«فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتّصال»

تعتبر قضيّة التوفيق بين الدّين والفلسفة من أهمّ القضايا التي شغلت بال فلاسفة المسلمين، إضافة إلى مسائل أخرى كانت لها موضوعاتها الخاصة انكبّ الفلاسفة على إيجاد الحلول لها استدلالا وبرهانا، ومنها مشكلة العلاقة بين الله والعالم وقضية الفعل الإنساني بين الحرية والجبر ومشكلة الوحدة والكثرة وقضية النبوّة والسعادة وغيرها من القضايا الكبرى.
وتفسّر محاولات المصالحة بين الشريعة والفلسفة والوحي والعقل، والنقل والرأي في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، السّعي الدّائب منذ بداية التئام عناصر الثّقافة العربية الإسلامية إلى تحقيق التطابق بين العلم والعمل بالعلم، وإلى تثبيت التماثل بين مطالب الفكر وقواعد السّلوك من جهة أنّ العقل والعلم والفضيلة خصال عمليّة أكثر منها صفات نظريّة.
وهو فهم عبّرت عنه الفلسفة الإسلامية بما هي فلسفة عقلية تعتدّ بالعقل اعتدادا كبيرا وتقوم أيضا على أساس من الدين، فهي فلسفة دينية وروحية عندما تعوّل على الروح وتحلّل فكرة الألوهية تحليلا شاملا ودقيقا، تكشف عن الحقائق الكلّية بمدد سماوي وفيض علوي، وكمالها في أن تسمو عن طريق النظر والتأمّل إلى مرتبة الاتّصال بالعالم العلوي، وفي ذلك يدعم الوحي العقل الإنساني ويؤيده في طلب الحقيقة. وهي فلسفة توفيقية من جهة التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، والتوفيق بين الفلسفة والدين والعقل والنقل، تعبير عن الحقيقة الواحدة وإن اختلفت الطرق المؤدّية إليها، وهذا الإيمان بوحدة الحقيقة هو الذي حمل الفارابي على الجمع بين رأيي أفلاطون وأرسطو، وبين معطيات الوحي ومعطيات العقل، وإذا كان قد بذل مجهودا عظيما في إثبات النبوّة إثباتا عقليا وعلميّا، فمردّ ذلك إلى رغبته في الردّ على الذين يحاربون جميع الأديان، وينكرون النبوّة. وكثيرا ما كان يؤوّل النصوص الدّينية تأويلا موافقا لنظرياته الفلسفية.. حتّى أن ابن سينا لم يأخذ بنظرية الفيض إلاّ للتّوفيق بين ما جاء في فلسفة أرسطو من القول بقدم العالم، وما جاء في الدّين من القول بإبداعه وهو ينحو نحو الفارابي في تفسير النبوّة تفسيرا علميا. ويعدّ هــذا التوفيق بين الآراء المتعارضة أبرز ما تتميّز به الفلسفة الإسلامية من الصفات، فالكندي لم يوفّق بين طريق العلماء وطريق الأنبياء إلا لاعتقاده أنّ الحقيقة واحدة، والفارابي لم يوفّق بين رأيي الحكيمين إلاّ لإيمانه بوحدة العقل ووحدة الحقيقة الدينية والفلسفية. وهو جهد تأسيسي واصله ابن سينا الذي أخذ بنظرية الفيض ليوفّق بدوره بين القول بقدم العالم والقول بخلقه.. وابن رشد الذي حاول جاهدا التوفيق بين ما ورد في الشرع وما أدّى إليه النظر البرهاني والاستدلال المنطقي والتدليل العقلي، اعتقادا منه أن الحق لا يضادّ الحق وإذا أدّى النظر العقلي إلى ما يخالف ظاهر النصّ أمكن رفع التعارض بينهما بطريق التأويل. وهو ضرب من وعي الفيلسوف المسلم بأنّ التمييز بين النظرة الكونية الدينية والنظرة الكونية الفلسفية تمييز سطحي تماما، فالنظرة الكونية الدينية التي تسعى لفهم نفسها فكريّا تصبح فلسفية، ومن ناحية أخرى فإنّ النظرة الكونية الفلسفية إذا كانت عميقة حقّا، فإنّها تتّخذ طابعا دينيّا.
وقليل من النظر والبحث الجادّ في الموروث الفلسفي الإسلامي بمحدّداته الشكلية والمضمونية، يثبت أن رغبة الفلاسفة المسلمين في التوفيق بين الدين والفلسفة- الحكمة والشريعة حملتهم على مخالفة الكثير من آراء فلاسفة اليونان، وعلى تجاوز منوالي الشّرح والتّلخيص نحو نقد الرّافد الموضوعي والموروث من جهات علوم الأوائل، فأربوا بذلك على من تقدّمهم في هذه العلوم بعد أن حذقوا فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها بحثا وتحقيقا- تكوينا وتحصيلا .

٭ أستاذ وباحث في الحضارة ـ تونس

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية