكي تكون قابلة للتنفيذ في غضون أشهر أو سنة وفق تقديرات البنك المركزي.
تحذيرات من إفشال إصلاح المصارف
وبالرغم من محاولات حماية المصارف العراقية من العقوبات الأمريكية المحتملة، إلا أن العديد من الخبراء الماليين، حذروا من عدم الجدية والتلاعب في تنفيذ إجراءات الإصلاحات التي اقترحتها الجهات المالية الأمريكية.
وأقر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، بوجود «ضغط تمارسه أطراف قوية» على البنك المركزي العراقي، لـ«إفشال خطة الإصلاح المصرفي» المقدّمة من شركة استشارية أمريكية، فيما أشار إلى أن تطبيق الخطة سيخلص النظام المصرفي العراقي من معظم مشاكله و«تنظيف سمعته».
وقال الهاشمي في تدوينة، تابعتها «القدس العربي»، «علينا أن نعرف أولاً أن خطة المركزي العراقي للإصلاح والمقدمة من الشركة الاستشارية الأمريكية، لا تعتمد على معايير خاصة فرضها الفيدرالي، بل تستند إلى معايير دولية أهمها (معايير بازل) للرقابة المصرفية، والتي تركز على كفاية وجودة رأس المال والحوكمة وتوزيع الملكية وفصلها عن الإدارة، وإدارة المخاطر ومستوى الإفصاح».
وأوضح، أن «خطة الإصلاح هذه ستفرض على أصحاب المصارف الأهلية أن يدفعوا ثمن تأسيسهم لمصارف بدون المعايير والضوابط المصرفية، والاعتياش على حوالات الدولار، لذلك ليس لديهم من خيار الآن إلا الالتزام بشروط الخطة أو الاندماج أو التصفية»، مقرا «لحد الآن يُصر الكثير من أصحاب تلك المصارف على بقائهم مسيطرين على ملكية تلك المصارف، وهذه نقطة خلاف مع متطلبات الإصلاح قد تتسبب بإفشال تلك الخطة».
وتابع، «لقد أثبتت التجربة أن تركيز ملكية المصارف بيد قلة قليلة من العائلات والأفراد غير المتخصصين، كانت أحد الأسباب الرئيسية لتردي وضع المصارف وضعف الحوكمة وارتفاع المخاطر المالية وزيادة حالات الاحتيال، كما أن هناك ضغوطا أخرى بعدم زيادة رؤوس الأموال للمصارف أو عرقلة مستوى الحوكمة».
وبيّن الهاشمي، أن «خطة الإصلاح المصرفي، إن تم تطبيقها بكفاءة من قبل المركزي العراقي، فإنها ستساهم قطعاً في تخليص النظام المصرفي العراقي من معظم مشاكله وتنظيف سمعته ورفع جودة خدماته، وان تطبيق خطة الإصلاح، صعبة، لكنها ممكنة»، محذرا من أن «البنك المركزي العراقي أمام (فرصة أخيرة) لإصلاح نظامه المصرفي عبر تنفيذ خطة الإصلاح وفرض إرادته على المعرقلين، وإلا فالخزانة والفيدرالي سيكونان بالمرصاد»، مبيناً أنه «طوال سنوات سابقة، انتهج الفيدرالي والخزانة الأمريكية سياسة مباشرة مشددة مع المركزي العراقي، أخرجت قرابة 50 في المئة من المصارف من العمل أو التعامل بالدولار نتيجة العقوبات والحرمان».
وأضاف، «خلال تلك الفترة، فرض الفيدرالي العديد من الاشتراطات والمتطلبات على المركزي العراقي لزيادة الامتثال، كان من أهمها توسيع نطاق التحويل المباشر والدفع الإلكتروني وترشيق عدد المصارف عبر تصفية مصارف ودمج أخرى وتغيير هيكلية ملكية ورسملة المصارف»، في إشارة إلى وجود أكثر من 70 مصرفا أهليا في العراق بعد 2003.
وأوضح الخبير، أن «عودة الخزانة والفيدرالي للتدخل المباشر وممارسة الضغط، تعتبر مسألة حسّاسة يحاول المركزي العراقي جاهداً تجنبها، حمايةً لسمعته ولتأكيد استقلاليته وقدرته على تطبيق الإصلاحات، وهذا ما يتطلب موقفاً حازماً وحاسماً من إدارة المركزي لإنفاذ خطة الإصلاح تلك دون الرضوخ لأي إملاءات أو ضغوط داخلية».
خزن الأموال في البيوت
ومن جهة أخرى ونتيجة لغياب الثقة بأداء المصارف العراقية، فقد عمد الكثير من العراقيين إلى سحب ودائعهم من المصارف والاحتفاظ بها في البيوت خوفا من خسارتها، ما يهدد المصارف العراقية بالإفلاس.
وأكد التاجر في المركز التجاري في بغداد «الشورجة» محمود العزاوي، خلال حديثه إلى «القدس العربي»، أن كتلة نقدية هائلة قام المواطنون بسحبها من المصارف والاحتفاظ بها في البيوت والشركات خوفا من تكرار التجربة اللبنانية بإعلان إفلاس المصارف وضياع ودائع المواطنين. ونوه إلى أن محاولات البنك المركزي والمصارف المختلفة لرفع الفوائد على الودائع لتشجيع الناس على إيداع أموالهم في المصارف، لم تجد نفعا لغياب الثقة بأداء وشفافية تلك المصارف، ونتيجة لذلك برزت أزمة نقص السيولة المالية في المصارف، التي أدت إلى تأخير دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين في مواعيدها في الأشهر الأخيرة، وزادت من مخاوف الموظفين من تكرار هذه الحالة.
وأكد العزاوي غياب رقابة البنك المركزي على المصارف الأهلية خلال السنوات الماضية، بوصفه المسؤول الأول عن حركة السيولة ورؤوس أموال البنوك، مشيرا إلى تقصير وتغافل البنك المركزي العراقي عن تلاعب المصارف الأهلية وعدم تحركه قبل أن يصل النظام المصرفي إلى الوضع المتدني الحالي الذي أدى إلى تصفية بعض البنوك وتشديد الإجراءات والعقوبات الدولية على الأخرى. ونوه إلى أن الدين الحكومي الداخلي وصل إلى مستوى تاريخي غير مسبوق حيث ارتفع من 70 إلى 92 ترليون دينار عراقي خلال عامين، بسبب سحب الحكومة مبالغ طائلة من المصارف وصندوق هيئة التقاعد، من أجل تغطية الانفاق الحكومي غير الرشيد وسوء الإدارة للموارد المالية، حسب قوله.
العقوبات الأمريكية على المصارف
ونتيجة لقيام البنوك الأهلية بتهريب أموال طائلة إلى الخارج، فقد عمدت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على 14 مصرفا عراقيا لتورطها في مساعدة إيران ودول أخرى خاضعة للعقوبات. وهو ما أقر به محافظ البنك المركزي العراقي، علي العلاق، الذي كشف عن وجود 10 مصارف على لوائح «التصفية» وهي عاجزة عن رد أموال المودعين، ما أثار المخاوف بين أوساط العراقيين، وتداعيات سلبية النتائج على النظام المصرفي.
وفي هذا السياق، دعا مؤخرا عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون، إلى فرض عقوبات على مصرف الرافدين العراقي، أكبر المصارف الحكومية، واصفا إياه بـ«آلة لغسل أموال النظام الإيراني».
وقال ويلسون إنه «تحت حكم الرئيس السابق جو بايدن وبريت ماكغورك، سمحت وزارة الخزانة الأمريكية وبنك الاحتياطي الفيدرالي لبنك الرافدين، وهو الأكبر في العراق، بأن يصبح آلة لغسل الأموال للنظام الإيراني وعملائه للحصول على الدولار الأمريكي»، مضيفاً: «يجب فرض عقوبات على هذا البنك. ترامب سوف يصلح الأمر».
فيما قال مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن «الكونغرس الأمريكي دعا منذ شباط/فبراير 2025 إلى فرض عقوبات على مصرف الرافدين بسبب تسهيله تحويلات مالية واسعة النطاق لإيران ووكلائها»، مبيناً أن «الرافدين أصبح في دائرة الخطر».
وهكذا يدور منذ سنوات سباق محموم بين مساعي البنك المركزي العراقي، لإبعاد المصارف العراقية عن العقوبات المالية الدولية، وبين تشديد الجهات المالية الأمريكية من إجراءاتها الرقابية وتهديدها بفرض المزيد من العقوبات على المصارف العراقية لإيقاف تهريبها الأموال إلى الخارج، وسط شكوك قوية من خبراء المال، بقدرة البنك المركزي والبنوك الأهلية على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة نظرا لهيمنة الفساد من القوى المالية والسياسية وقدرتها على الالتفاف على القيود الدولية من أجل مواصلة تهريب الأموال إلى الخارج، ضاربة عرض الحائط، مخاطر المجازفة في تعريض الاقتصاد العراقي للعقوبات الأمريكية إسوة بما حصل لإيران.